مع بلوغها مستويات "مقلقة"... كيف تهرب الأسواق الناشئة من أزمة الديون؟

تحذيرات مستمرة من تفاقم ديون الشركات الحكومية... وتخفيضات متوالية لمعدلات النمو

متعامل في بورصة نيويورك للأوراق المالية (رويترز)

تتواصل التحذيرات من مستويات الديون العالمية التي أصبحت "مقلقة" للغاية، وباتت تهدد الاقتصاد العالمي، وبخاصة دول الأسواق الناشئة التي تنتظرها تحديات ضخمة بسبب أزمة الديون المتفاقمة بالفعل.

تقرير حديث لصندوق النقد الدولي خاص بالاستقرار المالي العالمي، ذكر أن ديون الشركات الحكومية بالأسواق الناشئة تمثل عبئا متزايدا على ميزانيات الدول، إذ تمثل حاليا "نسبة كبيرة" من جميع أوراق الدين في الأسواق الناشئة.

وأشار إلى أن الشركات المملوكة للدولة في الأسواق الناشئة استفادت من "الظروف المالية العالمية السهلة" خلال العقد الماضي لزيادة إصداراتها من الديون باستمرار وبشكل كبير.

لكن في الوقت نفسه، حذرت شركة "فيتش سوليوشنز" لتحليلات الأسواق، في ندوة نقاشية عقدتها عبر الإنترنت الأسبوع الماضي، من أن الديون الدولارية أصبحت بمثابة "كعب أخيل" للأسواق الناشئة.

الشركات الحكومية على مقصلة الديون

وبالحديث عن الديون، فإنها بلغت أرقاماً ضخمة، وفقاً لتقرير صندوق النقد الدولي، وبالنظر إلى الشركات الناشئة المملوكة بشكل كامل للحكومة فإن حجم الدين المصدر من تلك الشركات يمثل ثلث إجمالي سندات الأسواق الناشئة المقومة بالعملة الصعبة. أما عند النظر إلى الشركات الناشئة التي تمتلك فيها الدولة نسبة حاكمة، فإن حجم الدين يمثل نصف أوراق الدين بالشركات.

ويرى التقرير أن المشكلة الأكبر هي أن تلك الأموال المستدانة لم تساعد في تحسين الأداء، مشيراً إلى أن استخدام الديون لم يكن فعالا في العديد من الشركات الحكومية بالأسواق الناشئة التي زودت رافعتها المالية، لكنها أصبحت أقل ربحية.

وعلى سبيل المثال، ارتفعت معدلات الرفع المالي في شركات النفط والغاز الحكومية بنحو الضعف منذ الأزمة المالية العالمية، في حين شهدت أرباحها تراجعا ملحوظا (في الوقت الذي بقيت فيه الرافعة المالية لشركات القطاع الخاص ثابتة تقريبا على مدى الـ15 عاما الماضية). ومما فاقم الوضع، تراجع الجدارة الائتمانية أيضا لتلك الشركات نتيجة لأعباء الديون الكبيرة.

وحول البلدان الأكثر عرضة لمخاطر هذه الديون، أشار التقرير إلى أنه في المكسيك وروسيا وكازاخستان وماليزيا، تمثل ديون الشركات المملوكة للدولة نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول.

ويحذر صندوق النقد الدولي من أن هذا يمكن أن يكون له تأثير غير مباشر على السندات السيادية، بخاصة إذا واجهت هذه الشركات المملوكة للدولة مشاكل تمويل تستلزم تدخل الحكومة، الأمر الذي قد يشكّل مشكلة بالنسبة للمالية العامة بتلك الدول، خاصة ذات الديون المرتفعة.

تخفيضات مستمرة لمعدلات نمو الأسواق الناشئة

وبسبب أزمة الديون التي تتفاقم، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته للأسواق الناشئة في إصدار يوليو (تموز) الماضي، من تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية، والذي قدر نمو الأسواق الناشئة بنحو 4.1% في 2019 و4.7% في 2020.

وتقلّ تلك التوقعات عن آخر توقعات للصندوق في أبريل (نيسان) الماضي بـ0.3% و0.1% على الترتيب. وتعد التوقعات الخاصة بنمو الأسواق الناشئة هي الأقل منذ 10 سنوات، وعند ثاني أقل مستوى منذ انفجار "فقاعة الدوت كوم" في عام 2002.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الوقت نفسه، فإن نمو الاقتصاد العالمي قد يرتفع إلى 3.5%، مقارنة بنحو 3.2% متوقعة هذا العام، وفقا للتقرير. ويرى الصندوق أن التسارع المتوقع في نمو الاقتصاد العالمي يبقى محفوفا بالمخاطر، ويتوقف على إنهاء النزاعات التجارية، وانتعاش الاقتصادات المتعثرة، مثل تركيا والأرجنتين، وتجنب حدوث انهيارات أكثر حدة في اقتصاد إيران وفنزويلا.

وخفّض التقرير توقعات النمو لأغلب الأسواق الناشئة الرئيسة على خلفية عدد من العوامل، مثل تصاعد التوترات التجارية، وزيادة الاعتماد على الديون، وتراجع شهية المستثمرين، وعدم اليقين بشأن السياسات. وسجّلت الأسواق الناشئة أداء أقل من المتوقع خلال الربع الثاني من العام الحالي، وهو ما دفع الصندوق إلى تخفيض توقعاته للفترة المتبقية من 2019.

