بطلة ربيع علم الدين السبعينية... تعيش في الكتب الى جوار الحياة

الحرب اللبنانية في الخلف... والخراب يحصل داخل البيت

ربيع علم الدين وروايته بالإنكليزية (دار نوفل)

ربيع علم الدين روائي لبناني – أميركي يكتب بالانكليزية ويملك شهرة في الأوساط الانغلوفونية، لكنه يصر في بعض اعماله على العودة الى بلاده الاولى، ومنها روايته "امرأة لا لزوم لها" التي صدرت حديثاً في ترجمة عربيّة (دار نوفل)، وكانت نالت جائزة فيمينا للرواية الأجنبيّة في فرنسا وحملت الترجمة الفرنسية التي لاقت نجاحاً، عنواناً مختلفاً هو "حيوات الورق". يجرّ علم الدين قارئه منذ السطر الأوّل من روايته نحو صدمة مرفقة بتعاطف وفضول. بداية مفاجئة غير متوقّعة يقرّر الكاتب أن يلفظها على لسان بطلته وراويته عالية، امرأة لبنانيّة سبعينيّة تقيم في شقّتها في بيروت وتكتشف أنّها صبغت شعرها باللون الأزرق من دون أن تدري حتّى: "يمكنك القول إنّني كنتُ أفكّر في أشياء أخرى، حين صبغتُ شعري باللون الأزرق. وقدحان من النبيذ لم يساعداني على التركيز. دعني أشرح". (ص 9)

تختار عالية أن تبدأ نصّها بالحديث عن شعرها الأزرق هي المرأة المطلّقة التي تعيش في شقّة، مرآتها الوحيدة متّسخة. ولا يدلّ اللون الأزرق في أيّة مرحلة من السرد، على الحرّيّة أو الصفاء أو حتّى الحلم، فعالية امرأة نزعت عن نفسها الأوهام وقرّرت منذ زمن بعيد أن تعيش وحدها. قرّرت عالية كذلك منذ البداية أن تتوجّه إلى قارئها مباشرة لتُدخله في عزلتها عبر استعمالها ضمير المخاطب "أنت" العائد له، ليصبح القارئ منذ السطور الأولى شريكاً وضحيّة في دوّامة السرد. وليست هذه الدوّامة هي دوّامة الشيخوخة ولا دوّامة الحرب ولا دوّامة الأنثى المنسيّة، هي دوّامة العزلة والغربة وحبّ الكتب. لقد خسرت عالية، بطلة علم الدين، قدرتها على التواصل مع المحيطين بها هي التي تعيش في مدينة شلّتها الحرب: بيروت، وتظهر حدّة هذا الواقع الروائيّ القاتم والمتوحّد منذ صورة الغلاف التي تجسّد امرأة تخرج من الصورة ولا يظهر منها سوى ظهرها. وكأنّ صورة الغلاف نفسها تسلب البطلة وجهها وشخصيّتها ووجودها وتتركها في طور الخروج من الصورة والمشهد والحياة. وكأنّ صورة الغلاف نفسها تضفي على البطلة قرباً من الموت والاضمحلال ومزيداً من الغربة والصمت والعزلة.

إخفاق مزدوج

يكتشف القارئ أنّ بطلة ربيع علم الدين وراويته امرأة انعزاليّة خسرت في معاركها كلّها حتّى تلك التي لم تخضها. ويكتشف كذلك أنّ عالية ليست وحدها الخاسرة، ليست وحدها التي لا لزوم لها. شخصيّات هذه الرواية كلّها شخصيّات خسرت وأخفقت وسقطت على مختلف الصعد. المدينة بأسرها أخفقت وسقطت في هوّة الفتنة والحرب. إخفاقان إثنان ينقلهما علم الدين: إخفاق البشر وإخفاق الحجر. أمّا المآل؟ فإخفاق مستوحى من النصوص القديمة، طوفان جديد يجرف ما بطريقه ويُغرق الكتب والجهود والذكريات.

تظهر شخصيّات الرواية شخصيّاتٍ منكسرة ضعيفة منذ بداية السرد. فعالية امرأة منعزلة غريبة عن نفسها وعن محيطها، خسرت قدرتها على التصرّف والعيش: "كلّما شختُ عزلتني الحياة أكثرَ فأكثرَ، ووجدتُ نفسي غير مرتاحة بوجود الآخرين. جبلتني العزلة على صورتها ومثالها". (ص 179). أمّا زوج عالية فكان عاجزاً جنسيّاً وهو ما أدّى إلى طلاقهما. كذلك والد عالية غائب فقد توفّي وهي في الثانية من عمرها ما اضطرّ أمّها للزواج من شقيقه فأهملت ابنتها وأنجبت أشقّاء لعالية لا أهمّيّة لهم ولا لزوم لوجودهم، حتّى أنّ السرد لا يتوقّف عندهم. شخصيّات هذه الرواية كلّها، من نساء ورجال، تدور في حلقة مفرغة وتجهض في محاولاتها لإيجاد السعادة. لا شخصيّة في هذه الرواية تتمكّن من بلوغ شكل من أشكال السلام الداخليّ: لا حبّ، لا زواج، لا عائلة، لا نجاح اجتماعيّ أو عمليّ. وكأنّ الجميع ملعون في هذه المدينة الممزّقة، إخفاقات عاطفيّة وجسديّة وعمليّة يكلّلها إخفاق وجودي: الطوفان.

