حرب بيانات وتبادل اتهامات... كباش بين القضاة ووزير العدل في الجزائر

على الرغم من مشروعيته يبدو مطلب النقابة بعيد المنال نظراً إلى الانقسامات بين مؤيد للإضراب ومتحفظ عليه

القضاة والمدعون العامون يتظاهرون أمام مبنى مجلس القضاء الأعلى في العاصمة الجزائرية (أ. ف. ب.)

خرجت أزمة "القضاة" في الجزائر عن سيطرة وزارة العدل لتنتقل إلى السلطة الفعلية التي دعت إلى اعتماد الحوار من أجل إيصال الانشغالات، وذلك على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة حسان رابحي.


معركة كسر العظام

تشهد معركة كسر العظام بين وزارة العدل والقضاة تصعيداً خطيراً قد يشوش على مخطط "النظام المؤقت" للخروج من الانسداد السياسي عبر إجراء انتخابات رئاسية في 12 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بعد ثاني يوم من الإضراب الذي شل المحاكم الجزائرية، وفي ظل رفض بعض رؤساء المجالس القضائية والنواب العامين تنفيذ التغييرات التي أقرها المجلس الأعلى للقضاء، بينما يتمسك وزير العدل بلقاسم زعماتي بتنفيذ الحركة التي أعلن عنها وطاولت حوالى 3 آلاف قاضٍ بهدف تصحيح "أفعال مشينة".

 


حرب بيانات
 

ووجهت وزارة العدل تعليمات إلى القضاة المعنيين بالحركة تدعوهم إلى الالتحاق الفوري بأماكن عملهم الجديدة وتنصيب القضاة الداخليين والسهر على ضمان أدائهم الفعلي لمهماتهم، وحذرت رؤساء المجالس القضائية والنواب العامين الذين اتخذوا موقفاً غير مبالٍ بخطورته. واعتبرت الوزارة أن المرحلة التي تمر بها البلاد لا تتحمل أي تقصير أو مجاملة في الأداء وفي تحمل المسؤولية، معتبرةً أن "المساهمين في عرقلة عمل الجهات القضائية لا يدركون حساسية المرحلة".
وتعتبر الوزارة الوصية قرار الإضراب غير قانوني على اعتبار أن القانون يمنع على القاضي المشاركة في أي إضراب أو التحريض عليه، مشيرةً إلى أن قرارات النقل والتحويل التي مست القضاة والنواب العامين اتُخذت بإجماع أعضاء المجلس الأعلى للقضاء الذي يرأسه رئيس الجمهورية وينوب عنه وزير العدل وهو مَن يقرر تعيين القضاة ونقلهم وسير سُلَّمهم الوظيفي وفق ما ينص الدستور.
وردّ 9 قضاة من أصل 29 قاضياً يشغلون عضوية المجلس الأعلى للقضاء، على "تعنت" الوزير زغماتي، وأصدروا بياناً اليوم الاثنين، دعوا فيه الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء، إلى عقد دورة استثنائية للمجلس من أجل بحث "أخطر أزمة يعرفها سلك القضاء"، بينما أعلن 12 عضواً من المجلس تجميد الحركة السنوية للقضاة في بيان غير موقع أصدروه الأحد، وصفته وزارة العدل بـ "غير القانوني وغير الشرعي"، معتبرةً أنه تصرف يمس بصلاحيات وسلطات رئيس الدولة بوصفه رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء ونائبه وزير العدل، اللذين يحوزان من دون سواهما على صلاحية استدعاء المجلس.

 

