لماذا تفشل السلطات في إخماد انتفاضة العراقيين؟ ... رؤية من داخل ساحة التحرير

مليارات الدولارات من عائدات النفط من دون جدوى

انتفاضة شيعة العراق، تتعدّى في توصيفها بالاحتجاج السياسي إلى مرحلة التخلي عن الدين والسياسة معاً، كتعبير عن هويتهم الاجتماعية، بعد أن أوغل دعاة الدين الجدد في فساد يتناقض وقيم رموز الدين الحقيقيين الذين يجاهرون بالولاء لهم، لضمان كرامة الإنسان وحريته وانعتاقه، ويشهرون كونهم ينحون صوب مثالية العدالة المطلقة التي يمثلها علي بن أبي طالب (رض) وولده سبط الرسول الحسين بن علي الذي دعا "كونوا أحراراً في دنياكم" ونادى "هيهات منّا الذلة" التي قالها في كربلاء.

ويرفع أصحاب الأحزاب الشيعية راياتهم في مسعى لإرضاء وكسب ولاء إيران في كل زمان وأوان، حين يشهرونها في وجوه عامة الشعب العراقي الذي أُفقر ونُهبت ثرواته...

في وقت هم يفعلون الأفاعيل، ظانين أن المواطنين في ظل الفوضى والزوابع التي يثيرونها منذ تسلمهم الحكم، يتمكّنون من تغييب وعي الذين يدركون بوعيهم الفطري أن الإيغال بالطقس الديني وتكراراته، لا تمتّ بصلة لدعوات آل البيت الحقة التي لا تقبل مطلقاً باستخدام اسمها وشعاراتها لتحقيق مكاسب سياسية على حساب العدالة الاجتماعية، كما يؤكد كثيرون من مفكري الشيعة العروبين.

هذه الصورة المتناقضة التي استلمها جيل شاب وجد نفسه أمام تناقض وشرخ واضحَيْن بين ما يجري في البنوك وأرصفة تحميل النفط والصفقات التجارية والبذخ الذي يطغى على ممسكي الحكم، ومرأى قصورهم في الداخل والخارج، ومرأى السيارات التي تُطلى بالذهب، والمكوث بأسرع ما يتخيّله عقل في أرقى الأحياء السكنية في لندن وباريس وأوروبا، وبذخ عوائلهم في المناسبات التي تُنشر على صفحات "السوشيال ميديا"، والتي أمعن الشباب المحروم في توزيعها على الرأي العام، لتكون حكاية كل شاب عراقي.

وبين جيوش العاطلين من الشباب الذين أفرزتهم الألفية الجديدة، استفاق على فجائع وطنه برؤية أشلاء تخلفها تفجيرات مدينة الثورة والشعلة والكرادة وساحة الطيران وهي مناطق ذات غالبية شيعية، وحروب الفلوجة وضياع الموصل ومقتل أكثر من 1700 طالب في القوة الجوية، في قاعدة "سبايكر" في تكريت، وسبي العراقيات الأيزيديات في نينوى ومعارك تجار المخدرات ومداهمات مقار بيوت الدعارة والقمار ومشاهد الانتحار المتكررة، من دون أن يرف للسلطة جفن، وهي متحصنة في المنطقة الخضراء في كرادة مريم جهة الكرخ، حيث يقوم سياسيوها بتنظيم الصفقات وكنز الأموال وإنشاء المصارف، ومزاد العملة الصعبة "بالدولار" وبيعها، ظانّين ألاّ أحد سيصل إليهم بعد محاولة تعويم الدولة، كما يؤكد عشرات المتابعين، وتحويلها إلى مجرد مسميات، وزجّوا بآلاف "المنتسبين للميليشيات" في أجهزة الدفاع والأمن، وغلّبوا "سلطة الميليشيا" على سلطة الدولة التقليدية التي لم يبقَ منها غير المسمى، كما قال ضمناً رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، بضرورة أن يستعاد السلام إلى يد الدولة، كما يشكو دوماً سياسيون بارزون، مثل إياد علاوي.

