ماذا بعد قرار التحقيق الرسمي في إمكان عزل ترمب؟

الديمقراطيون يراهنون على الأميركيين والرئيس يعتمد على تماسك الجمهوريين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (غيتي)

القرار الذي اتخذه مجلس النواب الأميركي بإضفاء الصفة الرسمية على التحقيقات التي تجريها لجان المجلس في ما إذا كان الرئيس دونالد ترمب قد انتهك الدستور، كشف عن دلائل كثيرة، أهمها ترسيخ حالة الاستقطاب الشديدة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وهو ما يعني أن الرئيس ترمب نجح في توحيد الحزب الجمهوري خلفه حيث صوت كل نوابه برفض القرار الذي صاغه الديمقراطيون. وإذا استمر نجاح ترمب، فسوف يتبعه الجمهوريون في مجلس الشيوخ وتفشل محاولات عزله عن سُدة الحكم. لكن ما يراهن عليه الديمقراطيون هو أن تغير جلسات استماع الشهود العلنية موقف الرأي العام الأميركي لتصبح غالبيته مؤيدة لعزل الرئيس، وهو ما سيغير الدفة ويُفض الجمهوريين من حول الرئيس.

تماسك جمهوري

لم يصوت أي نائب جمهوري في مجلس النواب الأميركي على القواعد الرسمية الإجرائية التي صدق عليها المجلس في قراره الصادر حول تحقيقات مساءلة الرئيس ترمب. فقد رفض جميع النواب الجمهوريون وعددهم 196 القرار الذي دفع به الديمقراطيون في محاولة لإسكات خصومهم الجمهوريين، الذين وجهوا انتقادات عديدة إلى نانسي بيلوسي رئيسة المجلس، باعتبار أن التحقيقات السابقة على هذا القرار لا تتبع الإجراءات السليمة التي اتخذت في إجراءات مماثلة ضد الرئيسين ريتشارد نيكسون وبيل كلينتون.

وعلى العكس من ذلك، واصل الجمهوريون وصف التحقيقات بأنها مُخزية ومُشينة، بل وصل الأمر إلى حد اتهام النائب الجمهوري دينس نونز الديمقراطيين بأنهم أشبه بطائفة دينية وبأن زعيمهم هو آدم شيف رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الذي يقود عملية التحقيقات المتواصلة منذ نحو خمسة أسابيع خلف الأبواب المغلقة.

وعلى الرغم من أن الديمقراطيين تمكنوا من إصدار القرار بأغلبية 232 صوتاً، بينما صوت نائبان ديمقراطيان إلى جانب الجمهوريين لوجود تيار جمهوري قوي في دائرتهما الانتخابية، إلا أن هذه النتيجة ضمنت للرئيس ترمب الالتزام الحزبي خلف الرئيس الجمهوري، وهذا يعني أن الجمهوريين الذين يستحوذون على 53 مقعداً من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ قد يتبعون الخط نفسه ويُفشلون عزل ترمب إذا ما انتهى مجلس النواب إلى إصدار قرار أو أكثر باتهامه بمخالفة الدستور والضغط على رئيس دولة أجنبية وهي أوكرانيا بوقف تمرير مساعدات عسكرية إذا لم يفتح تحقيقاً ضد خصمه الديمقراطي جون بايدن.

ولأن عزل الرئيس يتطلب التصويت بعد محاكمته في مجلس الشيوخ على أغلبية الثلثين أي 67 صوتاً، فإن تصويت 20 من الأعضاء الجمهوريين إلى جانب الديمقراطيين يبدو بعيد المنال إذا تواصلت حالة التناحر والاستقطاب والانقسام بين الحزبين.

رهان الديمقراطيين

وحيث أن القرار الصادر من مجلس النواب سوف يسمح بعلانية جلسات استماع الشهود ومتابعة الشعب الأميركي لمجرياتها ودقائقها واعترافاتها عبر شاشات التلفزيون بدءاً من منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، يراهن الديمقراطيون على إمكان تغيير موقف الرأي العام الأميركي في استطلاعات الرأي تأييداً لعزل ترمب من الحكم. وهو ما قد يدفع عدداً كبيراً من الجمهوريين إلى تغيير مواقفهم والتخلي عن دعم ترمب لإرضاء قواعدهم الشعبية التي تنتخبهم في نهاية المطاف.

ويأمل الديمقراطيون في حدوث ذلك، بعدما وصف بعضهم التحقيقات بأنها تحقق تقدماً، خصوصاً بعدما أدلى تيم ماريسون وهو مسؤول كبير في مجلس الأمن القومي بشهادته في جلسة مغلقة، قال فيها بحسب مصادر مقربة من التحقيقات ونقلتها صحيفة "واشنطن بوست" إن الرئيس ترمب علّق مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 400 مليون دولار للضغط عليها لحين فتح تحقيقات تخص بايدن والتدخل في انتخابات 2016، وهو ما ينفيه ترمب بقوة معتبراً أن محادثته الهاتفية مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لم تكن سوى مكالمة عادية وأنه لم يقايض الأوكرانيين على أي شيء.

لا قرار نهائياً بالاتهام

وفي حين يتوقع كثيرون في العاصمة الأميركية أن تنعكس التحقيقات وشهادات الشهود العلنية، فضلاً عن المحاكمة المنتظرة التي ستنعقد في مجلس الشيوخ، على معركة الانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة بعد عام واحد، إلا أن التحقيقات لم تنته بعد وينتظر أن تستمر التحقيقات السرية التي تجري خلف الأبواب المغلقة لأسبوعين آخرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أن بيلوسي التي قاومت طويلاً فتح تحقيق ضد ترمب في مجلس النواب، أعلنت هذا الأسبوع أنها وجدت أدلة مقنعة ضد الرئيس، إلا أنها أوضحت أن لا قرار نهائياً اتخذ لتوجيه اتهامات ضده.

