إنشاء المكتبة الوطنية الفلسطينية لكسب "حرب الرواية" مع إسرائيل

جمع التراث والإبداع لتكون مستودعاً للوثائق والكتب والمخطوطات التي تشكل الهوية والتاريخ

تحويل قصر الضيافة الرئاسي قرب مدينة رام الله إلى "مقر مؤقت" للمكتبة الوطنية الفلسطينية (وكالة وفا)

بهدف مأسسة وتنظيم عملية الحفاظ على الرواية الوطنية الفلسطينية، جاء قرار تشكيل المكتبة الوطنية الفلسطينية قبل أكثر من عامين، إذ يعتبر الصراع حول الرواية التاريخية لُب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وستعمل المكتبة الوطنية الفلسطينية على جمع التراث والإبداع الفلسطينيين، لتكون مستودعاً للوثائق والكتب والمخطوطات التي تشكل الهوية الفلسطينية.

"كيان ثقافي"

ولم يكن تأسيس المكتبة الوطنية الإسرائيلية عام 1892 أي قبل 56 عاماً من قيام إسرائيل، إلا دليلاً على أهميتها وحيوتها في المشروع الإسرائيلي.

وساهمت تلك المكتبة التي أقيمت في القدس، في "خلق الشعب الإسرائيلي وصياغة الرواية الإسرائيلية"، إذ عملت إسرائيل على "إنشاء كيان ثقافي قبل الكيان السياسي".

وفي نهاية شهر أغسطس (آب) من عام 2017، قرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس تحويل قصر الضيافة الرئاسي قرب مدينة رام الله إلى "مقر مؤقت" للمكتبة الوطنية.

وهذه هي المرة الثانية التي يحاول فيها الفلسطينيون تشكيل مكتبة وطنية لهم، إذ سبق ذلك قرار من الرئيس الفلسطيني الراحل أواخر تسعينيات القرن الماضي بإقامة المكتبة، لكن اندلاع الانتفاضة حال دون ذلك.

سلسلة أبنية ملائمة

ويعتبر الفلسطينيون إقامة المكتبة الوطنية رمزاً من رموز سيادتهم على أرض فلسطين، حيث يصارعون إسرائيل من أجل إنهاء احتلالها وتأسيس دولة فلسطينية لهم على حدود 1967.

وإلى جانب القصر الرئاسي القائم حالياً ستُقام سلسلة أبنية ملائمة للمكتبة الوطنية تعكس الهوية الفلسطينية، بعد الانتهاء من إعداد التصاميم الهندسية لذلك.

ومن الصفر يبدأ إنشاء المكتبة الوطنية، وذلك بعد دراسة نماذج عربية وغربية للمكتبات الوطنية، بهدف الاستفادة من تلك التجارب.

البنية الإدارية والقانونية

ومنذ قرار عباس تشكيل المكتبة الوطنية، يعكف إيهاب بسيسو الذي كان وزيراً للثقافة الفلسطينية ثم رئيساً للمكتبة، على استكمال تشكيل البنية الإدارية والقانونية واللوجستية.

ويرفض بسيسو الإفصاح عن موعد محدد لافتتاح المكتبة الوطنية، لكنه يشير إلى أن تأسيسها يحتاج إلى سنوات، ويعتمد على الدعم المالي اللازم لذلك، والذي يأتي من السلطة الفلسطينية ومن التبرعات والهبات ومن إيرادات المكتبة.

ويقع مقر المكتبة في بلدة سردا قرب رام الله على مساحة تبلغ 40 ألف متر مربع وعلى مقربة من جامعة بير زيت والمتحف الفلسطيني.

ويرأس بسيسو مجلس إدارة المكتبة الوطنية والذي يضم في عضويته، رؤساء ثلاث جامعات فلسطينية وثلاث وزارات، إضافة إلى شخصيات متخصصة في الإدارة.