وبينما قد يرمز الماء إلى الحياة والعماد والتطهير والولادة الجديدة، رَمزَ في هذه الرواية إلى النهاية والاضمحلال. الماء نفسه تحوّل إلى عدوٍّ يمحو ما في طريقه ويخلّف ضحايا وأشلاء.

كابوس العصر

قد تبدو هذه الرواية للوهلة الأولى رواية سهلة القراءة تدور حول امرأة مثقّفة لا لزوم لها. لكنّ الأمور أعمق من ذلك. فعالية المرأة المثقّفة، المرأة التي تعمل في مكتبة وتبيع الكتب وتترجم بعضها، امرأة ترفض تأدية دورها كقارئة ومثقّفة وترفض التدخّل في حياة مجتمعها. عمق مأساة هذه القارئة النهمة التي تعشق الكتب والترجمة أنّها لا تنشر أيًّا من أعمالها، وكأنّها كائن عقيم، مثقّفة عاقر عاجزة عن الإنتاج، مثقّفة ترفض منح مجتمعها ثمرة عملها، وهذا بالتحديد هو كابوس هذا العصر وهاجسه، هذا بالتحديد ما يجرّنا نحو السؤال الآتي: ما هو دور المثقّف في عصرنا هذا؟ وهل هو قادر على تأديته؟ أينجرف المثقّف اليوم خلف رغبته في الانعزال؟ أيترك بنات أفكاره وأعماله ليمحوَها ماء الطوفان كما حصل مع عالية؟ أين المثقّف اليوم في دوّامة القرن الواحد والعشرين التي لا ترحم؟

عالية امرأة بلا عائلة ولا زوج ولا ذرّيّة، امرأة بلا صديقات ولا عشّاق ولا حتّى قصّة. نعم، فلا قصّة في هذه الرواية، لا تراكم أحداث ومشاكل أو انحدار نحو نهاية ما. هذه الرواية هي رواية امرأة قرّرت أن تعيش إلى جانب الحياة وبمحاذاتها من دون أن تلمسها أو أن تتدخّل في سيرها. وكأنّ الراوية تختار ألاّ تؤدّي دورها وتختار أن تروي رواية لا رواية فيها أصلاً.

قد يبرّر عشق البطلة للكتب إسراف ربيع علم الدين في توظيف ثقافته العامّة وقراءاته في نصّه هذا. إنّما يبدو إيراد عناوين روايات وأسماء كتّاب وأقوال شعراء أمراً مبالغاً فيه في بعض المواضع وغير مبرّر ويتضمّن شيئاً من التبجّح الفكريّ المنفّر، وكأنّ الكاتب يصرّ على إظهار معلوماته لقارئه. فبعد صفحات من السرد المطعّم بالاقتباسات الأدبيّة يتعب القارئ وتُنهكه هذه اللفتات الأدبيّة غير الضروريّة والمؤذية أحياناً للسرد. فقد حرم علم الدين قارئه من متعة التأثّر بأحداث الرواية والتعاطف مع الشخصيّات بسبب هذا الإصرار على العودة إلى الأدب العالميّ. ففي موضع من السرد مثلاً عندما تكون عالية في خضمّ غسل قدمي والدتها وهو ما يجب أن يكون مشهداً مؤثّراً ومؤجّجاً للعواطف يورد علم الدين جملة تطيح جوّ التوتّر والتوهّج: "رفعتُ قدم أمّي من الماء، قدم عجفاء بلا لحم، وبدأت بغسل القدم ببطء... كانت لها ساقان قويّتان كأيٍّ من نساء روايات خافيير مارياس". (ص 250). فجاء التشبيه غير مبرّر وغير ضروريّ وغير ثاقب.

بالإضافة إلى هذه الاقتباسات الكثيرة وبسببها إلى حدٍّ ما، يبتعد علم الدين تماماً عن جوّ الحرب اللبنانيّة، يستغرق في وصف كتب بطلته وقراءاتها ويترك بيروت في الخلفيّة من دون أن يمنح قارئه اللبنانيّ أو الغربيّ حتّى شيئاً جديداً، وكأنّه هرب من سرد الحرب أو هرب من التوغّل في المشاعر التي قد تثيرها هذه الحرب عبر التوقّف عند الكتب والكتّاب. لقد انسلّ الإطار الجغرافيّ العامّ من براثن علم الدين ولم يستطع الفضاء السرديّ من التكوّن بشكل متين ومتماسك فبقي مجموعة أحداث لا تثير مشاعر متأجّجة في نفس القارئ.

"امرأة لا لزوم لها" رواية تجمع الظرف في الإنشاء والثقافة العالية لتنقل دواخل امرأة بيروتيّة سبعينيّة عاشت ما عاشته ثمّ جاء الفيضان ليعاقبها على جرم لم ترتكبه إنّما كانت تقرأ عندما وقع.

المزيد من ثقافة