غير أن سبل التعلم خارج الموروث الديني والسياسي، الذي فرضته أجنحة موالية لإيران وروادها التقليديين وكثيرين من المدلسين، حفّز جيلاً شاباً تجمهر في خانة العطالة عن العمل متى صار بضعة ملايين، اضطره إلى استرداد هوية الوطنية وخلق رؤية جديدة لم تكن في حسبان صناع المواكب الدينية، التي تمثلت في طقوس غالت بالموروث العراقي البسيط الذي ينشد احترام كرامة الإنسان والدفاع عن حقه في الحياة، حين يحتفل في مناسبته الوطنية والدينية.

هذا وسواه الكثير، دفع الأجيال الجديدة إلى اكتناز رؤية جديدة مختلفة تماماً في التعاطي مع الدين وطقوسيته المبالغ فيها، أثار تساؤلات حول جدوى الممارسات التي أوغلت في تغييب الوعي الوطني، وحاولت أن تُنسيهم حاجاتهم الأساسية في العيش والحياة والكرامة، ولم يعد يواكب طموحاتهم وتطلعاتهم في التماهي مع الحياة الجديدة.

فقد أضحى المجتمع في تناقض شديد مع سلطة تعتقد أنها قادرة على السيطرة المجتمعية بأسلوب تغييب الوعي الجماهيري بمعادلة الدين والمال، وتقوم بكل ما لا يمت بصلة لجوهره المثالي في التضحية والإيثار والعمل لتلبية حاجات الفقراء والمعدمين، الذين تتزايد أعدادهم كلما كبرت طقسية السلطة وبذخها على الأنشطة التي تراها تجلب الولاء والمريدين معاً، كأصوات انتخابية لأن النظام برلماني، ظناً أنها بذلك تتقرب من الشعب وتكسب لبه وتستميله إليها وتضمن حكمه.

ومن دون دراية أو معرفة منها، أنه لم يقبل مواكبتهم معرفياً وثقافياً كما يزعم بعض الكتاب الاجتماعيين، الذين يؤكدون أنه "لم تتوافق الصورة التي يختزنها الجيل الجديد الذي يتعاطى من شارع الكرامة والألم العراقي والرغبة في أن يحصل على حياة جديدة تتوافق مع عائداته المليارية من النفط، الذي يُهدر على مشاريع وهمية وعقود محصورة بيد سلطة، تزاوج بين امتلاك ناصية الدين والاقتصاد والسياسية معاً، وتتحصن في القصور وسيارات الدفع الرباعي غالية الثمن، التي تجوب شوارع العاصمة لتصل إلى 60 سيارة تحمل مسلحين لموكب أحد المسؤولين، مقابل عجلات "التكتك" التي ملأت شوارع المدن وحواضرها، وباتت طموح أي شاب عراقي لا يملك وسيلة عيش ولا يقدر أن ينفذ من حاجز الولاء الطائفي والحزبي، الذي بات هو المعيار للتعيينات والوظائف العامة، كما تشي تصريحاتهم وشكواهم لوسائل الإعلام ووسائطه.

وشكّل تعدد السلطات والأسيجة التي استعارتها من تجربتها في المنفى (في الغالب بإيران) لثلاثة عقود سبقت عام 2003، إبان الحقبة السابقة، ومنحها الحكم وأطره الدستورية بعد الاحتلال عام 2003، والإسراع والقفز على التركيبة الوطنية العراقية، التي تشكلت خلال 80 سنة من إنشاء الدولة العراقية الحديثة، إبان العمل الوطني بعهدَيْه الملكي والجمهوري، مع خزان حضاري وثقافي يمتد لسبع حضارات يكمن في الوعي المجتمعي وآبائه، الذين يرون أنهم لم يُخلفوا لأولادهم وأحفادهم، سوى اليتم والفقر والثكالى وآلاف الشهداء وعويل الأمهات والشابات اللواتي فقدن أزواجهن بحروب ظلت متقدة من دون سبب مقنع لضحاياها.