التراث الوطني

وفي مقابلة مع "اندبندنت عربية" قال بسيسو، إن "إقامة المكتبة الوطنية يهدف إلى جمع التراث الوطني الفلسطيني وحصره واسترداد ما نُهب منه"، مضيفاً أن ذلك "يتطلب عملاً مؤسسياً ومنظومة قوانين وتشبيكاً مع المؤسسات الدولية المتخصصة".

وأضاف "المكتبة الوطنية هي الجهة المؤهلة لاسترداد الأرشيف الفلسطيني وتثبيت الرواية الفلسطينية، إضافة إلى تسليط الضوء على مساهمة الفلسطينيين في الحضارة العالمية.

استرداد الأرشيف الفلسطيني

وينتشر الأرشيف الوطني الفلسطيني في دول عربية عدة، خصوصاً الجزائر التي نقل إليها أرشيف مركز الأبحاث الفلسطيني عقب إفراج إسرائيل عنه خلال عملية تبادل للأسرى عام 1985.

وكانت إسرائيل سرقت الأرشيف التابع لـ "منظمة التحرير" خلال غزو العاصمة اللبنانية بيروت عام 1982.

لكن بسيسو دعا إلى "سن قانون للأرشيف الوطني لتنظيم عملية التوثيق والأرشفة والعمل على استرداد الأرشيف الفلسطيني".

ويشدد بسيسو على أن "فلسطين التاريخية كلها تعتبر مصدراً للهوية الفلسطينية التي تشكلت على مدار القرون الماضية"، مشيراً إلى أن "الشعب الفلسطيني لم يخترع النكبة ولم يقسّم أرضه".

صون الرواية

ولفت إلى أن الجذور التاريخية والثقافية للشعب الفلسطيني تمتد إلى أبعد من الحدود السياسية المؤقتة كحدود عام 1967، قائلاً "لا يمكن حصر المعرفة خلف جدران إسمنتية ووراء حواجز لأنها ستنتج هوية مشوهة".

وأضاف بسيسو أن "سميح القاسم ومحمود درويش وهشام شرابي وإدوارد سعيد هم من أساس الهوية الفلسطينية ولا يمكن مسحهم من التاريخ الوطني الفلسطيني".

ورأى أن "أية إشكالية تنتج من حدود عام 1967 لا تهم الفلسطينيين، لكنها تعتبر مشكلة لإسرائيل التي خلقت تلك الحدود"، مضيفاً أن "المكتبة الوطنية ستعمل على صون الرواية الوطنية الفلسطينية في مواجهة المحاولات الإسرائيلية لإلغائها وطمسها وتشويهها"، بحسب تعبيره.

بداية الطريق

ومن مهام المكتبة حفظ الوثائق المخطوطة المعاصرة والقديمة، وإصدار المعايير الوطنية الخاصة بالمكتبات والمعلومات، والإشراف على الفهرسة أثناء النشر، وإصدار البحوث والدراسات في مجال المكتبات، والمعلومات.

وبشأن أبرز التحديات التي تواجه إقامة المكتبة الوطنية، يقول بسيسو إنها "تتلخص في توفير المخصصات المالية والخبرات البشرية المطلوبة لتأسيس المكتبات الوطنية وإدارتها، إضافة إلى العمل في ظروف غير اعتيادية في ظل الاحتلال الإسرائيلي".

ويقول المتخصص في الشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت إن "تأسيس المكتبة الوطنية يعتبر بشرى كبيرة للفلسطينيين"، لافتاً إلى أنها ستعمل على تجميع كل مركبات الهوية الفلسطينية.

وأعلن شلحت أن المكتبة ستعمل على استعادة الشخصية الوطنية، مشيراً إلى أن العمل على تأسيسها يعتبر "بداية الطريق لتجميع وتوثيق الرواية التاريخية الفلسطينية". وختم قائلاً إن "المكتبة ستكون بمثابة هيئة لجمع الأرشيف الفلسطيني الموزع في أصقاع الأرض"، معتبراً أن ذلك سيخدم الفلسطينيين في حرب الرواية مع الإسرائيليين.