ما الذي نعرفه حقيقة عن تريليونات الجراثيم التي تشاركنا اجسامنا

يتحدّث العلماء عن ميكروبات نافعة واخرى ضارة واكتشاف بشأنهما، فهل تعزز فهمنا لامراض البشر؟

رافقت الميكروبات الجسد البشري منذ بداياته، وبعضها يعزز قدرته على البقاء (يودي اطلس.كوم)

ها موسم الزّكام ونزلات البرد يحطّ رحاله علينا؛ وما يُصيبنا جراءه من آلام حنجرة وشهيق وسعال مزعج يتركنا مرة بعد أخرى في حالةٍ من الاقتناع التّام بوجود كائنات حيّة تعيشُ داخلنا!

صحيح أننا غالباً ما نتغافل عن حقيقة كون أجسادنا بيئةً حاضنة لأيّ شيء وغالباً ما لا نعي وجود ما يُهاجمنا ويُحاول دخولنا عنوةً، كما في حالات بكتيريا الأمعاء وفطريات القدم، لكنّ هذا الأمر بحدّ ذاته استثنائي، نظراً إلى طبيعة الجسم البشري وقدرته على احتضان مجموعة مذهلة من الكائنات الحيّة داخله أو عليه. وإن تهيّأ لك أنّ الإنسان على اطلاع كبير بكلّ ما يتعلّق بالجراثيم والميكروبات والفطريات التي تتعايش مع جسده، فأنت مخطئ والواقع غير ذلك كلياً.

تصوَّر أنّ باحثين من "جامعة كاليفورنيا" و"جامعة كورنويل" في نيويورك اكتشفوا مؤخراً في عام 2013، شعبةً جديدة من بكتيريا القناة الهضميّة وأطلقوا عليها اسم ميلاينابكتيريا (Melainabacteria). أما العتائق أو الكائنات وحيدة الخلايا، فقد ظلّ وجودها داخل أجسادنا مغموراً حتى العام الماضي فقط. وإذ كان يُعرف عن هذا النّوع من الجراثيم أنّه يعيش ويتكاثر في البيئات القاسية، على غرار الينابيع الحرارية الحارة، جاء العثور عليه في أنوف البشر وزوائدها بمثابة أمرٍ مدهش.

والأكثر من ذلك أنّ هذين النّوعين الجديدين من البكتيريا قد يُسهمان في تعميق فهمنا للأمراض البشرية، حيث تؤكّد الأبحاث نفسها أنّ الأشخاص الذين يملكون عدداً قليلاً من الميلاينابكتيريا في أمعائهم معرّضون أكثر من غيرهم للإصابة بداء الباركينسون. والسّؤال الذي يطرح نفسه هنا: أيُمكن لضخّ الميلاينابكتيريا في الأجهزة الهضميّة أن يقي من هذه الحالة أو يُخفّف من أعراضها؟

للإجابة على هذا السّؤال، لا بدّ من إجراء المزيد من الأبحاث حول التأثير المحتمل لهذين الاكتشافين على صحتنا. لكن الأكيد والواضح أنّ أعداداً كبيرة من الميكروبات وأنواعاً ضخمة من الكائنات الحيّة تسكن الجسم البشري. ويُعتبر عالِم البكتيريا تيودور روزبري أوّل من لفت النّظر إلى أعداد الكائنات المهولة التي تتعايش معنا في كتابه "الحياة على الإنسان" (Life on Man) عام 1969، حيث كتب: "لو قُدّر لنا الوصول إلى المحور المجهري بعينين مفتوحتين ومعدة مستقرة، لاستصوبنا أن ننظر بحذر ونحتسي بدل أن نبلع... الحياة على الإنسان تضمّ تشكيلة استثنائية وأعداد كبيرة من الميكروبات".

وفي ما يلي الحقيقة الجريئة: يحتضن جسم الإنسان العادي تريليونات من الميكروبات، أو بالأحرى ما بين 40 تريليون و100 تريليون من الميكروبات – وصحيح أنّ الرّقم المحدد يختلف حسب الشخص لكنّه في كلّ الأحوال رقم ضخم جداً (فالـ100 تريليون تُساوي 100 و12 صفراً إلى يمينها).

