"التباس" مسرحية الايطالي داريو فو في اخراج سوري...  فضيحة المفارقات  

اللص لا يأتي ليسرق... بل ليكتشف اسرار العائلة

من مسرحية "إلتباس"السورية (اندبندنت عربية)

مرات عديدة حاولت "فرقة المسرح القومي- اللاذقية" العبور بعروضها من مدينتها الساحلية نحو مسارح العاصمة، إلا أنها هذه المرة، ومع النشاط الذي تشهده مدن سورية عدة بزيارة عروض المحافظات من وإلى دمشق، وجدت فرقة المدينة البحرية طريقها إلى مسرح الحمراء الشامي، لتقدم عرضها الأخير تحت عنوان "التباس" التجربة التي أعدها وأخرجها الفنان سلمان شريبة عن نص "لا يأتي اللصوص للمضرة" للكاتب الإيطالي داريو فو- "نوبل آداب -1998".

العرض الذي وضع المتفرج مباشرة في قلب الحدث، كان عبارة عن خيانات زوجية مزدوجة، تصل حد تبادل زوجات، إذ تتكشف قصة "التباس" من خلال لص (حسين عباس) يسطو على بيت للسرقة. ويحدث أن تتصل به زوجته الغيور(سوسن عطاف) إلى البيت الذي يقوم بسرقته لتطمئن عليه. ورغم سفر عائلة البيت خارج المدينة الذي ينوي اللص سرقته، إلا أن اللص وقبل أن ينهي عمله، يُفاجأ بعودة الزوج ( مجد يونس أحمد) وعشيقته (غربا مريشة) إلى البيت، فلا يكون من اللص إلا أن يختبئ داخل ساعة الحائط الكبيرة، ليستمع إلى حديث الرجل والمرأة.

مفارقات مفاجئة

وبمفارقات تتعدى حدود الواقع أحياناً، يجتمع الرجل وعشيقته، وزوج العشيقة (وسام مهنا) والزوجة (دينا العش) وزوجة اللص كلهم في البيت نفسه، ليبحث الجميع عن مبررات وأعذار لإخراج أنفسهم من هذه الورطة، إلا أنهم لا يجدون مفراً من تسمية ما حدث معهم بـ "التباس"... مجرد التباس! ليتبادلوا مع بعضهم أنخاب الخيانة، وسط تصعيد درامي للحدث، يصل إلى أقصى ذروة ممكنة، وذلك من خلال حوارات تستدعي مفارقات حادة في لحظات ذروة ومواقف محرجة، تكشف عن أقنعة الشخصيات، وترمي بها إلى مسارات من المراوغة والكذب والنفاق الاجتماعي.

من هنا وجد الجمهور نفسه في قلب اللعبة التي أبرمها مخرج العرض مع ممثليه الستة، تاركاً المساحة بينه وبين بيئة النص الأصلي دون معالجة كافية، سواء من حيث المقاربة بين بيئة المدينة الإيطالية، وبيئات المجتمع المشرقي، أو حتى عبر تشريح متوازن بين عالمي الفقراء والأغنياء. إلا أن القالب الكوميدي الذي جنح إليه شريبة ساهم في حماية العرض من هذا الخلل الجوهري، لتبقى تلك الإدانة الصارخة للطبقتين الفقيرة والغنية، فالفقراء لصوص لقمة عيشهم، لكنهم ليسوا خونة بل مغلوب على أمرهم، والأغنياء عفيفو النفس واليد، لكنهم يعمهون في الرذيلة وتبادل الزوجات.

