تونس... هل تتشكل "حكومة الرئيس" قريبا؟

الحزب الفائز أمام معضلة التحالف مع بقية الأحزاب المعارضة لتوجهاته

بدأ الرئيس التونسي قيس سعيد سلسلة من اللقاءات مع عدد من الأحزاب السياسية الوازنة في المشهد السياسي في تونس والحاصلة على أكثر عدد من المقاعد في مجلس النواب المنتخب، والذي اتسم بالتشتت الحزبي، إذ أفرزت الانتخابات خليطاً غير متجانس من الأحزاب السياسية التي لا يجمعها إلا البرلمان .

مشهد فسيفسائي جعل تشكيل الحكومة المقبلة من قبل الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد، وهو حركة النهضة (52 مقعداً)، أمام معضلة حقيقية لصعوبة التحالف مع بقية الأحزاب المعارضة لتوجّهاته، على غرار حزب "قلب تونس" و"التيار الديمقراطي" و"الحزب الحر الدستوري" و"حركة الشعب"، وهي أربعة أحزاب تستحوذ وحدها على 83 مقعداً، بالإضافة إلى عدد آخر من الأحزاب التي لم تحسم أمرها بعد بشأن الائتلاف مع حركة النهضة  .

مأزق المشاورات

وتتزامن هذه اللقاءات التي يجريها رئيس الدولة مع مشاورات رسميّة، بدأتها حركة النهضة مع عدد من الأحزاب من أجل تشكيل ائتلاف برلماني، للاتفاق حول برنامج الحكومة المقبلة وشكلها.

ولئن لم تظهر إلى الآن ملامح هذا الائتلاف، خصوصاً مع تواصل حركة الشعب (16 مقعداً) تمسكها بعدم الدخول في حكومة ترأسها "حركة النهضة الإسلامية" وتدافع عن فكرة "حكومة الرئيس"، أي حكومة برئاسة شخصية مستقلة بعيدة من المحاصصة الحزبية، فإن التيار الديمقراطي (22 مقعداً) يشترط الحصول على حقائب الداخلية والعدل والإصلاح الإداري، من أجل المشاركة في الحكومة المقبلة، للدخول فعلياً في "الإصلاح ومقاومة الفساد"، ولا يزال ينتظر الموقف الرسمي لحركة "النهضة" إزاء هذا المقترح الذي يرى المتابعون أنه طلب أحرج الحركة لذلك تأجل البت فيه .

أحزاب حسمت أمرها

في المقابل حسم كلّ من حزب "قلب تونس" لنبيل القروي (38 مقعداً) والحزب "الدستوري الحر" لعبير موسى (17 مقعداً) أمريهما، وأعلنا عدم مشاركتهما في الحكومة المقبلة .

وصرح حاتم المليكي عضو في البرلمان والقيادي في حزب "قلب تونس"، أن الحزب لم يغيّر موقفه حتى الآن بشأن التحالف مع حركة "النهضة"، مشيراً إلى أن "الحزب يرفض من حيث المبدأ أن يكون رئيس الحكومة من حركة النهضة"، داعياً إلى ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية لها مساندة برلمانية قوية .

وأكدت عبير موسى رئيسة الحزب "الدستوري الحر"، أنها لن تشارك ولن تتحالف مع حركة "النهضة"، وأنها ستختار المعارضة .

الحل في الشخصية الوطنية الجامعة

يتسم المشهد السياسي في تونس بالمزايدات السياسية بين الأحزاب الفائزة بأكثرية المقاعد في المجلس النيابي المقبل، وازدهرت فيه الانتهازية السياسية ما دفع بعدد من المتابعين إلى التعويل على دور الرئيس قيس سعيد، المفوض شعبياً بأكثر من 72 في المئة من أصوات الناخبين في الانتخابات الرئاسية الماضية، لفضّ هذه الصّراعات والمزايدات، واقتراح شخصية جامعة تلم شمل السياسيين حول قبة البرلمان، وتكون حزاماً قوياً للحكومة ولرئيس الدولة، والدخول في جملة الإصلاحات التي يتطلبها الوضع الحالي في تونس بشكل عاجل، خصوصاً في الجانب الاقتصادي والمالي .

هذا التوجّه تباركه أحزاب سياسية عدة، إلا أنه يطرح إشكالاً أمام حركة "النهضة" المتمسكة إلى حدّ الآن، بضرورة أن يكون رئيس الحركة من داخلها، ولمّحت إلى أن المرشّح الطبيعي للحركة هو رئيسها راشد الغنوشي .

النزعة الإيديولوجية

وفي حال لم تتوصل الحركة إلى تكوين ائتلاف برلماني قوي قادر لتمكين الحكومة المقبلة من الثقة في البرلمان، فإن سيناريو اللجوء إلى شخصية وفاقية جامعة يكون المنفذ الوحيد لحركة "النهضة"، للخروج من هذا المأزق .

وهو خيار قد يرفع عن الحركة حرجَ التهرب من الحكم الذي قد تتشارك فيه مع أحزاب أخرى، كحركة "الشعب" و"التيار الديمقراطي" و"تحيا تونس"، وربما أحزاب أخرى، وفق برنامج حكم يكون وثيقة تتفق عليها هذه الأحزاب .

ويعكس هذا الواقع في تونس عدم تخلّص بعض الأحزاب السياسية من نزعتها الإيديولوجية، وعدم إيمانها بالحكم كمشروع سياسي غايته خدمة الشعب وإعلاء المصلحة العليا للوطن، بقطع النظر عن الاختلافات الإيديولوجية بين الأحزاب .

مسؤولية رئيس الجمهورية 

ويبقى تدخل رئيس الدولة هو الحل الأقل ضرراً لإحياء فكرة "حكومة الرئيس"، وإلا فإن شبح  سيناريو إعادة الانتخابات التشريعية قد يطل من بعيد إذا ما تجاوزت حركة النهضة الآجال الدستورية الممنوحة لها وهي شهران لتشكيل الحكومة وإلا فإنه دستورياً يقوم رئيس الدولة في أجل عشرة أيام بمشاورات مع الأحزاب والائتلافات و الكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر .

وإذا مرّت أربعة أشهر على التكليف الأول ولم يمنح أعضاء المجلس الثقة للحكومة، يكون لرئيس الدولة الحق في حلّ مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، في فترة لا تقل عن 45 يوماً ولا تتعدى الـ 90 يوماً.

سيناريو قد يربك المشهد السياسي في تونس، إلا أنه مستبعد في الوقت الراهن طالما أن حركة "النهضة" تواصل مشاوراتها لتشكيل الحكومة. ومادام رئيس الدولة قيس سعيد يعمل على تقريب وجهات النظر ويميل ضمنياً إلى حكومة كفاءات وطنية بعيدة من المحاصصة الحزبية، وعياً منه بصعوبة تشكيل ائتلاف برلماني قوي في ظل مشهد برلماني فسيفسائي.

المزيد من العالم العربي