والأرجح أن يتخطّى عدد هذه الكائنات عدد الخلايا المكوّنة للجسم والمتراوحة بين 30 و40 تريليوناً. ففي الوقت الذي يحتضن فيه جلدنا ما بين 10 ملايين ومليار بكتيريا في كلّ سنتم مربع، يضمّ الجزء الدافئ والمحمي والمليء بالمغذيات من أمعائنا، أكثر من ألفي نوع أو 10 مليارات جرثومة في كلّ سنتم مكعب... على الأقل! وهذا يعني بالطّبع أنّ الكثير من الجراثيم (ما يُقدّر بنحو 100 مليار جرثومة) يتلاشى يومياً في كرسي الحمام (لا تقلق، هذا النّوع من البكتيريا يُستبدل بسرعة كبيرة). وبالفعل لا ينبغي بك أن تقلق، لأنّ وجود بعض الميكروبات مفيد للصحة ولا يسبّب المرض.

إذن، ماذا يوجد خارج الجسم البشري (أو داخله)؟ أيّ الكائنات مضر وأيّها نافع؟ أيّها يساعد الإنسان عن حقّ وحقيق؟ حسناً، أنواع عديدة تعيش علينا ويمكننا رؤيتها بالعين المجرّدة حتى. هذا صحيح، ما كلّ الكائنات مجهري – نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: القمل. ولو أردنا التحدّث عن القمل الذي يُصيب الكبار، لوجدنا أنه لا يمكث في شعر الرأس وحسب، بل يمتدّ إلى شعر الإبط والعانة كذلك. وبالتالي، فإنّ إزالة الشعر من مكان الإصابة خطوة مفيدة وليست مجرد هوس وكلام فارغ.

لحسن الحظ أنّ القمل يُسبّب الحكاك أكثر مّما يُهدّد الصحة – على عكس الحشرات التي يمكن أن تُفضي إلى عدد من الأمراض البغيضة والغريبة، منذ فيروس المزارع الملكيّة (RFV) (الذي يتعافى منه أكثرية الناس) إلى حمى أومسك النزفية (المميتة في أكثر الأحيان). ومن ثم هناك عثّ الجرب الذي يُعتقد بأنه قادر على غزو ملايين البشر حول العالم، كما أنه قادر على التسلّل إلى الأجسام ليحمي نفسه وذريّته، ما يُمكن أن ينتج عنه حكّة شديدة. والعث كالبشر؛ بعضه يعيش في الرّموش؛ وبعضه كعث الدّيموديكس، يُشبه الدّودة وينتمي إلى فصيلة العناكب. ورغم طوله الذي لا يزيد على ملم واحد، فهو يأبى إلا أن يُخزّن فضلاته الخاصة داخله إلى أن يموت ويتداعى. يُقال إنّ حالة العد الوردي أو حبّ الشباب الورديّ تتأتى عن تكاثر الدّيموديكس على وجه الإنسان ودخولها مسامه.

وهناك أيضاً الجراثيم التي تدخل إلى أجسامنا وتستوطنها، على غرار الدّيدان الشّريطية البقرية التي قد يصل طولها إلى 20 متراً أو دودة البلهارسيا التي يُمكن أن تتسبّب بنزيفٍ دمويّ متقطّع في المثانة. ولعلّ الأمر الأكثر ترويعاً على الإطلاق، إمكانية استيضاف الدّماغ للنيجلرية الدّجاجية، وهي نوع من أنواع الأميبا التي تحبّ الدفئ في الجمجمة وتتكاثر بالملايين حتى يسقط مستضيفها ميتاً. رائع ...

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وممّا لا شك فيه أنّ هذه الحيوانات جزءٌ بسيط من الكائنات التي تعيش فينا وعلينا، ونعني بها الكائنات الدّقيقة التي لا نراها بالعين المجرّدة وتُشكّل ميكروبيومنا – مجموعة مصنّفة من المجهريات التي تعيش فينا والتي يعمل "مشروع الميكروبيوم البشري"  (HMP)التّابع لـ"معهد الولايات المتحدة الوطني" على إحصائها وتصنيفها. إنّها مهمّة جبارة؛ يصفها أحد المدراء المُشرفين عليها ويُدعى فرانسيس كولينز، بأنّها أقرب ما يُمكن لما "يعتبره مستكشفو القرن الخامس عشر مرتسم قارة جديدة".

