دائرة الفقر تتسع... و6 دول على صفيح ساخن بسبب الاحتجاجات الاقتصادية

البنك الدولي: 46% يعيشون في فقر مدقع وجهود المجتمع الدولي تفشل في احتواء الأزمة

6 دول تعيش على صفيح ساخن في الوقت الحالي، حيث تضربها الاحتجاجات التي لا يمكن لأحد توقع نتائجها، وبخاصة بعد استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، على خلفية الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، والتي دفعت كثيرين إلى النزول إلى الشارع والاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، اندلعت الاحتجاجات في 6 دول على مستوى العالم، والتي يعود جميعها إلى الأزمات الاقتصادية التي تحاصر هذه الشعوب، بخاصة مع اتساع دائرة الفقر عالمياً، وفقاً لتقارير البنك الدولي، إضافة إلى توقعات أكثر من صادمة مع تطور الحروب التجارية والتطورات الجيوسياسية التي تهدد الاقتصاد العالمي وتدفع باتجاه ركود وشيك ربما يزيد عدد الاحتجاجات على مستوى العالم.

احتجاجات عنيفة في لبنان والعراق

على صعيد الشرق الأوسط، كان هناك احتجاجات داخل كل من العراق ولبنان، مع تصاعد مطالب الشارع اللبناني التي تركزت حول ضرورة مواجهة الفساد الحكومي، إضافة إلى تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية.

وعلى خلفية الاحتجاجات التي تعيشها لبنان، أعلن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته من منصبه، بخاصة وأن الشارع اللبناني ركز مطالبه على ضرورة رحيل الحكومة التي يرى أنها لم تعد قادرة على إدارة الأمور في البلاد وتسبب الفساد في العديد من الأزمات الاقتصادية التي تعيشها كافة الأسر اللبنانية.

ومن لبنان إلى العراق، حيث لا يختلف الحال كثيراً، وعلى الرغم من قتل عشرات المتظاهرين، لكن الشارع العراقي ما زال يستقبل وفوداً جديدة من المحتجين على الأوضاع المأساوية والظروف الاقتصادية التي يواجهها المواطن العراقي الذي لم يعد قادراً بالفعل على توفير لقمة العيش في ظل صمت حكومي وعدم تحرك على مستوى السلطات لاحتواء هذه الأزمات.

مطالب الشارع العراقي تركزت على ضرورة أن تتحرك الحكومات من أجل توفير فرص العمل والقضاء على الفساد، وحتى الآن أعلن مقتل 38 شخصاً في المواجهات التي تشهدها البلاد التي تأتي على رأس قائمة منتجي النفط عالمياً.

تشيلي وكتالونيا... الأزمة تتفاقم

وأخيرا، تعرضت تشيلي إلى موجة من الغضب العارم بين صفوف الشعب احتجاجاً على ارتفاع رسوم أجرة النقل العام، لكن هذه الاضطرابات تفاقمت لتعكس رفض تكاليف المعيشة المرتفعة وعدم المساواة والعدالة في توزيع الدخل.

ورغم أن تشيلي واحدة من أغنى دول أميركا اللاتينية، لكن الاحتجاجات التي اندلعت في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نددت بإصلاحات اقتصادية وسياسية لمعالجة ما وصفوه بـ"عدم المساواة"، بالإضافة إلى الأجور المنخفضة.

ودفعت هذه الاحتجاجات رئيس تشيلي "سيباستيان بينيرا" إلى إعلان حالة الطوارئ في البلاد، في خطوة للمرة الأولى منذ عودة تشيلي إلى الديمقراطية في عام 1990، قبل أن يقرر رفعها بعد أكثر من أسبوع على فرضها.

وفي تعليقه على الأزمة التي تشهدها البلاد، أكد رئيس تشيلي أنه سمع صوت شعبه بشكل واضح، ليستجيب إلى هذه الاحتجاجات العنيفة التي خلفت ما يزيد على 18 قتيلاً، وأدت إلى إصابة المئات في غضون أيام قليلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقرر رئيس تشيلي زيادة المعاش الأساسي العام بنحو 20%، إضافة إلى وقف زيادة الرسوم المفروضة على الكهرباء، كما اقترح كذلك قانونا ينص على أن تغطي الدولة تكاليف العلاج الطبي باهظ التكلفة.

وفي كتالونيا، أعاد حكم المحكمة العليا الصادر في 14 أكتوبر، والذي يقضي بالسجن لفترات طويلة تتراوح بين 9 إلى 13 عاماً لتسعة من كبار السياسيين والنشطاء الانفصاليين، الأزمة في الإقليم.

وتزايدت الاحتجاجات في أعقاب الحكم بالإضافة لتظاهر أولئك الذين يعارضون انفصال إقليم كتالونيا عن إسبانيا، ورغم دعوات التهدئة لكن العنف يتزايد بين المتظاهرين.