ويبدو أن التحقيقات سوف تتواصل لأسابيع عدة أخرى قد تتجاوز ديسمبر (كانون الأول) المقبل وقد تمتد إلى يناير (كانون الثاني) أو ما بعده، حيث ينتظر مجلس النواب قراراً يتوقع أن يصدر عن قاضي محكمة في العاشر من ديسمبر ليسمح أو يرفض بإدلاء تشارلز كوبرمان نائب رئيس مجلس الأمن القومي بشهادته أمام مجلس النواب. كما ينتظر أن يدلي جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق، بشهادته أمام المجلس أيضاً.

ماذا بعد؟

يمنح القرار الصادر عن مجلس النواب لجنة الاستخبارات ولجنة الشؤون الخارجية ولجنة الخدمات المالية واللجنة القضائية ولجنة الطرق والوسائل، الحق في استمرار تحقيقاتها في ما إذا كانت هناك أرضية كافية وأدلة قوية تجعل مجلس النواب يمارس سلطاته الدستورية لاتهام الرئيس.

وحدد القرار حق الأقلية الجمهورية داخل هذه اللجان في استدعاء الشهود ولكن بعد موافقة رئيس اللجنة الديمقراطي، مع الحق في الاستئناف أمام كامل اللجنة في حال رفض رئيس اللجنة الموافقة على الطلب. 

وبينما يشكو عدد من النواب الجمهوريين من أن القرار لا يمنحهم حقوقاً متساوية، إلا أن جيم ماكغفرن، النائب الديمقراطي، أكد أن المعايير المحددة في القرار هي المعايير نفسها التي اتبعت في قرارات اتهام الرئيسين ريتشارد نيكسون في السبعينيات وبيل كلينتون في نهاية التسعينيات.

ورداً على شكاوى الجمهوريين بأن الديمقراطيين سربوا عمداً تصريحات انتقوها بعناية لخدمة أهدافهم، قرر مجلس النواب الكشف عن نصوص الشهادات بشرط حجب المعلومات السرية والحساسة فقط، كما يُعطي القرار للنواب الجمهوريين حق التقدم بطلبات مكتوبة لإعادة استجواب الشهود بدقة والاعتراض على ما يرونه مناسباً.

ويطلب القرار في النهاية من رئيس لجنة الاستخبارات، التشاور مع اللجان الأخرى وإعداد تقرير تُقدم فيه نتائج ما تم التوصل إليه إلى اللجنة القضائية التي ستقوم بدورها بكتابة وصوغ بنود الاتهام قبل طرحها للتصويت على مجلس النواب بكامل هيئته.

ولأن الديمقراطيين يستحوذون على الأغلبية في مجلس النواب، فمن المرجح تمرير الاتهامات والتصويت عليها واحداً تلو الآخر، فإذا تم إقرارها بأغلبية 50 في المئة وصوت واحد إضافي، يعقد مجلس الشيوخ محاكمة يديرها رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة ويستمع فيها أعضاء مجلس الشيوخ إلى سير المحاكمة التي يقوم فيها مجلس النواب بدور الادعاء ومجلس الشيوخ بدور هيئة المحلفين في النظام القضائي الأميركي، حيث يصوت أعضاء المجلس في نهاية المحكمة على قرار الإدانة أو البراءة، غير أنه لكي يتم عزل الرئيس فإن الأمر يتطلب تصويت ثلثي أعضاء المجلس على الإدانة، أي موافقة 67 عضواً على الأقل من إجمالي 100 عضو، ويعني ذلك أن يصوت 20 عضواً جمهورياً إلى جانب الديمقراطيين كي يتم عزل الرئيس ترمب.

الناجون من العزل

ولم تنجح من قبل محاولات عزل الرؤساء في مجلس الشيوخ، حيث نجا الرئيس الـ 17 للولايات المتحدة أندرو جونسون عام 1868 بفارق صوت واحد بعد اتهامه بارتكاب جرائم وسوء التصرف. كما تمت تبرئة الرئيس الـ 42 بيل كلينتون عام 1998 بعد اتهامه من مجلس النواب بسوء التصرف عقب الكشف عن علاقة جمعته مع المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي. 

أما الرئيس ريتشارد نيكسون، فقد كان الرئيس الوحيد الذي يستقيل في التاريخ الأميركي، حيث قرر طوعاً الاستقالة عام 1974 بعدما تآكل الدعم السياسي له بين الجمهوريين عقب فضيحة "ووترغيت"، إثر قرار المحكمة العليا بإجباره على تسليم شرائط مسجلة كشفت عن تواطئه في التجسس على خصمه الديمقراطي خلال انتخابات 1972 في مبنى "ووترغيت" في واشنطن، حيث مقر حملة الحزب الديمقراطي. وفيما كانت اللجنة القضائية في مجلس النواب قد أنهت صوغ قرارات الاتهام ضد نيكسون بانتهاك سلطاته واعتراض سبيل العدالة وازدراء الكونغرس، استقال نيكسون تحت ضغط كبار قيادات حزبه وحتى قبل توجيه اتهام ضده من مجلس النواب بكامل هيئته.

المزيد من دوليات