والبكتيريا ليست المكوّن الوحيد المتوقع في هذا المشروع – هناك أيضاً الفطريات التي تترعرع وتتكاثر في كلّ منطقة في الجسم. كلّنا يعلم أنّ أقدام الرّياضيين مليئة بالفطريات (وهذه الفطريات هي نفسها التي تمتد إلى الأعضاء التناسلية لتُصيبها بحكة شديدة). لكن، ماذا عن القشرة؟ الحقيقة أنّ القشرة أو فتات الجلد الذي يتساقط على الكتفين في يومٍ سيء سببه فطريات المالاسيزيا التي تتغذّى على الزّيوت الموجودة في فروة الرأس وتفرز حمض الأوليك الذي من شأنه أن يُجفّف الجلد ويتسبب بتساقط قشورها الصّغيرة.

وتفيد معلومات أنّ الفطريات تنمو في الملتحمة والرئتين وسرة البطن – وثمة مشروع لـ"جامعة ولاية كارولينا الشمالية" يتناول التنوّع البيولوجي داخل السرة. لذا في المرة القادمة التي يُصار فيها إلى اختيارك، لا تتردد في إرسال منتجاتك إلى الفريق القائم بالمشروع. وبالطّبع هناك المبيضة البيضاء – وهي نوع من أنواع الخمائر الفطرية – ويمكنها أن تُسبّب الالتهابات في الأعضاء التناسلية والفم وطيّات الجلد، لاسيما تحت الثديين وفي كيس الصّفن.

وإلى جانب الجراثيم، ثمة حيّز مهم للفيروسات في أجسادنا. وعلى الرّغم من خوفنا منها، إلا أنّ معظمها غير مؤذٍ؛ وبعضها كالهربس أو فيروس الورم الحليمي (الذي يزيد عن 100 نوع في البشر) يربض في الجسم لسنوات، مُظهراً نفسه بين الفينة والفينة بهيأة بذورٍ مقرفة، على شاكلة قروح البرد والثآليل التناسلية. وعلى الأرجح أنّ 50% من الذين يقرأون هذا المقال مصابون بهذه العدوى.

ولو سبق وأُصبتَ يوماً بجدري الماء (على غرار الأكثرية)، فاعلم أنّ الفيروس المُسبّب للمرض يمكث في الأعصاب المجاورة للعامود الفقري بإنتظار إثارته. وقد يكون جدري الماء مؤلماً ومسبّباً للحكاك، ولكننا على الأقلّ نعلم أعراضه، بعكس تسلسل الحمض النووي الذي يُمثّل عشر المجين البشري تقريباً ويضمّ مروحة من الفيروسات الأُحفورية التي أصابت أجدادنا قبل ملايين السّنين، ولديها القدرة على التحوّر والتّسبب بأمراض لم نتوصّل إلى اكتشافها بعد.

لكن بطبيعة الحال، البكتيريا هي المكوّن الأساسي لميكروبيومنا؛ بعضها نافع وبعضها ضار، ومعظمها غير ذي أهمية. لكنّها متواجدة فعلاً في كلّ قطعة فينا: مجتمعات متميّزة تضمّ آلاف الأنواع وتمتدّ على مختلف مناطق الجسم دون استثناء، مع العلم أنّ نسبة البكتيريا داخل الجسم أكثر من نسبتها على سطحه الخارجي. وبحسب "مشروع الميكروبيوم البشري، فإنّ المناطق التي اعتقدنا بأنّها لا تحتوي على أي شكل من أشكال الحياة الاستطيانية كعنق الرحم والجهاز الصّفراوي، ليست كذلك ولديها بالفعل مستوطنيها. وقد شبّه روزبري البكتيريا التي تتّخذ من الجسم البشري مسكناً لها بـ"جحافل النّاس الزّاحفة إلى مراكز التسوّق في فترة عيد الميلاد".

من الخارج، تُغطّي البكتيريا بأنواعها المختلفة كلّ سنتم مكعب من الجسم – ولكنّها تكثر على بشرة الأنف الزيتية أو تحت الإبطين أو عند فتحة الشرج، وتقلّ في المناطق التي تتدفّق منها السّوائل كالقنوات الدّمعية أو المسالك البولية – حتى هذه المواقع تتضاءل أمام الأعداد المُقيمة داخلك. وبالنّسبة إلى الفم، فيحتوي بدوره على مئات الأنواع من البكتيريا، وهذه الأنواع تتضاعف إلى الآلاف عند مستوى الأسنان والحلق تحديداً، من دون أن ننسى الجير طبعاً.

