موافقة وزيرة التعليم الجزائرية على منع الصلاة داخل مدرسة في باريس تثير غضباً شعبياً

منذ تسلّمها مسؤولية وزارة التعليم في حكومة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، منذ 5 مايو (أيار) 2014، تثير نورية بن غبريط جدلاً بين الجزائريين وتشغل المجتمع بسبب طريقة إدارتها ملف التربية والتعليم، وقراراتها غير المسبوقة، لكن على الرغم من العواصف المحيط

بن غبريط (يمين) لدى استقبالها نظيرتها الفرنسية نجاة فالو- بلقاسم في العاصمة الجزائرية في 24 أكتوبر (تشرين الأول) (غيتي)

بعد جدل البسملة ومنع ارتداء النقاب في المدارس، تواجه وزيرة التعليم الجزائرية نورية بن غبريط، هذه الأيام عاصفة انتقادات حادة من برلمانيين وأحزاب إسلامية وجمعيات دينية، شنت حملة شرسة ضدها، متهمين إياها بـ "محاولة زرع الفتنة واستهداف ثوابت الأمة" في بلد غالبية سكانه مسلمون.

وتفجّرت حيثيات القضية عقب فصل مديرة مدرسة جزائرية في العاصمة الفرنسية باريس، (تتبع لسلطة الحكومة الجزائرية)، تلميذةً مدة أسبوع كامل على خلفية صلاتها داخل المدرسة. وأجبرت المديرة والد التلميذة على توقيع التزام بعدم أداء ابنته الصلاة بالمؤسسة التعليمية، وإلا فإنها ستُفصل نهائياً.

وفيما انتظر الجميع أن تساند وزيرة التعليم الجزائرية الفتاة، إلا أنها عاكست كل التوقعات، وأصدرت توجيهاً تحذّر فيه التلاميذ من أداء الصلاة داخل أسوار المدرسة، مؤكدة أن المديرية "لم تقم إلاّ بعملها، ولجأت إلى اتخاذ هذا الإجراء لأنه سبق تحذير التلميذة، إلا أنها خرجت إلى ساحة المدرسة المحاطة بالأبنية وأدت الصلاة".

وأضافت الوزيرة الجزائرية "التلاميذ يذهبون إلى المؤسسات التعليمية من أجل الدراسة. هذه الممارسات (الصلاة) مكانها المنزل وليس المدرسة".

 

وكان استخدام بن غبريط كلمة "الممارسات" كفيل بتفجير جدل حاد بين السياسيين وناشطي مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اختلفت آراؤهم بين مؤيد ومعارض، في صراع جديد حول الهوية والدين.

مساءلة برلمانية

ونأى وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري محمد عيسى بنفسه عن الجدل في شأن منع الصلاة في المدارس، وقال "لم أطّلع على أي قرار رسمي في هذا الشأن، ولا أعرف موقفاً ضد الصلاة والمبادئ الإسلامية".   

من جهة أخرى، استنكرت حركة مجتمع السلم الجزائرية، أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد، "التضييق والتصرف اللذين ينافيان مبدأ حرية المعتقد والحريات الفردية والجماعية الذي تجرأت عليه وزيرة التربية في حق التلاميذ المصلين". وسارعت كتلة "مجتمع السلم" البرلمانية إلى استدعاء وزيرة التعليم، لمساءلتها حول قرارها منع الصلاة في المدارس.

 وقال النائب لخضر براهيمي مخاطباً بن غبريط "نأسف لمثل هذا التصرف ونبدي امتعاضنا الشديد، مما جاء في تصريح معاليكم حينما جعلتم من شعيرة الصلاة التي تدرس في مدارسنا كبقية الممارسات".

وجاء في فحوى مساءلته إياها "لمَ لا يتم تخصيص قاعة للصلاة وفقاً للقرار 778/26/10/91 المتعلق بالجماعة التربوية والتكوينية، بخاصة المادة 21 منه، حتى لا يضطر أبناؤنا لإقامة هذه الشعيرة في ساحة المدرسة".

ثوابت الأمة

في المقابل، قالت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إن "تعاطي المسؤولين مع قضايا الدين والهوية غير مقبول"، معتبرةً أنه "لا يوجد ما يؤكد صدور تعليمات مكتوبة تمنع الصلاة داخل مؤسسات التعليم، لكن الثابت أن هوية الجزائر وثوابتها، تشهد منذ عقود هجمةً شرسةً للنيل منها".

يُذكر أن "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، جمعية إسلامية تأسست على يد الشيخ العلامة عبد الرحمان بن باديس، ومجموعة من علماء الجزائر خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتضع على رأس أهدافها إصلاح المجتمع وزرع القيم والأخلاق الإسلامية الرفيعة والحفاظ على هويته من أجل أن يتبوأ مكانة رائدة بين الأمم وفق هويته الإسلامية والعربية. وتتخذ الجمعية من عبارة «الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا» شعاراً لها.

حملات مضادة

وبرزت حركة احتجاج على تصريحات وزيرة التعليم، إذ انتشرت حملة مضادة لها على مواقع التواصل الاجتماعي استخدمت وسم "#صلاتي –حياتي"، وتداول ناشطون على موقع فيسبوك صوراً تظهر تلاميذ يؤدون الصلاة في المدارس.