إضراب وشكوك

تصعيد غير مسبوق يشهده قطاع القضاء، يقول بشأنه المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية رابح لونيسي في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، إن "القضاة كانت لهم مواقف متذبذبة منذ بداية الحراك في 22 فبراير (شباط)، فاستبشر الجزائريون خيراً عندما خرجوا يطالبون باستقلالية القضاء على الرغم من أن القوانين تمنعهم من ذلك، غير أنهم عادوا إلى ممارسات شكك فيها كثيرون ورأوا فيها خضوعاً منهم لأوامر سياسية، وهو ما يصفه المواطن بعدالة الهاتف، بخاصة في محاكماتهم لسجناء الحراك التي كانت قاسية بنظر المواطن، ثم يتفاجأ الجزائريون بإضراب القضاة هذا الأسبوع بعد تحويلات في مواقع عملهم، ولذلك لم يتضامن المواطن عامةً معهم، لأنه رأى في حركتهم مجرد دفاع عن مصالح خاصة لا علاقة لها باستقلالية القضاء، وأنهم سيعودون إلى الممارسات ذاتها بمجرد تلبية مطالبهم من قبل الوزارة الوصية".
ويعتقد لونيسي أن إضرابهم يمكن أن يكون "خطوة مهمة لتحقيق مطلب وشرط أساسي في الديمقراطية وهو تحقيق استقلالية القضاء الذي لن يتحقق إلا بالتحرر النهائي من السلطة التنفيذية". وخلص إلى أنه من غير المستبعد استغلال الظرف، بخاصة الانتخابات الرئاسية، لتحقيق مكاسب مادية واجتماعية.
وتستغرب فئة واسعة من الجزائريين على اختلاف مستوياتهم وتوجهاتهم رفض القضاة للحركة التي أقدم عليها وزير العدل، إذ إن هم الذين كانوا يطالبون بالإسراع في الإفراج عنها، بخاصة أن الوزارة الوصية حددت بعض "الأفعال المشينة المخالفة للعقل والمنطق واستقلالية القضاء"، مثل مكوث قضاة في الجهة نفسها لمدة تفوق 20 سنة، وهو الأمر الذي يُعتبر غير مقبول قانوناً ولا يحقق استقلالية العدالة، وأدخل الشك إلى نفوس الشعب بأن خطوة القضاة ليست بريئة وانتهازية تستهدف التغييرات ليس إلا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التحويلات... يوم أسود للقضاة؟

يرى الإعلامي المهتم بالشأن السياسي محمد لهوازي أن "إضراب القضاة مرتبط أساساً بحركة التحويلات التي أقرها المجلس الأعلى للقضاء الذي يرأسه وزير العدل بلقاسم زغماتي، والتي شكلت صدمةً لقضاة منضوين تحت لواء النقابة، اعتبروها يوماً أسود. وقال "أعتقد أن المجلس الأعلى للقضاء ومن ورائه وزارة العدل، لم يحسنوا اختيار توقيت إجراء حركة التحويلات العميقة في سلك حساس ينتظر منه دور حاسم في إضفاء الصدقية على الانتخابات الرئاسية المقبلة"، وهو ما أثار ضجة كبيرة وتسبب في شل قطاع العدالة بشكل كبير بحسب تقديرات نقابة القضاة لنسبة الاستجابة للإضراب. وتابع لهوازي أن أطرافاً عدة "تحاول استغلال إضراب القضاة وتسييس الحركة الاحتجاجية وتضمينها مطالب سياسية على غرار فصل السلطة القضائية عن التنفيذية، ومنع تغول هذه الأخيرة على بقية السلطات، وتابع أنه على الرغم من مشروعية المطلب الذي رفعته نقابة القضاة في بياناتها المتزامنة مع الإضراب، إلا أن ذلك يبدو بعيد المنال نظراً إلى بعض الانقسامات التي حدثت داخل النقابة بين مؤيد ومتحفظ على الإضراب.
ويوضح أن ما يمكن استخلاصه من القبضة الحديدية بين القضاة ووزارة العدل هو أن السلطة الفعلية لن تسمح بأي شكل من الأشكال بإفلات القضاء من قبضتها، على الرغم من احتمال تحقيق بعض التراخي للسماح بمرور بعض الهواء عبر إجراءات لامتصاص الغضب القضائي لتعاود إحكام السيطرة على هذا القطاع الحساس، لتبقى الفرصة أمام القضاة للدخول إلى التاريخ في حال انتزاع مكاسب تساهم في استقلالية السلطة القضائية عن الجهاز التنفيذي.
 

وزير العدل يصارع

ما يحدث لوزير العدل يستدعي "التوقف برهة"، فزيادة على معركته مع القضاة وقبلهم المحامين، جاء الدور على البرلمانيين الذين رفضوا تنفيذ طلبه برفع الحصانة عن نائبين لمحاكمتهما بتهم فساد، حيث صوّت أعضاء البرلمان بالغالبية ضد تفعيل إجراءات رفع الحصانة البرلمانية عنهما، بسبب مخاوف من عدم توفير محاكمة عادلة للنائبين، بعد تشكيك المجلس الأعلى للقضاء في استقلالية السلطة القضائية.

المزيد من العالم العربي