مسار عزل ترمب يدل على أن الأميركيين يعيشون تحت حكم أوليغارشية

لم تخطىء ميكا بريجينسكي مقدمة برنامج "مورننغ جو" عندما دعت الأميركيين إلى التصويت. وعلى الرغم من الاقتراع هو من أسس المواطنة، يمكننا القيام بما هو أكثر

حظوظ الرئيس الاميركي، دونالد ترمب، مهددة في معاقله الانتخابية (رويترز)

تبدو الصورة المتكوّنة في ذهني عن آخر مرة واجه فيها رئيسٌ موضوع إقالته من منصبه، بعيدة وغير واضحة. كنت حينها في الصف الثالث، وقد جعلني أساتذتي وأهلي أشعر كأن عزل بيل كلينتون لا علاقة لي به، وبأنه لا يمكنني أن أؤثر في النتيجة، كما وبأنها لن تؤثر عليّ. أعترف أنني كنت في ذلك الوقت منشغلة أكثر في الحصول على أكسسوارات من متاجر Limited Too، ومعرفة بعض الجوانب المتعلقة بهوس المراهقات. لكنني الآن كاتبة تبلغ من العمر 28 عاماً، وما زال موضوع عزل الرئيس يُطرح للناس على أنه جانب غامض لا يمكن للإنسان العادي حتى محاولة فهمه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتصويت مجلس النواب الاميركي الخميس لأول مرة على التحقيق في قضية العزل، يحدد رسمياً قواعد جلسات الاستماع العامة. لكن القرار بما سيتم الكشف عنه للجمهور الأميركي لن يتمكن من التعامل مع حقيقة أن قلة قليلة من الناس ستشعر بالقدرة على تكوين رأي حيال تلك المعلومات، وسيكون عدد الذين لديهم دافع للمبادرة في وجه ذلك، أقل بكثير.

لكن إذا كانت الحكومة الأميركية ستهتم بارتداء قناع الديموقراطية، فيجب إذاً تمكين الجمهور من المشاركة في العملية السياسية بمساعدة الحريصين على صون الديموقراطية من سياسيين وإعلاميين. وما هو حاصل أن مسؤولينا المنتخبين يتصرفون كما لو أن سلوكهم لا يتطلب موافقة المحكومين، والتغطية المعيارية لسلوكهم تؤكد ذلك كأنه واقع مقبول. إنني لا أقوم أبداً بلعب دور برنامج "سكول هاوس روك،" لكن لن تنشأ حكومة من الناس ولأجلهم، ما لم تكن مساهمتنا واضحة في قيامها.

الآن، أصبحت كلمة "ديموقراطية" أشبه باستخدام مضمدات الجروح المستعملة. قد يرغب المحافظون في القول إن أميركا هي في الواقع "جمهورية." إلا أن الولايات المتحدة ليست شيئاً من هذا القبيل. وكما هي الحال عليه، فإن مجموعة صغيرة من الأشخاص تتخذ غالبية القرارات المتعلقة بثروة هذه الأمة وقوتها، وهي حتى لا تدّعي أن لدينا أي مداخلة أو رأي في ما تقوم به. ولم تكن الأوليغارشية أبداً جلية كما هي عليه اليوم من منظور عزل الرئيس.

ويعود جزء من المشكلة إلى أن الحديث المتعلق بالمساءلة والعزل جرى تأطيره من جانب عدد من الشخصيات البارزة في وسائل الإعلام الرئيسية، على أنه مواجهة بين فريقين. وفيما تشير العناوين الصحافية المنتظمة في موقع "بوليتيكو" إلى مكاسب "الديموقراطيين" أو "الجمهوريين" من التحقيقات التي يجريها مجلس النواب، وتستبعد صحيفة "نيويورك تايمز" تصويت أعضاء مجلس الشيوخ من المحافظين على محاسبة الرئيس كما لو أنه مسألة مصيرية، وجاء في مقال نُشر أخيراً أن "العزل يحتاج لأن يقف 20 سيناتوراً جمهورياً إلى جانب الديموقراطيين لإدانة ترمب، وأن قلة من المراقبين ترى إمكان حدوث ذلك".