للوهلة الأولى، قد يُغيظك هذا الكمّ الهائل من البكتيريا بداخلنا وعلينا. لكن بعد أن تجمعها وتضعها كلّها في عبوة، سيتبيّن لك أنّ حجمها لا يتعدّى النصف كيلوغرام من وزننا الإجمالي. والأهم من ذلك كلّه أنّها تفعل الكثير لأجلنا، سواء ألخيرنا أو لشرّنا.

هيا بنا الآن نُلقي بقعة ضوء أوليّة على بعض أنواع البكتيريا الضارة. فجسمنا عبارة عن حقل ألغام؛ من أين نبدأ؟ ثمة طبعاً العديد من البكتيريا التي يمكن أن تُسبّب الإسهال والعياء فور بلوغها المعدة. لكن في الأنف ومحيطه، يقطن فيروس العنقودية الذّهبية الذي يحتوي على سلالات بغيضة مقاومة لمضادات البكتيريا ومُسبّبة للمكوّرات العنقودية الذّهبية المقاومة للميثيسيلين أو سواها من السّلالات المتفرّعة المسببة للالتهابات الرئوية. أما في سرّة البطن، فتستقرّ المطثية التي يقترن اسمها بالتّسمم الغذائي والغرغرينا – عسى وجود هذه الجرثومة أن يمنحك سبباً كافياً لتُنظّف سرّتك بانتظام. وفي حال نزوح العنقودية الذهبية من الأنف إلى مناطق أخرى من الجسم أو فجواته كداخل المرفقين أو الجزء الخلفي من الركبتين، فالأرجح أن يُصيب البعض بالإكزيما.

وفي داخل الجسم البشري أيضاً وأيضاً، المزيد من الأمور الغامضة جراء آلاف الأنواع ربما من البكتيريا. فمع مرور الوقت أي مع تقدّمنا في السنّ وإدخالنا التعديلات على نظامنا الغذائي، تتغيّر مكوّنات نبيتنا الجرثومي. ولعلّك سبق ولاحظت أنّ الرائحة التي تتصاعد من فضلاتك ليست نفسها في كلّ مرة. يبدو أنّ الزيادة أو النقصان في عديد فصيلة معيّنة من الجراثيم عامل مؤثر في الأمراض المناعية أو الالتهابات. صدّق أو لا تصدّق، يُمكن لارتفاع بعض أنواع متينات الجدار وانخفاض العصوانيات أن يُسبب السمنة الزائدة (وليس العكس، أيّ أنّ السمنة غير مسؤولة عن وجود أنواع مختلفة من البكتيريا).

لكن الظّاهر ألا غنى لنا عن بكتيريا الأمعاء إذا ما أردنا الحفاظ على شخصية موحّدة. فبحسب ستيفن كولينز من "جامعة ماكماستر" في أوهايو، الفئران التي تمتلك بيئةً معوية عقيمة تتصرف بعدوانية شديدة، لكنّ هذه العدوانية ما تلبث أن تهدأ ويستعيد النّمط السلوكي طبيعته المعهودة عند نقل البكتيريا المعوية إليها. والأرجح أنّ الأمر نفسه ينطبق على السّلوك البشري، حيث أثبتت بعض الأبحاث أنّ أمعاء الأشخاص الذين يُعانون من الاكتئاب تزخر بأعداد كبيرة من بكتيريا الكوبروكوكوس والدّياليستر. ويبدو أنّ النّاس الذين يُصابون بمرض الألزهايمر في مرحلة متقدّمة من حياتهم يمتلكون نسبة أعلى من البكتيريا المسؤولة عن أمراض اللثة: وحيدات الخلية البورفيرينية اللثوية. لكنّ الحاجة الملحة إلى إجراء المزيد من الأبحاث في هذا الخصوص تبقى موجودة.

والمؤكّد تقريباً أنّ خروج البكتيريا عن نطاق السيطرة قد يؤدي إلى الإصابة بالسّرطان. بوجهٍ عام، تقف الكائنات الدّقيقة وراء خمسة أنواع من أمراض السّرطان التي تصيب الإنسان، وخصوصاً سرطان القولون والمستقيم، باعتبار هذين الجزئين أكثر أجزاء الأمعاء كثافةً بالبكتيريا. وحتى الآن، لا تزال الآلية الدّقيقة غير معروفة رغم قدرة أنواع عديدة على شاكلة المَلْوِيَّة البَوَّابية، على التّسبب باستجابة إلتهابية في المعدة قد يتمخّض عنها تقرّح وربما أورام. وهذه الأخيرة قد تظهر بدورها في مناطق أخرى شديدة الكثافة بالجراثيم، كالجهاز التنفسي على سبيل المثال لا الحصر. عدا ذلك، يُمكن للمَلْوِيَّة البَوَّابية وسواها من البكتيريا أن تتسبّب بالتهاب القولون التقرّحي أو داء كرون.

