Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 لماذا لا يزال المحتجون اللبنانيون في الساحات؟

مقومات الصمود في الشارع موجودة وكثيرة

لا خروج من الساحات قبل تحقيق مطالب الانتفاضة (غيتي)

لم يتغيّر بعد زخم الانتفاضة الشعبية في لبنان. وعلى الرغم من تقلّص أعداد المتظاهرين في بعض المناطق، بسبب الترهيب والتخويف، ثمة مناطق جغرافية جديدة تتوسع في تحركها ومطالبها، كمدينة بنت جبيل في جنوب لبنان، وبعلبك في البقاع.

واحتشد المتظاهرون من بنت جبيل ومحيطها منذ صباح اليوم الأحد في الساحة العامة قرب مدرسة جميل جابر، وأطلقوا الهتافات المطلبية وغنوا أناشيد وطنية عبر مكبرات الصوت، وحملوا الأعلام اللبنانية، مطالبين بإسقاط الحكومة وبإصلاحات سياسية، مالية وضريبية.

إصرار

ثمة إصرار واضح لدى المحتجين على الصمود وتحدّي "السلطة الفاسدة"، للوصول إلى المطالب الأساسية وأهمها استقالة الحكومة وانتخابات نيابية مبكرة واستعادة الأموال المنهوبة.

وبالنسبة إلى المطلب الأخير، قرّر التيار الوطني الحر، رفع السرية المصرفية عن نوابه، لكنّ هذه الخطوة لم تلقَ تجاوباً في الشارع، إذ إن البديهيات تشير إلى أنه من غير الممكن أن يورّط أي مسؤول نفسه في قضية. من هذا المنطلق، ستكون الحسابات المصرفية للنواب عادية ولن تلفت النظر.

رهان خاسر

يقول المعتصمون في ساحة رياض الصلح، "إن الدولة تراهن على تعبنا ومللنا وعوزنا وفقرنا وقلة حيلتنا، لذلك سنبرهن للسلطة الفاسدة أن مطالبنا محقة ونسعى إلى تحقيقها".

في المقابل، ما يثبّت موقف المحتجين، صمت السلطة وغيابها التام، وتجاهلها وجع المواطنين وألمهم، فتزداد قوة المتظاهرين لمحاسبة من أسهموا بتجويعهم.

 في حين لم يصدر أي تصريح ذي قيمة يتعلق بالإصلاحات، فيما النواب الذين انتخبهم الشعب غائبين عن السمع، ورؤساء الأحزاب والطوائف يعملون على قمع هذا التحرك أو تشويه صورته أو تسلّقه.

وما يزيد المحتجين عزيمة، قدرتهم على التحمل، فالغالبية منهم بلا عمل، ولا يملكون ما يخسرونه، على حد مقولة "هل تهدد الفقير بفقره؟".

لم يقبل المحتجون بما تضمّنته الورقة الإصلاحية التي قدمها الحريري سابقاً، إذ لم ترضِ طموحهم، كما أنها لم تلامس الوجع الحقيقي للإنسان الفقير، لا من الناحية الاجتماعية ولا الاقتصادية. فالحلول التي يعرف المحتجون أنّها قُدمت فقط لتنفيس الغضب، تزيد مشاكل المواطنين، خصوصاً أن لا ثقة بمن سينفذها، إن نُفذت أساساً.

التحرك ضد الجميع

ويبدو لافتاً في التحرك السلمي والمطلبي المستمر لليوم الحادي عشر، أنه موحد ضد كل أركان الحكم، وعلى النظام الطائفي الذي يتحكم بالبلد، من دون استثناء أحد.

من جهة ثانية، ثمة إجماع لدى المتظاهرين في كل الساحات والمناطق، أن لا ضرورة لوجود رأس لهذا التحرك، ولا حاجة إلى من يتكلم باسمه ولا إلى إيجاد حلول بديلة للدولة عن تقصيرها. فالمحتجون ينتظرون حلولاً، وهم غير مضطرين لتقديمها.

وما دعوة رئيس الجمهورية ميشال عون الحراك المطلبي، إلى تشكيل لجنة للتحاور والتواصل معها من أجل المرحلة المقبلة، إلاّ خطوة لتطويق الحراك وإنهائه.

فالدولة على دراية تامة بقدرتها على إقناع أشخاص والتلاعب بهم ربما، لكنها ليست قادرة على إقناع الجيل الجديد المنتفض.

 

الدعم الذاتي

في سياق متصل، تتوالى مقومات صمود الشبان في الساحات، فأهالي المناطق المجاورة للحراك، يساعدون في تأمين الطعام والشراب، على عكس ما يُشاع عن دعم من سفارات خارجية أو دول مجاورة (يُستثنى من هذا الكلام، بعض الجهات التي تعلن عن دعمها الخارجي كحزب 7).

كما أن خطاب التخوين الذي وُجه إلى الحراك، ساعد في إشعال الروح الحماسية لدى الشبان، "إذ بات من يطالب بعيش كريم، أو زيادة ساعات التيار الكهربائي، أو إيجاد حلول بيئية للنفايات مثلاً، بات عميلاً ينفذ أجندة سياسية أجنبية"، على حد قول أحد المتظاهرين.

ومن أهم مقومات الصمود، أنّ المحتجين لا يسمحون لأي كان، سرقة تعبهم وصمودهم، ويحاربون من يتكلم باسمهم، ويفضحونه على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن حسنات هذا الحراك، واختلافه عن الذي شهده لبنان عام 2015، أنه بلا رأس ولا وجود للمنظرين فيه، على عكس "الحراك القديم" الذي عجّ بالرؤوس والمتنازعين على الظهور والبروز.