وفي عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أطلق الجمهور صيحات استياء خلال إحدى مباريات البايزبول ضمن بطولة "ناشيونالز" في العاصمة واشنطن، عندما ظهرت صورة الرئيس ترمب على شاشات الملعب. وهتف كثيرون: "اعتقلوه". ورداً على ذلك، غرّدت مضيفة برنامج "مورننغ جو" ميكا بريجينسكي على "تويتر" قائلة إن "الحشد ما كان يجب أن يستهجن ويعرب عن قلقه من سلوك الجانبين، إذا كنتم تريدون إسماع  صوتكم، فقوموا بالتصويت".

ويجب أن يكون واضحاً أن من الممكن لا بل من الضروري، أن نرفع صوتنا إلى ما هو أبعد من صندوق الاقتراع، خصوصأ أن الرئيس الراهن خسر التصويت الشعبي. فالأنشطة السياسية التي تتعدّى التصويت تشكّل جزءاً تاريخياً من الثقافة الديموقراطية، بغض النظر عمّن يحل في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض. وحري بمسؤولينا المنتخبين السعي إلى أن يعملوا على أن يكونوا موضوع محاسبةٍ من أولئك الذين يمثلونهم، كما أن مهمة الصحافي تكمن في القدرة على مدّ الناس بالمعلومات التي يحتاجون إليها لجعل إرادتنا معروفة. وإن إصرار بريجنسكي على أن يتوقف الناس عن إطلاق صيحات الاستهجان هو أكثر من تغريدة صمّاء. وتنطوي كلماتها على فشل أكبر في التغطية الصحافية لمسألة العزل بشكل عام، والطريقة التي تحرمنا من القدرة على رفع صوتنا كجمهور.

ويتجسّد المرض الأكثر خطورة في السياسة الأميركية في أننا مُنعنا من المشاركة المدنية المستمرة التي تقتضيها الديموقراطية من قبل الحريصين عليها من السياسيين والإعلاميين الذين يواصلون تداول فكرة أن السياسة هي رياضة التفرّج. وهذا يبدو واضحاً بشكل خاص مع إجراءات العزل.

إن التأطير الثنائي لمسألة عزل الرئيس على أنها نوع من مسالة حياة أو موت بين "الديموقراطيين" و"الجمهوريين" يخلق شعوراً بحتمية أنه مسار معادٍ للديموقراطية. وفي رأيي الشخصي، فإن الحزب "الجمهوري" على حدّ تعبير نعوم تشومسكي، "هو أخطر منظمة في تاريخ البشرية،" أما الحزب "الديموقراطي" فهو في معظمه مجموعة من البيروقراطيين الذين يميلون إلى الوضع الراهن ويتعاطون معه كما لو أنه حديقتهم الخاصة من طراز "زن" الياباني. ما أقوله لا يتعلق بإلقاء اللوم المناسب أو بميولي الإيديولوجية، فما أكتبه هو انحياز فقط نحو الديموقراطية الحقيقية. وهذا يتطلب من كل فرد منا أن يرفع الصوت في جميع الأوقات، وأنا أعني ذلك حقاً، حتى لو كنا نختلف سياسياً.

وإن أحد العناصر السخيفة في الحديث الدائر حول موضوع العزل، وهناك الكثير منها، هو أنه يجب علينا أن نقبل ببساطة الإجراءات الحاصلة في واشنطن باعتبارها "الطريقة التي تسير بها الأمور". فالعرض الذي يقدمه الجانبان يدفع بنا إلى الهامش حيث تكون المشاركة الأكثر شغفاً هي مسألة زيادة أعلى نسبة من أصوات المشجعين لكل فريق. ومساءلة الرئيس وعزله يتعلقان بنزاهة ديموقراطيتنا، والخاسر الواضح الآن هو الشعب الأميركي. ويُفترض في المقابل بأعضاء الكونغرس أن يقوموا بتمثيلنا، وهذا يشمل النطاق الكامل للناخبين، وليس فقط الأشخاص الذين صوتوا لمصلحتهم، وبالتأكيد ليس لأجندة حزبهم السياسي. وإذا رفض مسؤولونا المنتخبون سَنّ إرادة عامة في ما يتعلق بموضوع التقصير، فعندها هم أيضاً بحاجة إلى الإقالة من مناصبهم.

