هل تضمد زيارة حمدوك الأولى إلى دارفور جراح الحرب وتمهد لعودة النازحين؟

تخطط الحكومة الجديدة لوضع خطة "مارشال" للمناطق المتأثرة بالحرب لمعالجة آثار الدمار

نازحة سودانية تقف قرب آلية لقوات "يوناميد" الدولية في مخيم للنازحين في نيالا عاصمة ولاية دارفور في 9 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 (أ. ف. ب.)

لم يكن اختيار رئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك ولاية دارفور لتكون أولى المحطات في زياراته المحلية المقررة الاثنين 4 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي محض صدفة، فلهذه الزيارة مدلولات وأسباب عدة من أبرزها أن هذه الولاية شهدت منذ عام 2003 صراعاً وقتالاً بين القوات التابعة لنظام الرئيس السابق عمر البشير وحركات محلية مسلحة راح ضحيتها 300 ألف قتيل، ونزوح أكثر من مليونَي شخص إلى المناطق القريبة من الولاية، فضلاً عن دولة تشاد المجاورة، من أصل 7 ملايين نسمة، هم سكان تلك الولاية، الأمر الذي جعل ملفَي السلام والنازحين من أولويات الحكومة الانتقالية التي حددت فترة ستة أشهر لإنجازهما.
 

أسباب الصراع

وتفاوتت آراء المحللين السياسيين بشأن الأسباب التي أدت إلى تفجر الأزمة في دارفور، فهناك مَن يرى أنه صراع على المرعى والماء وأماكن الإقامة أي الحواكير (ملكية القبيلة للأراضي)، تحوّل إلى صراع مُسيس، بينما يؤكد آخرون أن أسباب الحرب سياسية نتجت من قرارات اتخذتها الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان أثناء زعامة الراحل جون قرنق، وبعض القوى السياسية في دارفور، لكن طرفاً ثالثاً يشير إلى أن الأزمة في دارفور هي "أزمة قبول التعدد" مترافقةً مع عجز تنموي.
 

المساحة والسكان
 

وتُعدّ ولاية دارفور إحدى أكبر ولايات السودان، إذ تبلغ مساحتها 493 ألفاً و180 كيلومتراً مربعاً، فيما تحدها أربع دول هي ليبيا من ناحية الشمال الغربي، وتشاد غرباً، وجنوب السودان من الجنوب، وأفريقيا الوسطى من جهة الجنوب الغربي. وأسهم هذا الموقع في إطالة أمد الصراع في الإقليم على ضوء التداخل مع الدول المجاورة، والصراعات التي شهدتها تلك الدول.
وتضم تركيبتها السكانية قبائل أفريقية وأخرى عربية، بعضها مستقر، وبعضها الآخر من البدو الرحل الذين يمتهنون الرعي، واتُهمت الحكومة السابقة بتدريبهم ليقاتلوا إلى جانبها ضد القبائل الأخرى، ويُطلق عليهم اسم "الجنجويد"، فيما ظلت حكومة البشير تنفي أي صلة لها بهم. ويُتهم "الجنجويد" من قبل البعض بأنهم لا يمثلون أي قبيلة، وهم أفراد غير منضبطين ينحدرون من قبائل عدة ولا يلتزمون بقواعد العرف المحلي ويمارسون النهب المسلح.
 

بداية الحرب
 

واندلعت الحرب في إقليم دارفور في أبريل (نيسان) 2003، عندما ثار متمردون ضد نظام الرئيس السابق عمر البشير، بدعوى تعرضهم للتهميش. وأعلنت حركتان مسلحتان هما "حركة تحرير السودان"، و"حركة العدل والمساواة" تمردهما، وهاجم مسلحوهما مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور ونجحوا في تدمير 7 طائرات كانت جاثمة في مطار المدينة.
وعلى الرغم من نفي الحكومة السودانية آنذاك توغل المتمردون داخل المدينة، أو اعتقال أي مسؤول حكومي في الهجوم الذي اعترفت أنه أسفر عن تحطم 4 طائرات فقط ومقتل 32 من القوات الحكومية، إلا أن الحرب كانت دقت طبولها بالفعل، لتخلق واقعاً جديداً من القتل والنزوح والتشرد في الإقليم. وفي عام 2004 طالب مجلس الأمن الدولي في قرار بشأن دارفور الحكومة السودانية بنزع أسلحة ميليشيا "الجنجويد" التي تزعّمها موسى هلال وهو ناظر قبيلة المحاميد العربية في دارفور، قبل أن يتربع على عرشها الفريق محمد حمدان دقلو الملقب بـ "حميدتي"، وتغيير مسمى تلك القوات ليصبح "قوات الدعم السريع".
وكانت أخبار الحرب في دارفور تتصدر وقتها اهتمام العالم، ونشطت بعض الحكومات الغربية ومنظمات المجتمع المدني في تحريك القضية دولياً، في مقابل رفض حكومي لكل ما هو متداول. واتهمت الخرطوم، واشنطن والغرب بتزييف الحقائق، رافضةً مطالب نشر قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة لحماية المدنيين في دارفور، قبل أن توافق في العام ذاته على نشر قوات تابعة للاتحاد الإفريقي في الإقليم المضطرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

