اقتحام السفارة الأميركية في إيران عام 1979... كيف أسس لهجوم مماثل ضد بعثات دبلوماسية أخرى؟

خبراء: نقطة جوهرية في توتر العلاقات بين البلدين منذ 4 عقود

اقتحام السفارة الأميركية في طهران 4 نوفمبر 1979 (أ.ب)

بعد نحو 40 عاماً من اقتحام طلاب من أنصار الثورة الإسلامية مقر السفارة الأميركية في طهران واحتجاز موظفيها رهائن، لا تزال أحداث الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين الخصمين.

ففي ذلك اليوم، وبعد أقل من تسعة أشهر على إطاحة الشاه المدعوم من واشنطن، اقتحم طلاب السفارة مطالبين واشنطن بتسليمه إثر إدخاله مستشفى في الولايات المتحدة. واستمرت الأزمة 444 يوما قبل أن تنتهي بالإفراج عن 52 أميركياً، لكن الولايات المتحدة قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران عام 1980، وفرضت عليها حظرا تجاريا. ولا تزال العلاقات بين الطرفين مجمّدة منذاك.

 

 

ماذا حدث في ذلك اليوم؟

في منتصف نهار الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، اقتحم ما بين 300 و400 طالب جامعي متشدد مقر السفارة الأميركية وسط طهران عبر التسلّق على أسوارها. معرفين أنفسهم حينها على أنهم من أتباع الإمام الخميني، وطالبوا بتسليم محمد رضا بهلوي الشاه الذي تمت إطاحته قبل أشهر، وكان يخضع للعلاج في الولايات المتحدة.

ووفق راوية الشهود حينها، فإن الطلاب الذين كانوا "مسلحين بالهراوات" اجتاحوا السفارة "بعد ثلاث ساعات من المقاومة أطلق خلالها عناصر المارينز قنابل الغاز المسيل للدموع قبل أن يتم احتجازهم رهائن". وتم احتجاز أكثر من 60 رهينة أميركيا، كبّلت أيديهم وعُصبت أعينهم. وذلك قبل أن يطلق سراح البعض سريعاً، بينما واجه 52 منهم المحنة بأكملها.

وبعد الاقتحام، علّق الطلاب حبل مشنقة أمام السفارة، وفي طرفه لافتة كتب عليها من أجل الشاه، كما أحرق العلم الأميركي أمام القبضات الممدودة لمئات الأشخاص الذين حضروا للتعبير عن دعمهم لمحتلي السفارة. بينما انتشرت عناصر الشرطة الإيرانية والحرس الثوري أمام جدار غطته عبارات بعضها مناهض للولايات المتحدة.

وفيما بدت الأجواء منتشية في إيران على وقع اقتحام السفارة، بدأ القادة الدينيون المتشددون تهميش رئيس الحكومة الانتقالية المعتدل مهدي بازركان، الذي كان من الممكن أن يتفاوض مع الولايات المتحدة. وتظاهرت حشود الإيرانيين دعماً لاحتلال السفارة على وقع هتافات "الموت لأميركا".

وفي السادس من نوفمبر، استقال بازركان ليتولى مجلس الثورة الإسلامية الذي يهيمن عليه رجال الدين الحكم. ورفضت إيران بيع النفط للولايات المتحدة التي ردت بفرض حظر على السلع الاستهلاكية وجمّدت الأموال الإيرانية المودعة في مصارفها.

 

 

وفي السابع من أبريل (نيسان) 1980، قطعت حكومة الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر العلاقات الدبلوماسية مع إيران وفرضت حظراً تجارياً. وذلك قبل أيام من انتهاء عملية إنقاذ عسكرية أميركية سرّية للغاية أطلق عليها "عملية مخلب النسر" بكارثة في 25 من الشهر ذاته، عند نقطة تجمّع وإعادة تزويد بالوقود في الصحراء، على بعد نحو 400 كم جنوب شرق طهران. إذ تسببت عاصفة رملية مفاجئة بتحطّم مروحية وطائرة شحن من طراز "سي-130"، ما أسفر عن مقتل ثمانية عناصر. وتوقّفت العملية على إثر ذلك. وفق الرواية الرسمية الأميركية حينها.

بعدها تم نقل الرهائن الأميركيين إلى عدة مدن بينها قم المقدسة. وفي 27 يوليو (تموز)، توفي الشاه في القاهرة. وأصر حينها الطلبة على أنهم لن يفرجوا عن الرهائن قبل إعادة ثروته الشخصية لإيران.