وأمام الأرقام المليارية التي أهدرت من عائدات النفط، وامتلاك "مجاهدي" الأمس القصور والضيع والسيطرة على قصور صدام والمكوث في بيوت من أسموهم بالظلمة، والاستمتاع بقصور أكثر رفاهية في الخارج، وكلها من جلود العراقيين ومالهم العام الذي يقدر بأكثر من 500 مليار دولار، حتى بات العراق يصنف في منظمات الشفافية الأكثر فسأداً والأكثر فقداناً للأمن...

ما ولّد صدمة بل فاجعة لجيل شاب، هو جيل الألفية الذي قال كلمته أخيراً بالخروج بعربات "التكتك" وبصدور عارية، تسلّلوا من مدينة الثورة الفقيرة وسواها من الأحياء الشعبية، لا سيما تلك التي هدمتها بدعوى السلطة كأحياء عشوائية، من دون توفير بديل، حين اضطر ساكنوها للتجاوز على التصميم الأساس للمدن ليضعوا اضطراراً سقوفاً فوق رؤوس أولادهم، ويشترون "الأمبيرات" من مقاولي الكهرباء، بعدما عجزت السلطة طيلة الـ 16 عاماً خلت من توفيرها، وأنفقت أكثر من 60 مليار عليها من دون حل، في وطن تصل درجة الحرارة فيه إلى 60 درجة مئوية!!

بعقود تعرف لجان النزاهة البرلمانية والحكومية في تقاريرها والمجتمع إلى أين مآلاتها، كما يدركها جيل الاحتجاج الذي يمكث غالبية وقته في المقاهي والشوارع كباعة جوالين وعتالين ومهن لا تليق إلاّ بعصر الشطار والعيارين، ظل يقرأ كل يوم عن مأساته في فضاء "السوشيال ميديا"، وصنع أبطاله بنفسه بعيداً من موالاة السلطة التي باتت خصماً لطموحاته عندما تنقطع عنه الكهرباء حيناً، ويضعف النيت أحياناً، وتهاجم "بسطات" الباعة الجوالين في الشوارع والمحال التجارية التي تضيق ذرعاً بأعدادهم حتى وجدوا أنفسهم منبوذين في وطنهم الذي لا يعرفون سواه.

وبات يتملكهم حلمان، حلم التعيين بأي طريقة أو الهجرة إلى المجهول، لكنهم وجدوا أن هناك طريقاً ثالثاً وهو استرداد وطنهم من خلال الاحتجاج وإخضاع السلطة إلى مشيئتهم ولفت نظرها بأنها لم تعد صالحة للحكم، "وخلصت صلاحيتها"، كما يقول مفكر عراقي.

وبدلاً من أن تتفهم الحكومة جوهر الأزمة، ظنت السلطة وميليشياتها بأن إطلاق النار على رؤوس شباب الألفية، التي تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاماً، سيمنعهم من التظاهر وسينسحبون أمام غضبها.

ففوجئوا بتحدّ أكبر وزاد سقف مطالبهم، إلى الدعوة بإخراج من يحمي تلك السلطة ويمدها بالاستمرار، وتمزيق صور الرموز المقدسة وإحراقها، ثأراً للضحايا الذين بلغوا الآلاف بين قتيل وجريح، حتى تعالت المجابهة لتعم المحافظات الوسطى والجنوبية، لمناصرة متظاهري العاصمة، إلى جانب تعاطف شعبي من الشمال حتى الجنوب، لتنطق الغالبية الصامتة وتحيل السلطة إلى كيان محاصر في المنطقة الخضراء في بغداد، بعدما فقدت مسوغات وجودها في احتجاجات الشباب، الذين لم يقرأوا يوماً كتاب "رأس المال" لكارل ماركس ولا "في سبيل البعث" لميشيل عفلق ولا "اقتصادنا" لمحمد باقر الصدر، بل قرأوا معاناتهم وألمهم بوجوه أمهاتهم اللواتي فُجعن بالقهر والجوع والعوز المزمن.

المزيد من تحلیل