رغم دعوات عزل ترمب... هوس اليقطين ومخاوف الأفوكادو يجتاحان الشارع الأميركي

أزمة الرئيس ليست ضمن أولويات المواطنين بالداخل... ولا صوت يعلو على احتفالات الهالوين

تبوَّأت ثمرة اليقطين مكانة الصدارة في المجتمع الأميركي بوصفها أيقونة عيد القديسين (أ.ب)

المعركة الدائرة رحاها على شاشات التلفزيون وفي جنبات الكونغرس وزوايا البيت الأبيض، وتلك الجهود الرهيبة المشتعلة دفاعاً عن الرئيس الأميركي ودرء خطر العزل عنه لا أثر لها في الشارع الأميركي.

شاشات التلفزيون المعلّقة على جدران المطارات الأميركيَّة الدوليَّة والمحليَّة لا تنضح بعويل المعارضين المنددين بالرئيس الأميركي وسياساته وتقلباته وتغريداته، أو بصراخ المؤيدين المعضدين لكل خطوة يخطوها، وتغريدة يغرّد بها، أو تغريرة يغرر بها حلفاءه أو أصدقاءه.

وتجمّعات الأميركيين في مباريات كرة القدم الأميركيَّة في نهايّة الأسبوع تخلو من مشاحنات التأييد والتنديد التي يبدو أنها لا وجود لها إلا في دوائر أكاديميَّة ومنصات إعلاميَّة وجلسات غير الأميركيين داخل الولايات المتحدة الأميركيَّة وبالطبع خارجها.

المحلي على حساب الدولي
حتى نشرات الأخبار التي تُقبل عليها الغالبيَّة ليست النشرات الدوليَّة حيث متابعات لأحدث تحرّكات القوات الأميركيَّة من شمال سوريا إلى العراق، واحتقانات واحتكاكات الجمهوريين والديموقراطيين وعلاقة ذلك بجهود العزل، والاتفاقات والتهديدات التجاريَّة بين أميركا وآسيا لا تشكل محور الاهتمام الشعبي أو المشاهدة والمتابعة.

متابعة تفاصيل الحياة اليوميَّة في أميركا تختلف تماماً عن متابعتها عبر شاشات الإعلام التقليدي. الاهتمامات أبعد ما تكون عن العزل الرئاسي والانسحاب العسكري وألعاب السيرك التجاريَّة. الاحتقانات بين الحمار الديموقراطي والفيل الجمهوري، والشرق الأوسط المتنامي التناقضات المترامي المصالح الغارق في غياهب الحروب والنزاعات والثورات، والعلاقة مع نمور وأسود الشرق الأقصى وما يكتنفها من شد وجذب وعلاقة حب وكراهيّة لا تلبث أن تبقى على حال حتى تنقلب عليه لا تشغل بال المواطن الأميركي العادي من قريب أو بعيد.

ربما يكون البعد الجغرافي للولايات المتحدة الأميركيَّة واكتفاؤها الذاتي من المشكلات وحلولها وتكوينها المتكامل من مؤسسات مستقرة وكيانات خدميَّة راسخة ضمن أسباب نأي المواطن الأميركي بنفسه عن دوامات السياسة الأميركيَّة منها والعالميَّة.

اليقطين في الصدارة
عالميَّة اليقطين لا تقل بأي حال من الأحوال عن عالميَّة أي من معضلات الكوكب الآنية. على باب الغالبيَّة المطلقة من البيوت تقبع ثمرة من تلك الثمار العملاقة التي يأكلها المغاربة والجزائريون والتوانسة مطهيَّة كصنف خضراوات مع الكسكس، ويعشقها المصريون في صينيَّة القرع العسلي مع الكريمة والمكسرات، ويلتهمها الأفغان مع صوص الزبادي فيما يعرف بـ"تشالاو كادو"، ويضعها الأرمن على رأس الحلويات تحت اسم "غاباما"، لكن هنا في أميركا تمكّنت ثمرة اليقطين من أن تتبوأ مكانة الصدارة، لا كفاكهة أو كخضراوات لكن كأيقونة في عيد القديسين.