وفي سبتمبر (أيلول) 1980، وضع الخميني أربعة شروط لتحرير الرهائن، هي إعادة ثروة الشاه والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة في الولايات المتحدة وإلغاء المطالب الأميركية بالحصول على تعويضات والتوقف عن التدخل في شؤون الجمهورية الإسلامية الداخلية. وتم التوصل في 19 يناير (كانون الثاني) 1981 إلى اتفاق بين واشنطن وطهران بوساطة جزائرية على إخلاء سبيل الرهائن. وبالفعل، تم تحريرهم في اليوم التالي، تزامناً مع تنصيب رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة. وأما السفارة، فتحولت إلى متحف اعتبرته السلطات الإيرانية الجديدة، أنه لفضح "جرائم" الولايات المتحدة بحق إيران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رسوم جدارية جديدة

وفي الذكرى الأربعين لذلك الحادث المفصلي في تاريخ العلاقات بين واشنطن وطهران، وكذلك في مسار العلاقات الدبلوماسية في المجتمع الدولي، جاء احتفال الإيرانيون هذا العام عبر الكشف عن رسومات جدارية جديدة على جدران السفارة السابقة، وذلك بعد نحو شهر على محو الأعمال الفنية المناهضة للولايات المتحدة التي كانت مرسومة على جدران السفارة لإفساح المجال للرسوم الجديدة. بحسب وكالة فارس للأنباء.

واعتبر صابر شيخ - رضائي، الخطاط المسؤول عن المشروع، أنّ "تصميمات (الجداريات السابقة) تقادمت، ولم يعد لها مكان في الأدبيات البصرية" في هذا الوقت. مضيفاً أنّ من شأن الجداريات الجديدة أن تخاطب العابرين "طوال السنوات الـ10 أو الـ15 الآتية على الأقل"، لافتاً إلى أنّها تقدّم وصفاً "أكثر صحة للعلاقات الإيرانية الأميركية في السنوات الأربعين الأخيرة"، مقارنة بالقديمة.

ومحيت الجداريات القديمة التي ستخلدها كميات كبيرة من الصور الصحافية الملتقطة لها، التي كانت مرسومة على السور الخارجي لما سمته سلطات الجمهورية الإسلامية حديثة العهد عام 1979 بـ"وكر الجواسيس"، في سبتمبر (أيلول).

وقدّم قائد الحرس الثوري اللواء حسين سلامي الجداريات الجديدة التي رسمها طلاب من الباسيج، وهي قوات شبه عسكرية تضم متطوعين إسلاميين.

ويستنكر معدو الجداريات من خلال أعمالهم "غطرسة" واشنطن، ويسخرون من دولة يعتبرونها متعطشة للحرب بهدف بسط سلطتها على العالم، ولكنّها في الوقت نفسه ضعيفة أو على وشك الانهيار برغم ترسانتها العسكرية، واستخدم الرسامون اللون الأزرق، والأبيض والأحمر، التي ترمز إلى علم الولايات المتحدة الأميركية.

وتصور أحد تلك الأعمال الستة عشر، بينها 14 جدارية خفافيش تحيط بطائرة أميركية مسيرة من طراز جلوبال هوك أسقطتها إيران في يونيو (حزيران) الماضي، وقالت إنها كانت في مهمة تجسس فوق أراضيها. وتجسد جدارية أخرى شخصية تشبه ميكي ماوس تمسك ببندقية يخرج منها دخان.

وتصور أخرى ختما معدلا للرئاسة الأميركية، وقد أضيفت إليه نجمة داود، في إشارة على ما يبدو لعلاقات واشنطن الوثيقة مع إسرائيل، ويظهر فيه نسر يمسك بمحاقن مخدرات وقنابل. وتظهر جدارية أخرى مسدسا بماسورة مرتخية.

وتظهر إحدى الجداريات "مثلث عين العناية" المطبوع على ورقة الدولار النقدية، بينما يغرق في بحر من الدماء. كما تظهر أخرى تمثال الحرية مفككاً وقد سقط عن قاعدته، وأصبح ملقيا على الأرض. حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية "ارنا".

عداء مزمن وخصومة باقية

في الوقت الذي جدد فيه المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي معارضته لأي حوار مع واشنطن، في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى الأربعين لعملية احتجاز الرهائن، يرجح محللون ومراقبون أن ذلك الحادث كانت الأساس في تدهور علاقات البلدين.  

وبحسب المسؤول الأميركي الذي تعامل مع أزمة الرهائن آنذاك غاري سيك، فإن عملية احتجاز الرهائن "تعد أفضل تفسير على الأرجح للسبب الذي يقف وراء الأزمة (في العلاقات) التي نعيشها حاليًا". وقال لفرانس برس في واشنطن "إذا نظرتم إلى كل ما قامت به إيران أو قمنا به في هذه الأثناء، فإن نوع العقوبة التي تتعرض لها إيران غير متناسبة إطلاقاً".

وبعد أربعة عقود من اقتحام السفارة، عاد التوتر ليبلغ ذروة جديدة.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب العام الماضي انسحاب بلاده بشكل أحادي من الاتفاق النووي الذي أبرم مع إيران في 2015، وأعاد فرض عقوبات على الجمهورية الإسلامية في إطار حملة لممارسة "أقصى درجات الضغط" عليها.

وكان من شأن اتفاق 2015 أن يفتح الاقتصاد الإيراني على العالم بعد سنوات من العزلة، مقابل وضعها قيوداً على برنامجها النووي. ودفع الكشف عنه البعض في طهران للنظر بعين الريبة إلى واشنطن كجهة يمكن التفاوض معها. لكن الكثير من الإيرانيين لا يزالون يرون أن المباحثات هي الطريق الوحيد للمضي قدماً.