وربط بعضهم بين قرار الوزيرة منع الصلاة في المؤسسات التربوية والانتخابات الرئاسية المقبلة المرتقب إجراؤها في أبريل (نيسان) المقبل، حين يُفترض أن تستقبل مدارس ابتدائية عمليات التصويت. ويرى آخرون أنه "إذا كانت الصلاة مكانها المنزل، فإن الانتخابات مكانها البلدية".

مساندة محتشمة

على الجهة المقابلة، وعلى الرغم من الحملة التي تواجه الوزيرة، إلا أنها وجدت مَن يتعاطف معها، بخاصة من التيار الفرنكفوني، الذي يرى أن بن غبريط أصابت بحكم أن التلميذة التي فجرت القضية تتعلم في مدرسة تقع في عاصمة غربية (باريس)، وبالتالي لا يمكن فرض الدين الإسلامي على بلد غير مسلم، على حد تعبيرهم.

وكتب أحد المدونين "معظم الشباب الجزائري لا يصلي، لا في البيت ولا في المساجد"، وتساءل آخرون "لِمَ يقف الكل ضد بن غبريط؟".

ورأى معلقون أن الجدل بين مؤيدي قرار الوزيرة ومعارضيه، ينم عن صراع هوية، لم يستطع الجزائريون تجاوزه على الرغم من مرور أكثر من ربع قرن على استقلال البلاد في العام 1962.

"أصول يهودية؟"

على صعيد آخر، تُعتبر وزيرة التعليم الجزائرية نورية بن غبريط رمعون، المولودة في 5 مارس (آذار) 1952 في مدينة وجدة المغربية، والمتحدرة من ولاية تلمسان الجزائرية (غرب)، إحدى أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في البلاد منذ تعيينها على رأس قطاع التعليم.

وأثار اسمها لغطاً سياسياً وإعلامياً كبيراً، وتحدث بعضهم عن أصول يهودية لها، على خلفية نسبها إلى عائلة يهودية قديمة في الجزائر، كانت تعيش في منطقة تلمسان على الحدود مع المغرب. كما انتقدت أحزاب عدة خصوصاً الإسلامية منها، إسناد وزارة ذات صلة بالهوية الوطنية، إلى شخصية "مشكوك في انتمائها".

لكن بن غبريط صرحت إلى الإعلام بأن أصلها أمازيغي، وأنها مسلمة. كما كشفت أنها حفيدة قدور بن غبريط الذي ذكرت إنه مؤسس ومنشئ مسجد باريس في عشرينيات القرن الماضي.

وعقب استلامها مهماتها الوزارية، وعدت بإصلاح المنظومة التربوية لكنها جوبهت بكثير من التحفظ. ورأى معارضوها أن قراراتها "تستهدف الهوية الحضارية للشعب الجزائري وتسعى إلى فرنسة وتغريب المدرسة" بعدما لجأت دائرتها الوزارية إلى خبراء فرنسيين من أجل بحث الإصلاحات المطروحة.

واقترحت بن غبريط إدراج اللهجة العامية الجزائرية في المراحل الابتدائية من التعليم بدل اللغة العربية الفصحى، ما عرضها لانتقادات لاذعة حيث اعتبر متخصصون أن اقتراح تدريس اللهجة العامية يمسّ بأحد مقومات الأمة وهي اللغة العربية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"إسرائيل على الخريطة"

وطاول جدل آخر بن غبريط في العام 2016، عقب وقوع خطأ في كتاب الجغرافيا الجديد للصف الأول من المرحلة الإعدادية وزِّع على التلاميذ، ويُظهر اسم إسرائيل على الخريطة بدلاً من فلسطين. وسُحب الكتاب إثر الضجة التي أثارها وسط تأكيدات تربوية بأن الخطأ كان مطبعياً.

وأثار قرار حذف البسملة جدلاً واسعاً، بعدما ظهرت كتب مدرسية جديدة في العام 2017 في الجزائر خالية من عبارة "بسم الله الرحمن الرحيم"، ما جعل جمعية العلماء المسلمين الجزائرية تشكو الوزيرة إلى رئيس الحكومة أحمد أويحيى. وبررت وزيرة التربية ذلك بالقول إن "البسملة موجودة في كتب التربية الإسلامية لأنها إجبارية، أما حذفها من بقية الكتب يتحمل مسؤوليته المصممون والمشرفون على طباعة الكتب".

وفي إجراء آخر، منعت وزارة التربية الجزائرية ارتداء النقاب في المؤسسات التعليمية بداعي أن "الموظفين ملزمون باحترام قواعد ومقتضيات الأمن والاتصال على مستوى مصالحهم التي تستوجب تحديد هويتهم بصفة آلية ودائمة لاسيما في أماكن عملهم".

وتوصف بن غبريط من قبل خصومها بأنها ذات توجه "فرنكفوني"، وهو التيار الداعم للغة الفرنسية على حساب اللغة العربية في الجزائر، بينما يتهمها آخرون بتنفيذ أجندات أجنبية تهدف إلى زعزعة استقرار الجزائر.

المزيد من العالم العربي