حلم إيران بطريق إلى المتوسط سيصطدم بعقبات عدة!

وضع إيران اليوم لا يحسد عليه، فهي أنفقت في النزاعات الخارجية مبالغ كبيرة على مدى سنوات، في ظل تشديد واشنطن والغرب العقوبات الاقتصادية عليها، وخروج تحركات شعبية داخلية

لقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني بوزير الخارجية السوري وليد المعلم في طهران (أ.ف.ب.)

في إيران احتفالات بذكرى الثورة الإسلامية، في العراق كلام وسعي إلى إخراج القوات الأميركية من البلاد، وفي سوريا سباق على حجز مقعد في قطار إعادة الإعمار. وما بين الدول الثلاث مشروع إيراني للوصول إلى المياه الدافئة، أي مياه البحر الأبيض المتوسط. ففي الوقت الذي يسعى فيه برلمانيون عراقيون إلى تمرير مشروع قانون يُلزم القوات الأميركية الخروج من بلاد الرافدين، خصوصاً بعد تصريحات الرئيس دونالد ترمب المثيرة للجدل حول مراقبة بلاده إيران من الأراضي العراقية، وبينما كان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يؤكد لنظيره السوري أن "الشركات الإيرانية مستعدة للتعاون اقتصادياً مع سوريا خلال مرحلة إعادة الإعمار"، أتى الحدث من إيران مع تدشين مشروع الطريق السريعة بين مدن كرمانشاه وبيستون وحميل، وهو جزء من المشروع الأكبر للطريق التي تربط سوريا بإيران عبر العراق، بتأكيد وزير الطرق وبناء المدن الإيراني محمد إسلامي.

يبلغ طول هذه الطريق 141 كيلومتراً، وستضخ فيها إيران استثمارات بحوالي 35 مليون دولار أميركي، وبمساهمة القطاع الخاص بتنفيذ 70 في المئة من هذا المشروع، وفق إسلامي، الذي أعرب عن أمله في إنجاز هذه الطريق في شكل أسرع بمساعدة القطاع الخاص وموافقة البنوك في منح حوالي 23 مليون دولار أميركي من التسهيلات. هذه الطريق السريعة، ليست الخطوة الأولى في إطار مساعي طهران إلى بسط نفوذها على الدول المجاورة وصولاً إلى مياه المتوسط، وهو مشروعها التوسعي "الهلال الشيعي"، الذي في حال تحقق، تكون إيران قد نجحت في تنفيذ الحلم العائد إلى سنوات.

الطريق البريّة بين إيران ولبنان مروراً بالعراق وسوريا...سالكة

على مدى عقود عدة، خرج مسؤولون إيرانيون بكلام عن مشاريع توسّعية متنوعة، منها ما هو طريق سريعة، ومنها ما هو مشروع سكك حديد، يصل إيران بالعراق وسوريا. فقبل ما يقارب السنة، أكدت تقارير صحافية أن الطريق البريّة بين إيران ولبنان، مروراً بالعراق وسوريا، باتت سالكة، وهي تمر ببلدة قصر شيرين الإيرانية وتصل إلى مدينتي ديالى والبعاج في العراق، امتداداً إلى دير الزور السورية، ثم الطريق السورية البرية مع شرق لبنان من ناحية منطقة الهرمل القاع عبر معبر جوسية شمالاً.

أما مشروع سكك الحديد، الذي يربط هذه الدول نفسها، فكان خرج إلى العلن منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وجديده منذ أشهر كلام لمساعد مدير شركة سكك الحديد الإيرانية مازيار يزداني قال فيه، إن بلاده ترغب في ربط سوريا وإيران عبر شبكة سكك حديدية مروراً بالعراق، ضمن مشروع ضخم على مستوى المنطقة يهدف إلى تسهيل النقل والتواصل بين الدول الثلاث، كاشفاً عن إيعاز الرئيس الإيراني حسن روحاني بمد سكة حديد من منفذ الشلامجة الحدودي إلى مدينة البصرة في العراق.

لماذا تريد إيران تنفيذ مشاريع مماثلة؟

إيران اليوم في وضع لا يحسد عليه، إذ أنفقت في النزاعات الخارجية في كل من العراق وسوريا واليمن مبالغ كبيرة على مدى سنوات، في ظل تشديد واشنطن والغرب العقوبات الاقتصادية عليها، وخروج تحركات شعبية داخلية تطالب بإصلاحات على مستوى الاقتصاد والقيادة. ومن خلال وصولها براً إلى مياه المتوسط، تكون إيران قد نجحت في فتح قنوات برية وبحرية لها، والتفّت على العقوبات الدولية، ومن ثم فتحت قنوات للاستيراد والتصدير من طريق العراق بحراً وبراً، ومن سوريا ولبنان براً.

إلى جانب الشق الاقتصادي، تسعى طهران إلى التوسع عسكرياً من خلال الربط بين الدول المذكورة، فتصبح عملية نقل السلاح والمسلحين أكثر سهولة، ومن دون أي عوائق، بما يخدم توسيع نفوذها الأمني. طبعاً لا أحد ينسى كلام الوزير الإيراني حيدر مصلحي عن احتلال 4 عواصم عربية وامتداد نفوذ بلاده إلى شواطئ المتوسط وباب المندب؟ كذلك تصر إيران على حجز مقعد لها في عملية إعادة الإعمار في سوريا كتعويض عن المبالغ الكبيرة، التي تكبّدتها نتيجة مشاركتها في الحرب السورية، وهذه الطريق ما هي إلا البداية لحضورها في فترة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار.

طهران تضع ثقلها لإنجاز هذا المشروع

في هذا الإطار، وقّعت كل من سوريا وإيران قبل أسابيع، مذكرة تفاهم خلال زيارة نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري إلى دمشق، تتضمن اتفاقيات تعاون اقتصادي "بعيد المدى في مجالات عدة أهمها، الطاقة، والنظام المصرفي، إضافة إلى التجارية والمالية والصناعية والثقافية، ومكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، والنقل والاقتصاد. إضافة إلى ذلك ما كان أكده الرئيس السوري بشار الأسد مراراً، في أن الأولوية لإعادة الإعمار هي لأصدقاء سوريا، ما يعني بالتالي إعطاء امتيازات اقتصاديّة وتجاريّة لإيران في المرحلة المقبلة. لكن هل سيمر هذا المشروع بسهولة؟ خصوصاً، أن طهران تعتبره انتصاراً إستراتيجياً؟

مما لا شك فيه، أن القيادات الإيرانية تضع ثقلها لإنجاز هذا المشروع، لكن، في المقابل لن تسهّل أميركا وإسرائيل هذه المهمة... وأيضاً روسيا. فالضربات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا، والتي استهدفت مواقع ومجموعات إيرانية ليست بعيدة من هذه الأجواء، وهي رسائل متكررة، تؤكد أن إسرائيل لن تسمح بالتمدد الإيراني في سوريا، أكثر مما هو عليه اليوم. أما روسيا، حليف إيران على الأرض السورية إلى جانب النظام السوري، فلن تكون راضية جداً إن نُفذ هذا المشروع. فهي بدورها تريد "حصة الأسد" من عملية إعادة الإعمار، وتريد الحضور الأكبر والأهم في المشهد السياسي السوري مستقبلاً، لذا سيكون الصراع على من سيقول الكلمة الأخيرة في المشهد السوري، فور انتهاء النزاع العسكري.

المزيد من سياسة