شركاء السلطة في لبنان يستنفرون مذهبيا... وطرابلس تنقذ الانتفاضة

الحريري لم يرضخ لضغط حزب الله وحليفه الأبرز ميشال عون

خروج المنتفضين من الساحات سيحول الشعب اللبناني إلى متهم مطارد من جانب سلطة القمع وميليشياتها (رويترز)

أقال سعد الحريري في لحظة استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية كل القوى السياسية المشاركة في التشكيلة التي كان يترأسها. وتلك القوى تعتبر رسمياً الأوسع نفوذاً على المستوى الشعبي حتى لحظة اندلاع الانتفاضة الشعبية في السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقد قامت الانتفاضة المستمرة ضد هذه القوى بالذات، هي التي توافقت على حكم لبنان في صيغة تطورت من حكومة "إلى العمل" إلى حكومة "استعادة الثقة" وبالعكس، فكان أنها لم تستعد ثقة ولم تعمل لمصلحة المواطن.

والحريري إذ استشعر حجم الاحتجاج الشعبي فضل أن يستقيل، إلا أن الشركاء الآخرين وفي مقدمهم حزب الله كانوا يرفضون الاستقالة، وهم عبروا عن رفضهم هذا تهديداً وترغيباً. فاستقالة رئيس الهرم تضعهم خارج سلطة رسمية يعتمدون عليها لتغطية حضورهم السياسي في زمن الضغط المتزايد على إيران وأذرعها في المنطقة، أو من يسميهم العراقيون، في كفاحهم المستمر "الذيول".

على أن الحريري لم يرضخ لضغط حزب الله وحليفه الأبرز تيار رئيس الجمهورية ميشال عون، وفضل الاستجابة لنداء الانتفاضة الشعبية، فاستقال وأقال شركاءه جميعاً، واضعاً نفسه والجميع في دائرة المحاسبة، وواضعاً الانتفاضة نفسها أمام امتحان مفصلي.

خاض شركاء الحكم معركة ما بعد الاستقالة بمثل ما بدأوه قبلها. تحدثوا عن أحقية المطالَب الشعبية، لكنهم شككوا في المطالبين بها. ذهب حزب الله إلى تكرار النظرية الإيرانية عن تمويل السفارات الغربية والعربية للتظاهرات، وأصر على تخوين قادتها، وحاول جهده قمعها، خصوصاً في النبطية وصور وبنت جبيل (الجنوب) وأرسل عناصره لتعتدي على المعتصمين في وسط بيروت.

رموز التيار العوني وإعلامه بدورهم اجتهدوا في تشويه صورة المشاركين في الاحتجاجات، فأضافوا إلى رواية حزب الله عن تمويلهم من السفارات، رواياتهم اللا "أخلاقية" عن سلوكهم، وناقضوا في ذلك الخطاب الرسمي لرئيس الجمهورية الذي اعتبر أن التظاهرات تدعم سعيه إلى الإصلاح ومكافحة الفساد.

الطرف الثالث في السلطة، نبيه بري رئيس مجلس النواب، لم يكلف نفسه عناء التفاعل مع مطالبات الناس، جلس في موقع الإرشاد والتوجيه، وحرص على حماية شخصه وموقعه، مجتمعاً في هذه الحالة إلى قيادة شريكه حزب الله، وبحجة الرد على "الشتائم" تحرك أنصار الثنائي "الشيعي" لتوجيه ضربات إلى المحتجين السلميين في العاصمة والمناطق ذات الأغلبية الشيعية.

هذه السياسة تجاه الانتفاضة استمرت قبل استقالة الحريري وبعدها، إلا أنها اتخذت ابعاداً أوضح بعد الاستقالة. لقد تحول التجييش المذهبي لمصلحة أطراف السلطة إلى بند أول على جدول الأعمال. فإزاء خوف أركان الحكم على مصالحهم طوروا خطاب الانكفاء والتهويل. حزب الله هدد الناس بالمجاعة وأبلغهم أن معيشته ومعاشات عناصره مؤمنة وأنه لم يستعمل إمكاناته كاملة "في الرد عليهم"! والتيار العوني ذهب إلى حشد أنصاره في مسيرات تأييد لرئيسه، رئيس الدولة، أما نبيه بري فقد استحضر العشرات من مسلحيه الذين هددوا "حرفياً" بقتل مسيرة لم تحصل في اتجاه مقره الرسمي.

كان يمكن هذه التطورات لو احتلت كامل مساحة المشهد اللبناني أن تسمح بالقول إن الانتفاضة قد انتهت، هذا ما أرادته قوى السلطة رداً على استقالة الحريري، وبدا من سلوكها السابق واللاحق أنها ليست في وارد الانتقال إلى تحقيق مطالب الناس، بل هي تعمل من أجل تقاسم جديد للمنافع والمكاسب، وفي لحظة إعلان الحريري استقالته ونزول عدد من مناصريه إلى الشارع دفاعاً عن زعيمهم "السني" انتعشت آمال الزعامات الطائفية الأخرى باستعادة الأزمة السياسية إلى ملعب المناكفات المذهبية التقليدية، إلا أن مسارعة الحريري إلى سحب أنصاره من الشارع، بدد آمال المذهبيين العاملين على إحياء التناقضات المذهبية ودفعها إلى الواجهة. وانتهت ساعات الارتباك والتراخي في الساحات سريعاً، وقادت طرابلس المدينة "السنية" الفصل الجديد من الانتفاضة، تحت العناوين إياها: إسقاط الحكومة ورموز الفساد وقيام حكومة جديدة تتبنى هذه العناوين. لقد كسرت طرابلس المنحى المذهبي الذي حاول حزب الله وحلفاؤه جرّ البلد إليه بهدف إنهاء الانتفاضة، وأعادت إلى الحركة الوطنية الشعبية زخمها وتحولت من دون ادعاء إلى عاصمة الثورة اللبنانية.

وفي هذا الوقت، ثبت لدى شركاء هذه الثورة أنه من دون استمرارهم في حركتهم الضاغطة فإن شيئاً لن يتغير إلى الأفضل، وأن خروجهم من الساحات سيحول الشعب اللبناني إلى متهم مطارد من جانب سلطة القمع وميليشياتها.

المزيد من آراء