مفارقة تعكس أسلوب مسرح داريو فو الجديد والمنفتح على خفايا البشر وهروبهم من مواجهة جريئة مع الذات والآخر، إذ يناقش "التباس" هذه النقطة في سلسلة من الملابسات التي تتعقد قُدُماً، منشأةً سيلاً من المواقف التي تبدو فيها الصدفة محوراً للصراع وتهافت الشخصيات بعضها على بعض، دون الركون إلى عقلانية ممكنة، بل بالخوض أكثر فأكثر في تكدس المفارقات وتلوينها ضمن إطار من الكشف المتفاقم لهشاشة المؤسسة الزوجية، والتي تبدو هنا بمثابة مرايا صافية تنعكس عبرها صورة مجتمع مهدد بالانقراض، حيث لا عهد ولا ميثاق يحمي العقد الاجتماعي من الانحلال الأخلاقي، وتفشي الخيانة كنمط عيش وتفكير، ليس فقط كمادة للضحك والسخرية، بل بالتعويل أكثر على لعبة سقوط أقنعة ستبدو خلفها الوجوه أيضاً هي الأخرى أقنعة من نوع آخر.

تراشق درامي

"التباس" عكف على هذا المنوال من التراشق الدرامي، معتمداً على قدرة الممثلين في إدارة هذه اللعبة، وذلك عبر تمايزهم في الأزياء وإيماءات الجسد، لكن دون أن يساهم الديكور في خدمة الممثل، بل ظلت قطع الديكور ثقيلة وباهتة، وكان من الممكن الاستعاضة عن فكرة اختباء اللص في ساعة الحائط بفكرة معاصرة، والتخلص من كتل زائدة بقيت تسد عمق الخشبة وجوانبها، وكذلك يمكن القول عن عنصري الإضاءة والموسيقى اللتين ظلتا في حدودها الوظيفية الدنيا، دون أن تسهمان في توفير مناخات فاعلة في اللعبة المسرحية، ولتظلا في العرض أجنبيتين عن حرارة الأداء الجماعي لفريق "التباس"، فالحماس الذي قدّمه ممثلو "قومي اللاذقية" ظل ساطعاً ولاهثاً محافظاً على إيقاع التبدلات الدراماتيكية للقصة، منضوياً على قوة نفسية وجسدية لديهم، مما خفف من أخطاء السينوغرافيا الفادحة.

يبقى القول إن عرض "التباس" والذي تعرّض لنقد قاسٍ، لم يُقرأ من داخل النوع الذي قارب عبره شخصيات "آرليكنو" و"بنتولوني" في الكوميديا ديلارتي، حيث تعوز هذه الشخصيات النمطية مهارة في الدفاع عن خِفتها وفرادتها في كشف الزيف الاجتماعي، لاسيما في طبقة محدثي النعمة التي خلّفتها الحرب السورية الدائرة منذ نيف وثماني سنوات، فالقالب الكوميدي الواضح المعالم للعرض، تخلى عن لحظات اعتراف مباشرة، ليترك الاستنتاج للمتفرج كشريك في اللعبة المسرحية، ودون أي ادعاءات أن ما يقدمه عبرة أو حكمة أو درس، بل باعتماد أسلبة ساخرة ومريرة يكون فيها اللص هو أشرف الشخصيات الموجودة على الخشبة!

معالجة قد تبدو غرائبية في حجم مصادفاتها ولا معقوليتها، لكنها في الآن نفسه تبرر ذلك من خلال عدم الامتثال لقوالب أخرى أشد رصانة وتفكير بالحبكة، فالزوج وعشيقته، وزوج هذه الأخيرة عشيقة الزوج الخائن، جميعهم تبدوا كما لو أنهم حضروا كي يديروا هذه الملهاة المفزعة، لاسيما بعد حضور زوجة اللص إلى المكان، وانكشاف اللعبة التي كان يديرها الزوج مع زوجها وعشيقته. كل ذلك يدفعنا للقول أن "التباس" دفع بشخصياته إلى حواف من لعبة التخفي. التمويه والاحتماء بالآخر لدرء المفاسد وتجميلها، دون الاستغناء عن غميضة تبادل الأزواج والزوجات والأنخاب، مرةً لصالح تمرير مآزق الشخصيات، ومرات من أجل الإحالة على مجتمعات مصابة بالتسوّس حتى نخاعها الشوكي!

المزيد من ثقافة