وتقول الطالبة خديجة (19 عاماً) من طهران "أنا كغيري من أبناء جيلي، أعتقد أنه لم تكن يوماً لدينا مشكلة مع الشعب الأميركي".

وقالت الطالبة التي كانت ترتدي الشادور التقليدي السائد في أوساط الإيرانيات المحافظات "جرّبنا كل شيء، سواء كان الحرب أو السلام لكن (الولايات المتحدة) لا تقبل بأي شيء". وأعرب أشخاص شاركوا في عملية اقتحام السفارة عندما كانوا طلبة آنذاك عن مشاعر مشابهة.

بين هؤلاء، نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة معصومة ابتكار، التي كانت طالبة تدرس الطب وتبلغ من العمر 20 عاماً خلال أزمة الرهائن. وباتت آنذاك ناطقة باسم الطلبة بفضل طلاقتها باللغة الإنجليزية.

ورغم ماضيها، كانت ابتكار من أشد الداعمين لجهود حكومتها إعادة بناء العلاقات مع الغرب من خلال اتّفاق 2015 النووي. وقالت ابتكار لوكالة أنباء "خبر أونلاين" العام الماضي "كان للحادثة ثمنًا بالتأكيد، لكن الثمن كان أقل من نفعها".

وفي 2014، اعتذر طالب آخر آنذاك هو إبراهيم أصغر زاده، الذي أصبح لاحقاً سياسياً إصلاحياً عن عملية احتجاز الرهائن. وقال "أردنا فقط احتلال السفارة لمدة 48 ساعة ولا اتفق مع تقديس الخطوة والاعتقاد بأن علينا أن نهتف الموت لأميركا إلى الأبد". مبديا ندمه على أزمة الرهائن، وأقر بأن تداعيات الأزمة ما تزال طاغية على العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران، وفقا لأسوشيتدبرس.

وعلى مدى عقود، حاول بعض السياسيين من الطرفين طي الصفحة، لا سيما الرئيس الإيراني الأسبق الإصلاحي محمد خاتمي والأميركي باراك أوباما، سلف ترمب. لكن الأزمة تركت أثرها على العقلية الأميركية، وهو ما يساعد بحسب سيك، الذي أصبح أستاذاً في جامعة كولومبيا، على تفسير إصرار واشنطن على نهجها المتشدد.

وكاد البلدان الخصمان ينخرطان في مواجهة عسكرية في يونيو (حزيران) الماضي عندما أسقطت إيران طائرة أميركية مسيّرة، وأمر ترمب بضربات انتقامية تراجع عنها في اللحظة الأخيرة.

وتعمّقت الأزمة مع استهداف ناقلات نفط في المياه الخليجية ومنشآت نفطية سعودية في هجمات اتهمت واشنطن طهران بالوقوف وراءها.

ونفت إيران تورطها في الهجمات. ورفض المرشد الإيراني إجراء أي مفاوضات إضافية مع الولايات المتحدة "على أي مستوى كان". لكن الكثير من الشباب في إيران يقولون إن الوقت حان لخفض التصعيد والتفاوض.

سجل من الاعتداء على البعثات الدبلوماسية

وفي التاريخ الإيراني الحديث لم يكن حادث احتجاز الرهائن الأميركيين الاعتداء الوحيد على البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى طهران، إذ تمتلك الدولة التي تثير اضطرابات وعدم استقرار في المنطقة، سجلاً سيئاً في تطبيق اتفاقية فيينا الخاصة بحماية الدبلوماسيين والبعثات الدبلوماسية.

ففي يناير (كانون الثاني) من عام 2016، أضرم متظاهرون النار في السفارة السعودية بطهران وقنصليتها بـ"مشهد"، في أعقاب إعلان الرياض تنفيذ حكم الإعدام في نمر باقر النمر (شيعي)، ضمن 47 مدانا بقضايا إرهاب.

وفي عام 2011، وتحديدا في التاسع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني)، قام مجموعة من المتظاهرين الإيرانيين باقتحام مبنى السفارة البريطانية في طهران وتحطيم نوافذه وتخريب محتوياته، وذلك في اعقاب اعلان لندن من طرف واحد عقوبات علي إيران بسبب برنامجها النووي.

وبعد حادث الاقتحام، أعلنت الحكومة البريطانية تعليق علاقاتها مع إيران، وأغلق كل من البلدين سفارته لدى الآخر. وفي أعقاب الاتفاق النووي الذي وقع مع إيران في 14  يوليو (تموز) الماضي، أعاد البلدان فتح سفارتيهما في 23 أغسطس (أب) 2015.

وفي عام 1987، اقتحم متظاهرون إيرانيون السفارة السعودية في طهران، بعد أعمال عنف واحتلوا مبنى السفارة، ما أدى إلى إعلان السلطات السعودية، قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران.

المزيد من سياسة