وصحيح أنّ الرائحة التي تفوح من تحت الإبطين بعد رحلةٍ طويلة أو جلسة تمرين قوية، غير مميتة بشكلٍ خاص، ولكنّها تتأتى عن الجراثيم التي تتغذّى على العرق الذي تفرزه غدد التعرّق الموجودة أيضاً في المنطقة الأربية. حسناً بالفعل...

ولكن ما قيل حتى الآن لا يعدو كونه تركيز مطلق على الجانب السلبي للجراثيم المتعايشة في أجسامنا. فحتى الجراثيم المعروفة بقدرتها على التسبب بالمرض، تتعايش عادةً مع مضيفها ولا تُصبح خطيرة إلا إذا ارتفع تركيزها في الجسم أو نزحت إلى منطقة أخرى فيه. ثمة العديد من الجراثيم التي تُعدّ حليفة لنا والبعض منها يعود علينا بالفوائد حتى.

وعلى سطح الجسم أيضاً، بكتيريا تُدعى البروبيونية العدية. في الأمس، كنّا نعتبرها السّبب الرئيسي وراء ظهور حب الشّباب لأنها كانت حاضرة أبداً في محيط البثور والبقع الوجهيّة. أما اليوم، فبتنا نعرف أنّها من نوع البكتيريا الذي يُحارب وجود البكتيريا الأخرى في المسام ويلعب دوراً محورياً في خفض مستوى الإلتهاب. وبالنسبة إلى وجود العصيات اللبنية في المهبل، فلديها وظيفة وقائية أيضاً. وإلى جانب صدّ الالتهابات الناتجة عن المُبيَضّة البيضاء، يحظى الأطفال الذين يُولدون طبيعياً بطبقة من العصيات اللبنية على بشرتهم، ومن شأن هذه الطّبقة أن تشكّل درع حماية لأجهزتهم المناعية وتُخفّف نسبة تعرّضهم لأمراض معيّنة على شاكلة الرّبو والإكزيما، مقارنةً بأقرانهم الذين يُولدون قيصرياً ويتواجهون لأول مرة مع البكتيريا في البيئة المفتوحة. ومن الأمور الأخرى المرتبطة بالولادة أيضاً، أنواع البكتيريا التي تعيش في مشيمة كلّ جنين لم يبصر النّور بعد.

وفي هذا الخصوص، اكتشفت جيرستي أغارد من "كلية بايلور للطب" و"مستشفى تكساس للأطفال" في هيوستن أنّ التغيرات في النظام الغذائي للأم المرتقبة يُغيّر البكتيريا التي تتواجد في المشيمة والتي انتقلت إليها ربما عبر مجرى الدم. وما توصّلت إليه أغارد يُعيد إلى الواجهة البحث الذي سبق واعتبر أنّ النّساء اللواتي يُعانين من أمراض في اللثة معرّضات أكثر من غيرهنّ للولادة المبكرة. "لو بإمكاننا أن نعرف أيّ أنواع البكتيريا مهم لصحتنا، لحرصنا على أن يكون موجوداً قبل الولادة"، وفق ما أفاد به الجراح جيمس كينروس من "كلية لندن الإمبراطورية" لمجلة "نيو ساينتيست".

وهذا أمر يخضع لأبحاث متزايدة اليوم، سواء أبالنسبة إلى البالغين أو حديثي الولادة. "أعتقد أننا حقّقنا تقدماً ملموساً في ما يتعلّق بالكائنات النافعة في جسم الإنسان وكيفية الاستفادة من وجودها لتعزيز صحتنا"، تقول كارن نيلسون، قائدة إحدى الفرق في "مشروع الميكروبيوم البشري". ومن أبرز الأمثلة على هذه الجراثيم، جرثومة فيكاليبكتيروم برونيتزي التي تساعد في مقاومة الاستجابة المناعية المضلّلة التي تصيب أمعاء الناس بمرض الكرون، مع العلم أنّ الميكروبيوم البشري مسؤول برأي الكثيرين عن توليف الفيتامينات والحدّ من أمراض أخرى عديدة، مثال داء السكري النوع الثاني. وفي السياق ذاته، اتّضح للباحثين العاملين في "مشروع الميكروبيوم البشري" أنّ الغياب المفاجئ لبكتيريا نافعة واحدة فقط من أجسامنا، بسبب جرعةٍ من المضادات الحيوية ربما، يتعوّض ببكتيريا أخرى تأخذ مكانها. "يمكن للبكتيريا أن تتضافر وتتساعد"، يؤكّد كورتيس هوتينهاور من المشروع.