 

وبينما العالم يضرب أخماساً في أسداس حول مصير الرئيس ترمب، وإن كان معسكر الساعين إلى العزل سيفلح في إزاحة الرئيس المثير للجدل بعيداً عن البيت الأبيض أم تُرجَّح كفة داعمي الرئيس، فإن الملايين من أصحاب الشأن يأخذون أبناءهم وأحفادهم في رحلات نهاريّة إلى مزارع اليقطين لانتقاء ثمرة مناسبة. هذه الملايين تمضي أسابيع شهر أكتوبر (تشرين الأول) في إجراءات يقطينيَّة لا تنقطع. فمن انتقاء الثمرة، إلى تفريغها وتشكيلها كوجه مثير للرعب، لتزويدها بشمعة تضيء ليلاً، وشراء أو صناعة الأزياء التنكريَّة المرعبة، إلى شراء الحلوى لتوزيعها على الصغار، وذلك وصولاً إلى يوم الحادي والثلاثين من الشهر الحالي.

"هالوين" على الأبواب
لا صوت يعلو على احتفالات الهالوين أو "القديسين" واستعداداتها التي أنفق عليها الأميركيون العام الماضي نحو تسعة بلايين دولار أميركي (حسب استقراء الرأي السنوي الذي يجريه اتحاد تجارة التجزئة الوطني). هذا الاحتفال الذي يحمل في تفاصيله من ألفه إلى يائه فرصاً مليونيَّة للأرباح والبيزنس لا موطئ قدم فيه لحديث العزل أو جدال الانسحاب من شمال سوريا. قياسات الرأي العام منشغلة بأي الولايات أكثر عشقاً لليقطين، وأيها أكثر إنفاقاً على الملابس التنكريَّة المرعبة للكبار والصغار.

وإذا كان قليلٌ من الرعب على سبيل الترفيه في عيد الهالوين مستساغاً، فإن الرعب المصاحب لأجواء زراعة اليقطين وحصاده والحديث عن "الجدار" يستدعي كثيراً من الرعب. نسبة كبيرة من العمالة المرتبطة بحصاد ثمار اليقطين وحملها ونقلها من مكان إلى آخر عمالة مكسيكيَّة، وجانب غير قليل منها عمالة "غير موثقة" أو بمعنى آخر عمالة غير قانونيَّة.

الجدار العازل
وإذا كان المواطن الأميركي العادي لا يبالي كثيراً بجهود العزل وحركة تنقلات القوات الأميركيَّة في الشرق الأوسط، وما وصلت إليه تحرّكات الحرب التجاريَّة مع دول جنوب شرق آسيا، فإن المواطنين الذين تتعلق دخولهم بتجارة اليقطين المليونيَّة يتحدثون هذه الأيام عن ضرورة إعادة النظر في الجدار الذي دعا ترمب إلى بنائه لحمايّة بلاده من عبور المكسيكيين "غير الشرعي" إلى الولايات المتحدة الأميركيَّة. وعلى الرغم من أن مسألة الجدار حازت قدراً هائلاً من الاهتمام الإعلامي، وخلقت حالة من الزخم السياسي والسخريّة من سياسات الرئيس الأميركي، فإن ما لا يعرفه كثيرون هو أن ما يزيد على ألف كيلومتر على الحدود بين أميركا والمكسيك كانت مزوّدة بالحواجز قبل تولي ترمب مقاليد الرئاسة.

الرئاسة الأميركيَّة التي تثير جدل العالم هذه الآونة تثير جدلاً في الداخل كذلك، لكن المداخل مختلفة. الكتاب الذي اشترك في تأليفه صحافيا "نيويورك تايمز" مايكل شير وجولي ديفيز، ويحمل عنوان "حروب الحدود: نظرة على سياسة ترمب الهجوميَّة على الهجرة" يحظى بنسبة مبيعات جيدة من قِبل مؤيدي ومعارضي الجدار.