وصلنا إلى النقطة التي يتصرف فيها مسؤولونا المنتخبون كما لو أنه لا يمكن مساءلتهم في إجراءات العزل، أو عندما يتعلق الأمر بتمريرهم مقترحاتٍ لسياسة التعاطي مع أزمة المناخ وإصلاح قانون استخدام الأسلحة النارية والرعاية الصحية، وهي قضايا تعتقد غالبية الأميركيين أنها في حاجة إلى حلول. إن المصالح المادية والتلاعب بالأخطاء والتحيز المناطقي في عمليتنا الانتخابية، إضافةً إلى قمع الناخبين، هي من بين الحقائق الأساسية التي تقمع أصواتنا. وعلى الرغم من هذه العقبات، ينبغي أن تعمل الهيئات الحريصة على نزاهة  الإعلام والسياسة لدينا، على تمكيننا من المعلومات التي نحتاج إليها للتعبير عن أنفسنا كمواطنين، أو بالأحرى، هذا ما سيفعلونه إذا كانوا يكترثون للديموقراطية.

وإذا كنتم تشاهدون للمرة الأولى مسألة عزل الرئيس، فسأخبركم اليوم بما أود أن أقوله لنفسي عندما كنت في الصف الثالث، على الرغم من أن تلك الفتاة لم تكن قد بلغت من العمر ما يكفي للتصويت: "بغض النظر عمّن أنتم، فإن السياسة تؤثّر عليكم وهذا يعني أن لديكم الحق وعليكم واجب التعبير عن رأيكم في المسار السياسي.

ومن الضروري أن يحوّل كل شخص غضبه من إجراءات المساءلة والعزل، إلى أفعال وليس فقط في استحقاق نوفمبر 2020 الانتخابي. وكي أكون واضحة، فإن المذيعة ميكا لم تكن على خطأ في دعوتنا إلى التصويت، لكن الاقتراع هو فقط الخطوة البسيطة الأساسية في المسار نحو المواطَنة.

وفيما قد يتضمن رفع الصوت إطلاقاً لصيحات الاستهجان، لكنه يعني أيضاً الاتصال بالمسؤولين المنتخبين أو التبرّع أو الاحتجاج. وقد يكون أيضاً التطوّع في حملة أو الترشح لمنصب. وفي مجال التعبير عن الآراء السياسية، نحتاج جميعنا إلى رفع الصوت باستمرار، ليس فقط في حالات الطوارئ، لكن بالانتظام الملتزم نفسه الذي نتّبعه في عاداتنا اليومية كتنظيف الأسنان. فالديموقراطية في الواقع، ليست شيئاً نملكه، إنها فعل يجب المبادرة إليه في جميع الأوقات.

ونرغب في الاعتقاد بأننا أحرار في الولايات المتحدة، لكننا لن نكون كذلك حتى نلتزم العمل من أجل مواطَنة مستمرة بدافع من واجبنا الجماعي. ويكون ذلك من خلال رفع صوتنا باستمرار حتى تحقيق القوة العامة المنصفة التي نستحقها جميعا. أما إخراج الشيطان من منصبه فيكون مجرد مكافأة.

لورين دوكا صحافية حرة تركز على بناء ديموقراطية حقيقية من خلال حركة شبابية ذات قوة سياسية. كتابها حول هذا الموضوع ، "كيف تبدأ ثورة" صادر عن  دار "فيراغو" للنشر في المملكة المتحدة و"سيمون أند شوستر" في الولايات المتحدة

© The Independent

المزيد من آراء