اتساع دائرة المطالب وانتشار الابتكارات يعجّلان بظهور عملات رقمية سيادية

الصين تتبنى البلوكشين... والبتكوين تحقق قفزات قياسية

تستحوذ الصين على النسبة الأعلى من الاقتصاد المشفر للقوة الحاسوبية المستخدمة في تعدين البتكوين (أ.ف.ب.)

كثيرة هي الدلائل التي تشير إلى ارتفاع تبني العملات الافتراضية غير الملموسة "intangible"، يصاحبه زيادة في التخلي عن استخدام البنكنوت (العملات الورقية). مثلا في السويد، تبلغ عملية التسوية بالعملات الورقية 2.00% فقط من إجمالي عمليات التسوية في البلاد خلال 2018، وأصبح المجتمع "cashless society". في النرويج، يتعامل 6.00% فقط بالكاش في تعاملاتهم اليومية. وفي الصين ارتفعت قيمة المدفوعات الإلكترونية من 4.00% في العام 2012 إلى 34% في 2017.

وأسهم انتشار التجارة الإلكترونية بالتوسع في التسوية الإلكترونية. ففي تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "The United Nations Conference Trade and Development" في مارس (آذار) 2019، أفيد بأن حجم التجارة الإلكترونية بلغ 29 تريليون دولار، وتشكل تعاملات الـB2B منها 88% من القيمة الإجمالية، بينما شكلت معاملات الـB2C نحو 3.9 تريليون دولار.

هذا التحول نحو المدفوعات الإلكترونية أسهمت فيه اختراعات التكنولوجيا المالية وانتشار الإنترنت، ثم الارتفاع المطرد في عدد مستخدمي الهواتف الذكية، ولكن لا تزال رسوم التحويلات الرقمية مرتفعة وتسيطر عليها شبكات مركزية، وهذا سيفتح المجال لدخول تطبيقات لامركزية تراهن على انخفاض التكلفة وشمولية الخدمة وسهولة التبني. 

مطالبات دولية بطرح عملة رقمية عالمية

أخذ الدولار الأميركي مكانته كعملة احتياط عالمية بعد الحرب العالمية الثانية، وعندها كانت الصادرات الأميركية تشكل 28% من إجمالي حجم الصادرات العالمية، الآن تشكل الصادرات الأميركية نحو 8.8% فقط (حسب تقديرات صندوق النقد الدولي)، إضافة إلى ذلك، فإن 40% من حجم التجارة الدولية يتم تسعيره وتسويته بالدولار. وحسب تقرير بنك التسويات الدولي فإن 88% من تداولات العملات الأجنبية يستعمل فيها الدولار الأميركي.

في المنتدى السنوي بجاكسون هول 2019 (كنساس الأميركية)، والذي يعقد في شهر أغسطس (آب) من كل عام، حذر رئيس بنك إنجلترا المركزي، مارك كارني، من هيمنة الدولار كعملة احتياط عالمية، وتأخر الدول في تبني ابتكارات تكنولوجية جديدة بشأن العملات الرقمية. واقترح طرح عملة رقمية عالمية سيادية أو عملات متعددة. وكذلك صرحت كريستين لاغارد (مديرة صندوق النقد حينها)، والتي ستتولى إدارة البنك المركزي الأوروبي بعد أيام، بضرورة أن تفكر الدول في إصدار عملات رقمية لتلبي الطلب المتنامي على منتجات التكنولوجيا المالية.

على نفس الصعيد، هناك ترقب في الأسواق للعملة الرقمية السيادية الصينية، وهناك أيضا مشاريع ابتكار ترتبط بالتكنولوجيا المالية والمدفوعات الرقمية تعمل عليها كثير من دول العالم، ولذلك فإن اتساع دائرة المطالب الدولية وانتشار الابتكارات التكنولوجية سيعجلان بظهور عملات رقمية سيادية. 

الرئيس الصيني يطالب بتطوير تكنولوجيا البلوكشين

حسب التقرير الصادر عن وكالة "شينخوا" الصينية بتاريخ 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، فإن المكتب السياسي للجنة المركزية بالحزب الشيوعي الصيني أجرى دراسة عن الوضع الحالي والآفاق المستقبلية لتكنولوجيا البلوكشين. وفي تصريح للأمين العام للجنة المركزية تشي جين بينغ (الرئيس الصيني)، أكد على الدور المهم الذي تلعبه تطبيقات البلوكشين في الابتكارات التكنولوجية وعلى التحول في القطاع الصناعي، وقال بينغ "يجب علينا أن نعتبر البلوكشين طفرة تكنولوجية مهمة وأن نتوسع في تطويرها وزيادة الاستثمار فيها" .

