العراق… من سيمسك بعصا السلطة بعد عبد المهدي؟

وضعت الأحزاب رئيس الحكومة العراقي في فوهة المدفع

طلاب عراقيون يحتجون في جامعة مدينة البصرة (أ.ف.ب)

ساحات الاعتصام في بغداد والمحافظات لم تسبّب ارتباكاً وهزاً للبنية المجتمعية في العراق فحسب، بل تعدّت ذلك إلى تقاذف التهم بين الفرقاء السياسيين الذين أضحوا يذكّروننا برواية "الأخوة الأعداء".

اللافت أنه عند إثارة أي مشاكل تمس كرسيَيْ السلطة والحكم اللّذين تديرهما الرئاسات الثلاث، يتوجه ساسة المكون الشيعي الممسكين بالسلطة التنفيذية، إلى النجف للشكوى عند المرجع الأعلى علي السيستاني، الذي كان واضحاً في توجيهاته المتكررة بوقف الفساد وإدارة أمور الناس بالحسنى، كما يعلن ممثلوه كل يوم جمعة من منبرَيْ النجف وكربلاء.

عبد المهدي

لكن الواقع مختلف، فقد تنفلت الأمور بين الفينة والأخرى، ليتطور المشهد إلى غضب شعبي عارم كما في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وهو لا يزال متواصلاً وتتسع دائرته لتهدد بنية النظام السياسي برمته.

عادل عبد المهدي، رئيس الحكومة المختنق بالأحزاب التي تضغط عليه وتجعله في فوهة مدفع أمام الشعب المتظاهر المحتج، كان أول من ذهب إلى النجف حاملاً رسالتين. الأولى إلى السيستاني، يشرح فيها وضعه ويكشف عمّن كان سبباً في أزمة العراق الحالية وكيف أن قراره مُصادَر ويعرض عليه مخرجه، في حين أنه لخّص فحوى رسالته إلى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر "اتّفق أنت وهادي العامري على الحكومة المقبلة"، ملوحاً باستقالته المتوقعة. ولكنه استدرك قائلاً إن استقالته لا بد من أن تخضع للضوابط الدستورية التي تحددها المادة 64، إذ تُسحب الثقة من رئيس الوزراء بعد جلسة استجواب، وفق الآليات الدستورية التالية: تقديم طلب من قبل رئيس الجمهورية بهذا الخصوص إلى رئاسة مجلس النواب أو تقديم طلب من خمسة أعضاء في المجلس إلى رئاسة المجلس بسحب الثقة، بشرط أن يكون تقديم الطلب للاستجواب. وبعد سبعة أيام من ذلك، يكون التصويت بالغالبية المطلقة البالغة 165 عضواً في المجلس.

عندها، تُسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء وتُعتبر حكومته مستقيلة ويكلّف الوزراء تصريف أعمال لمدة لا تزيد على 30 يوماً، إلى حين تشكيل مجلس وزراء جديد وفقاً لنص المادة 76 من الدستور من خلال تكليف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر تمثيلاً.

سحب الثقة ليس حلاً

من هنا، يدرك المتظاهرون المحتجون بأن سحب الثقة لا يُعدّ حلاً جذرياً لأزمة البلاد ما دام النظام البرلماني باقياً. لهذا، يطالب المتظاهرون بنظام رئاسي يغير جذرياً رئاسة الحكومة والبرلمان معاً، ويُصار إلى التخلص من هذه المجموعات التي تحكم البلاد حالياً، وتتوارث المقاعد والكراسي في السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وإذا تحقق ذلك، وهذا مرجح، فإن التكليف بتشكيل الحكومة سيؤول إلى كتلة "سائرون" بزعامة الصدر ذات الغالبية البرلمانية (55 عضواً)، حين تتفق مع كتلة الفتح التي تليها بالتسلسل. لكن عبد المهدي الذي يظن بأنه أُخرج من جنة الحكم قسراً بخيانة الشركاء الذين انفضوا عنه سريعاً، تحت ضغط الاحتجاجات وضحاياها الذين وصلوا إلى 300 قتيل وأكثر من تسعة آلاف جريح في مجزرة غير مسبوقة، قُلبت الطاولة عليه وعلى حكومته قبل أن يحتفل بعام على وجوده في السلطة، وعلى تحالفاته التي سعى إليها لاسترضاء الكرد، وبعض الأحزاب الدينية، التي وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع واقع جديد يُفترض تغييره. وبات عبد الهادي يلوّح بآخر أوراقه، أي كشف المستور من خلال جلسة علنية يطرح فيها حجم الفساد الذي أحاط بحكومته، ومَن الأطراف التي عرقلت مهمته.

كما فعل حيدر العبادي، الذي طالب بالعودة إلى الحكم، مستنداً إلى إنجازات حققها خلال تولّيه السلطة، ووجّه نقداً مريراً لإخفاقات عبد المهدي، ودعا القضاء إلى أن يكون حيادياً في موقفه من الاحتجاجات والحكومة معاً، ما أثار حفيظة القضاء، فدخل في سجال معه. وتالياً، ظهر حجم الصراع داخل الحكم في العراق، الذي يتداعى وينهار وتتساقط أوراقه، كما يرى مراقبون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعل عودة مقتدى الصدر الأخيرة من إيران ودورانه بسيارة خاصة وهو يتولى قيادتها، في ساحة الصدرين في النجف، قد تمنحه الأمل في أن يتفق مع هادي العامري، زعيم منظمة فيلق بدر، ليشي بأن هناك تحالفات جديدة ستنفذ مثلما خُطّط لها، بعيداً من رئيس الوزراء الذي ينتقده موظفو حكومته بأنه تأخر كثيراً عن مواجهة جمهوره.

بينما يرجح متخصصون بأننا إزاء مرحلة سباق بين التيار الصدري ومنافسيه من الأحزاب الشيعية، قد تربك المشهد المقبل برمته وتقود إلى مواجهة. ويستندون في هذا الاحتمال، إلى تاريخ من المواجهات بين التيار الصدري وجيش المهدي، جناحه العسكري الذي استبدله بسرايا السلام، مع فصائل شيعية خرجت من ردائه، على مناطق السلطة والنفوذ السياسي في بغداد والنفوذ المالي في البصرة، حيث تتوزع مصالحهما على 13 رصيفاً لتصدير النفط، تشكّل المنافذ الرئيسة لتصدير النفط العراقي لما يزيد على ثلاثة ونصف مليون برميل يومياً.

هذا المشهد أثار حفيظة المكون السني الذي يمسك برئاسة البرلمان، الذي وجد نفسه في قلب عاصفة التظاهرات، التي يتعاطف معها قلباً وقالباً، لما تمثله من انقلاب على ديكتاتورية الغالبية الحاكمة التي قادت البلاد إلى الهاوية.

ويؤكد كثيرون من المتابعين للشأن العراقي أن المشكلة ليست بالحكومة فحسب، بل في منتجها الذي وضعها على سكة المحاصصة، التي أنتجت كل هذا الخراب الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

المزيد من تحلیل