لكن انخفاض معدلات التضخم في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية يمنح البنوك المركزية المجال كي تصبح أكثر تيسيرا في سياستها النقدية، بخاصة وأن الناتج الاقتصادي أقل من المأمول. وشهدت اقتصادات عدة نموا متسارعا في معدلات الاستدانة، وبناء عليه فإن السياسات المالية ينبغي أن تركز على احتواء الديون، بينما تمنح الأولوية للإنفاق الاجتماعي وتطوير البنية التحتية، بدلا من الإنفاق المتكرر على خدمة الدين والدعم غير الموجه لمستحقيه.

كيف يرى معهد التمويل الدولي أزمة الديون؟

في الوقت نفسه، كشفت بيانات لمعهد التمويل الدولي عن ارتفاع ديون الأسواق الناشئة لمستوى قياسي بنهاية الربع الأول من العام الحالي، بفعل معدلات الفائدة المتراجعة التي شجعت المستثمرين على تنفيذ مزيد من عمليات الاقتراض.

وكشفت البيانات أن ديون العالم زادت بمقدار 3 تريليونات دولار في الفترة من يناير وحتى مارس (آذار) الماضيين إلى 246.5 تريليون دولار. ويبلغ معدل الديون العالمي إلى الناتج الإجمالي المحلي في الوقت الحالي مستوى 320%.

وأشارت البيانات إلى أن مقدار الأموال المستدانة من جانب الحكومات والشركات والمؤسسات المالية والأسر في الأسواق الناشئة زاد إلى مستوى 69.1 تريليون دولار، أو ما يعادل 216% من الناتج الإجمالي المحلي في أول 3 أشهر من 2019، مقابل مستوى 68.9 تريليون دولار في العام الماضي.

وأوضحت بيانات معهد التمويل الدولي أن معدلات الديون إلى الناتج الإجمالي المحلي ارتفعت بأسرع وتيرة في شيلي وكوريا الجنوبية والبرازيل وجنوب أفريقيا والصين وباكستان على مدار العام الماضي. أما على صعيد الأسواق المتقدمة فكانت الزيادة في ديون الربع الأول مدفوعة بشكل أساسي بتراكم الدين الحكومي الذي أضاف تريليون دولار.

وشهدت فنلندا وكندا واليابان أكبر زيادة في نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي، في حين واصلت بعض اقتصادات منطقة اليورو، ولا سيما هولندا وأيرلندا والبرتغال، تقليص المديونية.

وفي الولايات المتحدة، قفزت الديون بمقدار 2.9 تريليون دولار منذ الربع الأول من عام 2018، لترتفع بذلك الديون الأميركية عند أعلى مستوياتها على الإطلاق مُسجلة 69 تريليون دولار. كما زاد معدل ديون الشركات غير المالية إلى الناتج الإجمالي المحلي عند مستوى 75%.

العالم بحاجة إلى إجراءات احترازية

وفي وقت سابق، حذّرت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستاليتا جورجيفا، من ارتفاع ديون الشركات المعرضة لخطر التخلف عن السداد إلى 19 تريليون دولار في حالة حدوث تباطؤ كبير للاقتصاد العالمي. وأوضحت أن هذه الديون تمثل نحو 40% من إجمالي الدين في ثمانية اقتصادات رئيسة، وهو أعلى من المستويات التي شوهدت خلال الأزمة المالية.

وأشارت جورجيفا إلى أن انخفاض معدلات الفائدة يدفع المستثمرين إلى البحث عن عوائد أعلى في الأسواق الناشئة، وهذا يترك العديد من الاقتصادات الأصغر عرضة لانعكاس مفاجئ لتدفقات رأس المال. وقالت إن العالم بحاجة إلى إجراءات احترازية كبيرة، واستخدام أساليب جديدة لإدارة الديون بشكل أفضل، من ضمنها تعاون السياسة المالية مع النقدية.

وقالت إن الكل خاسر في الحرب التجارية، مشيرةً إلى أن النزاع التجاري سوف يتسبب في خسائر بنحو 700 مليار دولار للاقتصاد العالمي بحلول 2020، وهو ما يمثل 0.8% من إجمالي الناتج المحلي في العالم.

وذكرت أن التوترات التجارية تسببت في ضعف نشاط التصنيع في جميع أنحاء العالم والاستثمار بشكل كبير، مشيرة إلى أن هناك خطرا كبيرا من أن الخدمات والاستهلاك يمكن أن تتأثر قريباً. وأوضحت أن الدول تحتاج إلى معالجة المخاوف المشروعة المتعلقة بممارساتها التجارية، وهذا يعني التعامل مع الإعانات، وكذلك حقوق الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا.

ولفتت مديرة صندوق النقد الدولي إلى أن العالم يحتاج أيضاً إلى نظام تجاري عالمي أكثر حداثة، بخاصة لفتح الإمكانيات الكاملة للخدمات والتجارة الإلكترونية. ومن المقرر أن يصدر صندوق النقد الدولي مراجعة لتقديرات النمو الاقتصادي العالمي في الأسبوع المقبل وسوف تكشف عن خفض توقعات النمو خلال العام الحالي والمقبل.

ويرى صندوق النقد أن 90% من العالم سوف يشهد تباطؤاً في النمو خلال العام الحالي، مشيراً إلى أن هذا التباطؤ سوف يدفع النمو الاقتصادي العالمي لأدنى معدل منذ بداية العقد الحالي.

وعلى الرغم من هذا التباطؤ العام، فمن المتوقع أن يكون لدى ما يقرب من 40 من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية معدلات نمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تتجاوز 5%، بما في ذلك 19 سوقاً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.