لنعُد الآن إلى الأمور الجديدة التي أُميط اللثام عنها في الآونة الأخيرة. ففي أوائل العقد الحالي، تبيّن لفريق الباحثين الذي سبق واكتشف ميلاينابكتيريا، أنّ الميكروبات التي تمتلك مجيناً صغيراً (أو شريطاً وراثيّاً صغيراً) وتسكن أفواه البشر، لم تعش من قبل سوى في المياه الجوفية. تزامناً، عثرت مجموعة أخرى من الباحثين على ميكروبات نادرة مشابهة في أفواه البشر كان يقتصر وجودها على مستنقعات الخث ورواسب الأنهار. وبسبب خلوّ هذه الميكروبات من الشريط الوراثي، كاد العلماء أن يعتبروها شكلاً جديداً من أشكال الحياة، شكلاً يحتاج إلى علاقة تكافلية أو طفيلية مع أنواع أخرى من البكتيريا كتلك المتوافرة في فم البشر وسواها من البيئات الجرثومية، من أجل البقاء. وقد وضع فريق "جامعة كاليفورنيا" بقيادة جيليان برانفيلد الكائنات المكتشفة حديثاً ضمن فئة ثورية جديدة تُدعى شعبة الفيلا كانديدات (CPR). وفي وقتٍ لاحق من ذلك، عُثر على هذه الكائنات في أسنان الإنسان البدائي.

لكن ما الذي تفعله هذه المخلوقات في أفواهنا وأفواه أجدادنا؟ حسناً، على الرّغم من الإثارة التي رافقت اكتشافها، ثمة قلق متنامي من تواجدها بأعداد أكبر بكثير في الأشخاص الذي يُعانون من أمراض معيّنة، بما فيها مرض التهاب الأمعاء (IBD). ومرد ذلك على ما يبدو، أقلّه في حالة التهاب الأمعاء، إلى إمكانية نمو أحد هذه الميكروبات الجديدة على بكتيريا أخرى تدعى الشعية الفطرية؛ وهذه البكتيريا موجودة في أفواه البشر ويمكن، في حال عدم رصدها من قبل الأجهزة المناعية، التسبب بالتهاب الأمعاء. يُذكر أنّ ميكروبات الفيلا كانديدات تعمل كالطّفيليات وتُغيّر الشعية الفطرية بحيث لا يعود الجهاز المناعي قادراً على ضبطها. وهذا ما يُفسّر وجود التهاب الأمعاء في الأشخاص الذين يحملون هذا الميكروب في أفواههم.

ولكن ليس كل ما يخصّ الكائنات المستوطنة جسم الإنسان سيء. فبرأي شويسونغ هي، الخبير في علم الجراثيم في "جامعة فورسيث" في ماساتشوستس، "التعمّق في التّفاعلات القائمة بين الكائنات المختلفة في أجسامنا يصبّ في مصلحتنا. ومضادات الالتهاب أدوات حادة تقتل من الميكروبات أكثر من المطلوب. عدا أنّ فعاليتها لم تعد كما كانت عليه في السابق. لكن لو تمكنّا من العثور على كائنٍ واحد قادر على التفاعل مع المسببات المرضية في أجسامنا وتحويلها من خطيرة إلى غير مؤذية، فسيكون بإمكاننا أن نستخدم ميكروبيومنا الخاص لمساعدتنا على الشفاء".

للأسف، مثل هذا العلاج لن يخرج إلى النّور هذا الخريف بعكس إفرازاتك المخاطية. فما رأيك بأن تُفرّغ كلّ ما في أنفك وتضع إشمئزازك جانباً لتُراقب عن كثب الحياة الزاخمة في منديلك؟! هل تعتقد في قرارة نفسك أنّه من الأفضل للجراثيم أن تكون خارج جسمك لا داخله؟ في حالات الرشّح والزّكام، قد تكون محقاً، ولكن كما يقول مارتن بلازر من "كلية الطب في جامعة نيويورك": "إياك أن تُطيح بالكائنات الدّقيقة. فجسمي يكره العيش من دونها".

© The Independent

المزيد من جديد الطب