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتأتي أهمية هذا الخبر في أن القرارات الكبيرة في الصين تطبخ داخل اللجنة المركزية. وخلال مناقشة المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني بخصوص البلوكشين لم يرد ذكر العملات المشفرة أو البتكوين. ومعروف أن الموقف الرسمي الصيني لا يدعم تداول العملات المشفرة، ولكن الدولة في طريقها لطرح عملة سيادية في المستقبل القريب، وبدأت قطاعات متعددة في الصين تبني تكنولوجيا البلوكشين، فمثلا نشرت وكالة "شينخوا" تقريرا في شهر أغسطس (آب) 2019 عن إصدار فواتير عبر منصة "بلوكشين" تم تطويرها لتخدم قطاع الأعمال في "شنزن Shenzhen"، وتضم هذه الشبكة 5300 شركة، وتصدر هذه الشبكة 44000 فاتورة في اليوم، وتبلغ القيمة الإجمالية لها 550 مليون دولار، حسب الأرقام الصادرة عن ضرائب مدينة شنزن.

هذه المنصة طورتها شركة "Tencent''، وهي نفس الشركة التي طورت تطبيق "WeChat"، الأشهر في الصين، ويستخدمه نحو مليار شخص شهريا، مما يضفي على منصة البلوكشين موثوقية أكثر.

وكانت آخر التصريحات بهذا الشأن لنائب رئيس المركز الصيني للتبادل الاقتصادي في بيجين، أحد مراكز البحث وصناعة الأفكار، حيث قال إن الصين ستكون الدولة الأولى في العالم في إطلاق Digital Currency Electronic Payment".  

الصين وتعدين البتكوين

تسيطر الدول الآسيوية على مناخ الاقتصاد المشفر، وتعتبر سيؤول وهونغ كونغ مراكز مهمة للتداول ومنصاته. بينما تستحوذ الصين على النسبة الأعلى للقوة الحاسوبية المستخدمة في تعدين البتكوين، واستحواذها على الـ"hashrate" في عمليات التعدين.
واعتمادا على تقديرات موقع "coin market cap"، فإن معدني البتكوين حققوا مكاسب بلغت 5.5 مليار دولار في 2018 (5.2 مليار دولار عبارة عن مكافأة المصادقة على الكتل الجديدة والحصول على المكافأة نظير ذلك، ثم 300 مليون دولار عبارة عن عمولات التحويلات داخل شبكة البتكوين).

وبحسب تقرير صادر من موقع "coinshares"، فإن الصين تستحوذ على 60% من تعدين البتكوين، ويتم 50% من هذه العمليات في مقاطعة سشوان، وذلك لانخفاض تكلفة الكهرباء، بينما تتوزع الـ40% المتبقية بين واشنطن ونيويورك وإقليم ألبيرتا بكندا وبعض دول إسكندنافيا.

ستشهد الفترة المقبلة تنافسا محموما حول البتكوين. آخر الأنباء في 21 أكتوبر (تشرين أول) 2019 تفيد بأن شركة "Bitmain"، عملاقة تصنيع معدات التعدين، افتتحت مركزا ضخما لتعدين البتكوين في تكساس الأميركية عبر شراكة مع شركة كندية، وتبلغ طاقة التعدين نحو 25 ميغاوات. 

العملة المشفرة بتكوين في ليلة صعودها الكبرى

تفاعلت أسواق العملات المشفرة مع تصريحات الرئيس الصيني، وكانت ردة الفعل قفزات سريعة للبتكوين في وقت قياسي.

صعود وهبوط العملة المشفرة بتكوين ليس بالأمر المثير، فطبيعة سوق العملات المشفرة هي التذبذب العالي صعوداً أو هبوطاً في فترات قصيرة، مما يرفع المخاطر المصاحبة لهذه الأدوات الجديدة، ولكن ما حدث في ليلة 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 كان غير مألوف، حيث سجلت مكاسب تقترب من 40% خلال 24 ساعة، حيث ارتفع سعر بتكوين من 7.493 دولار إلى مستوى 10.000 دولارات. هذا التحرك اليومي القوي لم يحدث إلا مرات قليلة في تاريخ هذه العملة المشفرة، الذي لا يتجاوز 11 عاما. حدث أن تجاوز الارتفاع اليومي 40% عندما كان سعر العملة أقل من نصف دولار ($0.40)، وحدث مرة ثانية عندما كان السعر لا يتجاوز الـ$5.5، وكان ذلك خلال الفترة بين 2009- 2013. 

المزيد من رأي اقتصادي