وبحسب خدمات الطوارئ الإقليمية، فإن هناك 593 شخصاً أصيبوا في هذه الاحتجاجات خلال الفترة بين 14 و20 أكتوبر الحالي، من بينهم 226 من ضباط الشرطة، لكن السلطات الإسبانية عدلت الرقم إلى 289 فرداً في وقت لاحق.

ومن المقرر أن تكون أزمة إقليم كتالونيا قضية أساسية في الانتخابات الوطنية في إسبانيا في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وسط محاولة رئيس الوزراء الاشتراكي "بيدرو سانشيز" البقاء في السلطة.

احتجاجات مستمرة في باكستان وهونغ كونغ

في باكستان، احتشد الآلاف من أنصار حزب ديني في كراتشي لبدء مسيرة مناهضة للحكومة في العاصمة إسلام آباد تركز على المشاكل في إقليم كشمير والغضب تجاه رئيس وزراء باكستان عمران خان.

ويرى المحتجون أن حكومة خان غير شرعية، كما أن التوترات تزايدت هذا الشهر مجدداً مع حلول الذكرى السنوية للنزاع على إقليم كشمير بين باكستان والهند. وتشهد جميع أنحاء باكستان في الوقت الحالي تنظيم احتجاجات منفصلة ضد الهند.

وتشهد باكستان أزمة اقتصادية حادة، دفعت الحكومة لطلب مساعدة صندوق النقد الدولي في توفير تمويل كبير لاحتواء أزمة العجز المالي الكبير والتضخم الذي يواجهه الشعب الباكستاني طيلة الفترات الماضية.

وربما تعد احتجاجات "هونغ كونغ" هي الأكثر سيطرة على الساحة العالمية، حيث بدأت الاحتجاجات خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي اعتراضاً على مشروع قانون مقترح لتسليم المجرمين المشتبه فيهم جنائياً إلى الصين ومحاكمتهم هناك.

وتسبب تمسك سلطات هونغ كونغ بمشروع القانون المقترح في اشتباكات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين، إضافة لتصعيد المطالب بإقالة الرئيسة التنفيذية للبلاد كاري لام.

وفي النهاية، استجابت حكومة هونغ كونغ في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي لمطالب المتظاهرين، وسُحب مشروع القانون، لكن منذ ذلك الحين تقدم المحتجون بمطالب أخرى مثل الاقتراع العام والتحقيقات في تعامل الشرطة.

في سياق متصل، وفي تقريره السنوي، توقع البنك الدولي أن يعيش نحو 46% من الأشخاص الذين يعانون من الفقر المدقع حول العالم في الدول التي تعاني من الهشاشة والصراع والعنف بحلول عام 2030.

وعلى الرغم من أن النمو الاقتصادي كان المحرك الرئيس للحد من الفقر حول العالم، لكن مع تباطؤ النمو فإن تآكل مستويات معيشة الطبقة الوسطى قد يضيف الكثيرين لصفوف الفقراء، وهو ما يزيد من التحديات التي تواجه الأهداف الإنمائية المستدامة لعام 2030 والهدف الرئيس للحد من الفقر.

وبحسب التقرير، فإن إسهامات البنك الدولي للدول النامية والشركات الخاصة خلال العام المنتهي في يونيو الماضي، سواء في هيئة قروض أو منح أو استثمارات بالأسهم، بلغت في المجمل 62.3 مليار دولار. وكان النصيب الأكبر من هذه الإسهامات للدول في أفريقيا جنوب الصحراء والتي بلغت 18.4 مليار دولار.

ويتوقع البنك أن تشهد أفريقيا جنوب الصحراء نمواً اقتصادياً بنسبة 2.9% خلال العام الحالي، ورغم أنه أعلى من تقديرات 2018 البالغة 2.5%، لكنه لا يزال غير كافٍ لتقليل الفقر بشكل كبير.

ويشير التقرير إلى أنه على الرغم من انخفاض معدل الفقر المدقع (أقل من 1.90 دولار يومياً) من 54% في عام 1990 إلى 41% في عام 2015، إلا أن عدد السكان نما بنسبة 2.6% سنوياً، ما أدى لتآكل هذا التراجع في معدل الفقر وتسبب في إضافة 130 مليون شخص للفقر.

وأوضح التقرير أن البيئة العالمية - بما في ذلك التوترات التجارية والحمائية والتعافي غير المؤكد في أسعار السلع- تستمر في ترك آثار سلبية على الاقتصاديات في أفريقيا.

ووفقاً للتقرير السنوي، انخفض معدل الفقر المدقع في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، والذي تم تعريفه على أنه النسبة المئوية للأشخاص الذين يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم، إلى 41% حالياً مقارنة مع 46.5% في عام 2010.