عقوبات وانقسام

وخلال العامين 2005 و2006، فتحت المحكمة الجنائية الدولية (مقرها لاهاي) تحقيقاً بشأن جرائم الحرب في دارفور بتفويض من مجلس الأمن وفق القرار 1593، الأمر الذي قوبل برفض من قبل حكومة البشير التي لم تعترف بسلطتها الجنائية. وتوالت قرارات مجلس الأمن بشأن دارفور، وكان لبعضها تأثير مثل القرار رقم 1556 لعام 2006، الذي فرض عقوبات تمثلت في حظر توريد وتصدير المعدات العسكرية إلى القوات المتقاتلة في دارفور.
في المقابل، لم تكن أوضاع الحركات المسلحة تسير بشكل جيد فشهدت "حركة تحرير السودان" بقيادة عبد الواحد نور انقساماً إلى فصيلين، تولى القائد الميداني أركو مناوي أحدهما، وعاد إلى الخرطوم بعد توقيعه "اتفاق أبوجا" في نيجيريا، بوساطة إفريقية في عام 2006. إلا أن جناح عبد الواحد نور و"حركة العدل والمساواة" رفضا اتفاقية أبوجا. وشهد عام 2008 نشر بعثة حفظ السلام المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي (يوناميد) مؤلفة من قوات عسكرية قوامها 20 ألف جندي، ورجال الأمن وموظفين، من جنسيات عدة في دارفور. كما شنّت "حركة العدل والمساواة" التي تميزت بقوة عسكرية كبيرة على الأرض في العام ذاته، هجوماً على الخرطوم، لكن القوات الحكومية تمكنت من صد الهجوم. وفقدت هذه الحركة قائدها العسكري والسياسي خليل إبراهيم، في غارة جوية، لم تعلن الحكومة عن تفاصيلها، واختارت "العدل والمساواة" شقيقه جبريل خلفاً له.

 

المحكمة الجنائية

 

اتخذت أزمة دارفور في عام 2009 بعداً جديداً، بعدما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمرَين باعتقال البشير لاتهامه بتدبير إبادة جماعية، وأعمال وحشية أخرى في إطار حملته لسحق التمرد في إقليم دارفور. كما شهد عام 2010 انتكاسةً لعملية السلام الجزئية، بعد إعلان مناوي، عودة حركته إلى ساحات القتال، مؤكداً نهاية "اتفاقية أبوجا" للسلام مع حكومة البشير.
وتزامنت تلك التطورات مع بدء محادثات، كانت ترعاها قطر بين الحكومة وحركة العدل والمساواة، ورفضت حركة عبدالواحد نور المشاركة فيها، لم تسفر المفاوضات عن اتفاق. وانتظمت مجموعات منشقّة عن حركات التمرد الثلاث الرئيسية، في حركة واحدة تحمل اسم "التحرير والعدالة" بزعامة التجاني سيسي. وعقب انفصال جنوب السودان في عام 2011، شكل مسلحون منحازون إلى جنوب السودان (الحركة الشعبية قطاع الشمال)، حلفاً عسكرياً مع حركات دارفور الثلاث الرئيسية.

 
السلام أولوية

واستمر الوضع المتأزم في دارفور طيلة فترة النظام السابق حتى اندلاع الثورة الشعبية في ديسمبر (كانون الأول) 2018 التي أطاحت نظام البشير في 11 أبريل (نيسان) الماضي، لتتشكل حكومة انتقالية برئاسة عبدالله حمدوك في مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي لولايةٍ من 39 شهراً. ووضعت تلك الحكومة مسألة تحقيق السلام في البلاد على رأس سلّم أولوياتها وأسست له مفوضية خاصة برئاسة الدكتور سليمان الدبيلو، على اعتبار أن الحركات المسلحة شركاء في الثورة التي أطاحت النظام السابق، فضلاً عن مساعيها إلى خلق المناخ الذي يجعل من عملية السلام محوراً لمعالجة جذور الأزمة المتمثلة في التهميش والتنمية غير المتوازنة والتمييز الإيجابي. وتخطط حكومة حمدوك لوضع خطة "مارشال" للمناطق المتأثرة بالحرب لمعالجة الدمار الذي أحدثته في البنية التحتية وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، على أن يتم ذلك خلال فترة ستة أشهر من استلام هذه الحكومة مهماتها.

المزيد من العالم العربي