التناقض

تظهر بين الحين والآخر، بعض التصاريح المؤيدة للحراك، لكنها في الواقع، مجرد حبر على ورق، ومن يريد المساعدة بشكل جدي، فعليه الاستقالة من منصبه أو من علاقته مع السلطة والوقوف إلى جانب الشعب.

في هذا السياق، قال النائب السابق مصطفى علوش والقيادي في تيار المستقبل التابع لرئيس الحكومة، "لسنا مع فتح الطرقات بالقوة. هناك ثمن سياسي يجب أن يُدفع للبنانيين، نتيجة التجاهل والأخطاء من المجموعة الحاكمة التي لم تقنع الناس بشيء. هناك انتقال حتماً في السلطة، إما تغيير حكومي جذري أو حكومة جديدة، قد لا يكون الحريري رئيسها".

وأضاف "الساعات الأربع وعشرين المقبلة، ستكون حاسمة لأننا حريصون على الوضع النقدي وعلى الليرة ولا نريد الانتقال إلى حالة أخرى وترك البلد للفوضى. كما أننا حريصون على حرية التظاهر وسلامة المواطنين ولم نربط انسحاب المتظاهرين من الشوارع بأي حل سياسي. لأن لا شيء سيسحب مليوني لبناني إلاّ ثمن سياسي على القوى السياسية أن تدفعه".

لا إستقالة

ثمة إشارات في كلام علوش يجب التقاطها، إذ ثمة حديث عن استقالة محتملة للحكومة غداً، على أن يُكلّف الحريري مجدداً تشكيل حكومة مصغرة من 14 وزيراً، لكن مصدراً قريباً من بيت الوسط، أوضح لـ"اندبندنت عربية"، أنّ أي كلام عن استقالة الحكومة، هو مجرّد كلام لا أكثر، خصوصاً أنه يجب عقد مؤتمر سيدر منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل"، مضيفاً "لا يستطيع الحريري الخروج من هذه الأزمة، والحل ليس بيده، وثمة مقومات لدعمه من أحزاب السلطة، كالمشاورات التي يجريها مع رئيس الجمهورية، ويبقى الرهان على تعب المتظاهرين ومغادرتهم الساحات".

في المقابل، رأى رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله هاشم صفي الدين، أن "البلد أصبح في خضم تحدٍّ مهم وحساس، حين انفجر الناس نتيجة الضغط الاجتماعي والاقتصادي والتراكم الجائر من قرارات الحكومة بسبب إهمال الطبقات الفقيرة والمتوسطة في المجتمع".

وأضاف "يعرف الجميع في لبنان أن حزب الله كان طوال تاريخه من المطالبين بحقوق الفقراء والمحرومين، وهذا لم نَحِد عنه يوماً، لذا حين انطلق المواطنون في احتجاجاتهم، وجدنا أنفسنا الأقرب إليهم، واليوم نحن لسنا في خصومة مع الحراك أبداً، بل نقدر  ونحترم أهدافهم وما يقومون به. وحين قلنا إن هناك جهات تتلقى تمويلاً بناء لمعلومات مؤكدة، لم نقصد حتماً كل الذين شاركوا في الحراك، فمن قال إنه لم يتلقَّ تمويلاً ودفع من ماله الخاص، نصدقه، ولكن من هم متهمون ومعروفون، لم ينفوا هذا الأمر".

وعلّق أحد المتظاهرين على كلام صفي الدين، معتبراً "أنه متناقض، فلو وقف الحزب إلى جانب مطالب المواطنين، لأسهم في إسقاط الحكومة، لكنه يدرك تماماً أن أي تغيير في قواعد اللعبة قد يضر بمصالحه، وهذا ما لا يريده في الوقت الراهن".

إبداع

ثمة فرح وسعادة في ساحات الاعتصام. ضحكات عالية، وجوه شابة جميلة تحلم بمستقبل أفضل، وتحرّر من أفكار نمطية. يحاول المشاركون في الانتفاضة الشعبية، تقريبها من الذين يقصدون الساحات وتسليتهم من خلال بعض النشاطات الفنية والوطنية، وحلقات النقاش التي تُعقد باستمرار للتعبير بصدق عما يجول في خاطر من يريد التكلم.

نقاشات فكرية، حول أي بلد يريده المحتجون السلميون، بلد سلم أم حرب؟ كما يدعم بعض الفنانين الملتزمين بقضايا المواطنين الحراك الشعبي، إذ توجه مارسيل خليفة عصر اليوم إلى النبطية وكفررمان وغنّى مع المتظاهرين، داعماً صمودهم في الأرض التي غنّى لها حين كانت محتلة.

سلسلة بشرية

من النشاطات اللافتة اليوم الأحد، سلسلة بشرية امتدت من شمال البلاد إلى جنوبها في إطار الحراك الشعبي المناهض للطبقة السياسية، شكّلها عشرات الآلاف من اللبنانيين، في خطوة ترمز إلى الوحدة الوطنية التي تكرّست خلال التظاهرات العابرة للطوائف والمناطق.
وبدأ آلاف الأشخاص منذ الصباح الانتشار على الطرقات كافة لهذه الغاية، ممسكين بأيدي بعضهم بعضاً، لينجحوا أخيراً بتغطية مسافة تمتد على 170 كيلومتراً من صور جنوباً إلى طرابلس شمالاً، مروراً بساحة الشهداء في وسط بيروت.
وتجمّع المشاركون في مبادرة السلسلة البشرية على طول الطرقات السريعة من الشمال إلى الجنوب، ووصلوا إليها سيراً على الأقدام، وبعضهم على الدراجات النارية أو الهوائية.

المزيد من العالم العربي