ويبلغ عدد السكان الذين يعيشون دون حد الفقر المدقع في أفريقيا 413 مليون شخص حالياً، وهو أعلى قليلاً من 409 ملايين شخص في عام 2010.

دول شرق آسيا والمحيط الهادئ تعلن إجراءات جديدة

تقرير البنك الدولي أشار إلى أن الدول الواقعة في شرق آسيا والمحيط الهادئ أعلنت عن خطوات كبيرة للغاية في تقليص الفقر المدقع. فيما تُشكل عوامل مثل شيخوخة السكان وتباطؤ النمو في التجارة العالمية، إضافة إلى التقدم التكنولوجي السريع، تحديات أمام إحراز تقدم مستدام في المنطقة فيما يتعلق بمستويات الفقر.

وتراجع معدل الفقر المدقع في شرق آسيا والمحيط الهادئ من 11.2% في عام 2010 إلى 2.3% في العام المالي 2019 على الرغم من أن وتيرة نمو عدد السكان ظلت ثابتة في الفترتين وهي 0.7%. ويبلغ عدد الأشخاص الذين يعيشون دون حد الفقر المدقع (1.90 دولار في اليوم) حالياً 47 مليون شخص، مقارنة مع 221 مليون شخص في عام 2010.

وفي أوروبا ووسط آسيا، تراجعت معدلات الفقر المدقع إلى 1.5% في الوقت الحالي مقارنة مع 2.4% المسجلة في عام 2010، مع الأخذ في الاعتبار أن وتيرة النمو السكاني كانت ثابتة عند 0.5%. ويوجد 7 ملايين شخص في أوروبا ووسط آسيا يعيشون بنحو 1.90 دولار يومياً، وهو أقل بوتيرة معتدلة مقارنة مع 11 مليون شخص قبل عقد من الزمن تقريباً.

وتشير البيانات إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في أوروبا ووسط آسيا إلى 3.1% خلال عام 2018، ومن المتوقع أن يشهد مزيداً من التباطؤ في العام الحالي عند 2.1% وسط الاتجاه الهبوطي العالمي.

24 مليون فقير في دول أميركا اللاتينية والكاريبي

وفقاً للبنك الدولي، شهد معدل الفقر المدقع في دول أميركا اللاتينية والكاريبي انخفاضاً إلى 3.9% في الوقت الحالي مقارنة مع 6.1% في عام 2010. وكانت وتيرة النمو السكاني تبلغ 0.9% في هذا العام، لكنها كانت 1.2% قبل 9 أعوام.

ويوجد حالياً نحو 24 مليون شخص في تلك الدول يعيش بأقل من 1.90 دولار في اليوم، لكن هذا الرقم كان 36 مليون في عام 2010. ومن المتوقع أن يبلغ النمو الاقتصادي في دول أميركا اللاتينية والكاريبي 1.7% في العام الماضي، مقابل تقديرات العام الماضي والبالغة 1.6%.

لكن ما يزيد التوقعات السلبية في هذه الدول هو أنها معرضة بشدة للكوارث الطبيعية، كما تواجه مستويات مرتفعة من الهجرة من فنزويلا وأميركا الوسطى.

وخلال الفترة من عام 2003 وحتى عام 2016، تراجعت حصة السكان التي تعيش في الفقر المدقع بالمنطقة من 24.5% إلى 9.9%، لكن منذ ذلك الحين فإن الآفاق الاقتصادية باتت باهتة والعديد من الأشخاص يواجه خطر الدخول في منطقة الفقر.

عدد فقراء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقفز بنسبة 100%

على النقيض من الاتجاهات السابقة، ارتفعت حصة الفقر المدقع نسبة للسكان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - يعيش على أقل من 1.90 دولار في اليوم- إلى 4.2% في الوقت الحالي مقارنة مع 2.3% في عام 2010.

وصعد بذلك عدد الأشخاص داخل منطقة الفقر المدقع في تلك المنطقة إلى 16 مليون شخص في الوقت الراهن، مقارنة مع 8 ملايين فرد قبل نحو عقد بنسبة زيادة تبلغ نحو 100%. يأتي ذلك على الرغم من أن وتيرة النمو السكاني تبلغ حالياً 1.7% مقابل 1.8% في عام 2010.

ويتوقع التقرير تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 1.5% هذا العام، بدلاً من 1.6% المسجلة بالعام الماضي، وهو ما يرجع بدرجة كبيرة إلى النمو الاقتصادي العالمي الأضعف وتقلبات الأسواق المالية العالمية.

وسلط البنك الدولي الضوء على استمرار الصراعات في اليمن وليبيا وفي سوريا كذلك، وهو ما أسهم في زيادة معدل الفقر المدقع بالمنطقة لتتضاعف من 2.7% في عام 2011 إلى 5% في 2015.