كلمة السر في الخشب الطبيعي... مشروع في غزة لإحياء التراث العربي

هشام كحيل صاحب المشروع يعمل نجاراً منذ 20 سنة

يستخدم كحيل أدوات بسيطة في عمله للتحف الفنية (اندبندنت عربية)

 

أثناء تجولك في شارع صلاح الدين، أحد أشهر أحياء قطاع غزّة، يخطف بصرك منظر القناديل المعلقة القديمة المضاءة في آخر الطريق على باب أحد المحلات الصغيرة، ويعتريك الفضول لمعرفة سر توهجها الدائم، وكلما اقتربت خطواتك منها، زاد لمعانها وبدت الصورة أوضح.
وفور وصولك إلى المكان، تكتشف بأن القناديل عبارة عن منحوتات خشبية صُنعت بأيدي النجار هشام كحيل، الذي عاش أكثر من 20 سنة يعمل على تشكيل منحنياتها، يتغزل في أخشابها ويدللها، حتى يطوّعها بالشكل الذي يدور في مخيلته.

أصدقاؤه معداته

على أعتاب معمله، يقضي كحيل ساعات نهاره، يعيش بين الأخشاب الطبيعية، يتفحصها ويكتشف نوعيتها وجودتها، ولماذا تصلح، وكيف سيحوّلها إلى تحفة فنية تحمل التراث العربي في تصميمها، ثمّ يباشر العمل فيها، ينشرها ويبدأ عملية نحتها.
ويتخذ كحيل من معدات ورشته الصغيرة أصدقاء له، ويتسامر مع الماكينات لساعات طويلة، ويحدثها عمّا يجول في خاطره من أشكالٍ فنية جميلة، تحمل في دلالاتها تراثاً عربياً، وينحت على كلّ قطعة خشبية أشكالاً مختلفة من القناديل.
ولا تقتصر منحوتات كحيل على صناعة القناديل المختلفة، بل يبدع أيضاً في رسم الزخارف العربية الخليجية، ويصنع الأواني التراثية المغربية، ويقص المقاعد الخشبية الشامية، ويصنع مقتنيات الأثاث المنزلي. وقال كحيل "زرت معظم البلدان العربية، وأعرف كلّ منطقة بماذا تشتهر من تراث عريق، وعند عودتي إلى القطاع، افتتحت منجرتي التي خصصتها لنحت وتجسيد التراث العربي، وبيعه في غزة".
 


"أنتيكا غزة"

وتوجد في كل زوايا المعمل الصغير الذي يملكه كحيل منحوتات خشبية، وتتدلى من سطح ورشته المعلقات الخشبية والتي بدأ انتشارها في الوطن العربي في الحضارة العباسية، يشير إلى أنه درس التاريخ العربي بعمق ومن خلاله عرف فن العمارة لكل حقبة زمنية.
وبطريقة موزعة ومنظمة، وزّع كحيل الزخارف القديمة على الحائط الأيمن لورشته. وأوضح أن هذه التحف تعود إلى حضارة الأيوبيين في بلاد الشام، وعادة ما يشتهر كل من سوريا ولبنان بالبازارات القديمة التي تحمل مثل هذه المنحوتات.
وأشار كحيل إلى أن منحوتاته ليست مجرد قطع فنية تراثية، بل يمكن استخدامها في الحياة اليومية، فمثلاً الأواني المزخرفة يمكن استخدامها في تقديم الطعام، سواء في المطاعم أو المنازل.
للمشاهدة أو البيع

ويعمل كحيل نجاراً منذ 45 سنة، خصّص آخر 20 منها في صناعة التحف الفنية والزخارف القديمة، التي تحمل في طياتها التراث والحضارات العربية، وعند إنجازه المشغولات، يعرضها على الحائط المخصص في ورشته لذلك.
ويقول "بعد الانتهاء من صناعة المنحوتات، أعرضها للمارة لمن يرغب في النظر إلى جمالها، أو بيعها لمن يفضل اقتنائها، وفي الحقيقة، كلما نظرت إلى التحف الفنية أرى فيها تعب وشقى السنين الماضية كلّها، وكلّي فخر بتجسيد الحضارات والتراث العريق".
النحت لدى كحيل يُعتبر موهبة، قبل أنّ يكون عِلماً، إذ قال إنه "في أيّام الشباب كنت شغوفاً في حب النجارة والرسم، وبعدها أردت صقل موهبتي والتحقت بأحد المعاهد الفنية في القاهرة العاصمة المصرية، وبعد تخرجي قرّرت تخصيص عملي في مهنة النجارة إلى النحت والزخرفة".
كلمة السر
ويملك كحيل سراً في صناعة منحوتاته، إذ يستخدم فقط الأخشاب الطبيعية من أصول اللوزيات والزيتون وشجرة السرو والصنوبر، ولا يقبل في عمله الأخشاب الصناعية أو المضغوطة.
وكان يستورد بشكلٍ مستمر من الشام قطع حطب كبيرة ليحولها إلى تحف فنية، ولكن بعد إغلاق معابر القطاع أصبح يعتمد على خشب الأشجار المزروعة في حقول غزّة.
قبل 20 سنة كان سعر كوب الخشب يبلغ حوالى 600 دولار، ولكن بعد الحصار المستمر منذ 14 سنة بات ثمنه يبلغ قرابة ألفين دولار، يشير كحيل إلى أنّ ارتفاع الأسعار يهدد مهنة النحت على الأخشاب من الاندثار، وقد يحول دون استكمال حلمه في إقامة معرض لمنتجاته.
وبخطوات ثابتة يسير الحاج هشام نحو منشاره المخصص لقص الأخشاب والرسم عليها، وبنظرات دقيقة تبعتها حركات مدروسة، شرع كحيل في قص الحطب إلى عدّة أجزاء، وتمرّ كل قطعة بين يديه في مراحل عدة، الأولى هي الحفر ثمّ التنشير وتليها البردخة. وتستغرق القطعة بين يديه نحو أربع ساعات عمل متواصلة، ثمّ تتحول إلى أيقونة ذات معنى جمالي تحمل التاريخ العريق في ثناياها.
ويشكو كحيل كبقية سكان قطاع غزة، من الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، الذي يعرقل طبيعة عمله باستمرار، إذ تصل الكهرباء إلى منازل ومشاغل القطاع لمدة لا تزيد على 6 ساعات يومياً، ما يجعل القيام بأيّ عملٍ شاقاً ومتعباً.

المزيد من فنون