 

جهد بالغ بذله الصحافيان لجمع كل ما قِيل من غرائب وما صُرّح به من عجائب تختص بالجدار. فمن سور خرساني إلى سور فولاذي، ومنهما إلى مطالبة مواطني المكسيك بسداد تكلفة السور لمنعهم من تخطيه إلى أميركا، ثم فكرة بتزويد الجدار المقترح بأنفاق وخنادق وغمرها بالمياه واستقدام تماسيح لسكناها كنوع من الإجراءات التأمينيَّة الاحترازيَّة، يقرأ الأميركيون الكتاب بكثير من الاهتمام.

لكن ينبغي الإشارة هنا إلى أن الاهتمام هنا ليس كله مندرجاً تحت بند رفض الجدار والسخريَّة منه ومن صاحبه (بات معروفاً بـ"جدار ترمب")، فهناك أيضاً من يجد في الجدار فكرة جيدة!

تبرعوا للجدار
"نحن نبني الجدار" موقع عنكبوتي يَلقى قدراً غير قليل من المتابعة والاهتمام. الموقع يدعو كل من انتخب ترمب في عام 2016 أن يتبرع بـ80 دولاراً أميركياً، وهو المبلغ الذي يكفي لبناء جدار "يحمي" كامل حدود الولايات المتحدة الأميركيَّة الجنوبيَّة، ويحذّر القائمون على الموقع الأميركيين من التراخي أو التهاون في مسألة الجدار وإلا لن "يتمكّن أبناؤنا وأحفادنا من التعرف إلى البلد الذي مات من أجله ومن أجل الحفاظ على مبدأ الحريات الكثيرون من الأميركيين. علينا أن لا نكون الجيل الذي خسر كل شيء من أجل لا شيء". 

هيمنة الأفوكادو
خسارة اليقطين وما يمثله من "بيزنس" دون العمالة المكسيكيَّة غير الموثقة تقابلها خسارة "الأفوكادو" (تلك الثمرة المولع بها الأميركيون)، فمنذ طالب الرئيس ترمب ببناء الجدار، وملوك الكوميديا وبرامج التوك شو الليليَّة الساخرة يطرحون النكات حول الآثار السلبيَّة المدمرة التي ستنجم عن بناء الجدار، وأبرزها حرمان الأميركيين من ثمرة الأفوكادو. يشار إلى أن نحو 80% من استهلاك الولايات المتحدة الأميركيَّة من الأفوكادو يرد من المكسيك.

وعلى الرغم من أن مسألة الأفوكادو تُتداول في الإعلام كنكتة، فإن كثيرين من الأميركيين، لا سيما في الولايات غير البعيدة عن المحاور السياسيَّة يتداولون حديث الأفوكادو.

وتظل القدرة على شراء الأفوكادو من عدمها من الموضوعات المهيمنة على اهتمام المواطنين الأميركيين. الاقتصاد وفرص الوظائف والرعايَّة الصحيَّة وغيرها من الملفات الاقتصاديَّة تظل شغل الأميركيين الشاغل رغم أنف قضيَّة العزل التي تشغل العالم الخارجي أكثر ما تشغل العالم الداخلي، ورغم أنف الفوضى العارمة في منطقة الشرق الأوسط وحرب المصالح الأمميَّة التي لم تتخل عن أقنعة الصداقات والتحالفات والحقوق والحريات، وكشفت عن وجوه مصالح خالصة، ورغم أنف المواجهات التجاريَّة بين أميركا من جهة والصين وغيرها من النمور الآسيويَّة من جهة أخرى.

أولويات الشارع الأميركي
وعلى الرغم من استطلاعات الرأي التي تجريها جهات عدة، بينها منصات إعلاميَّة، وجميعها متمحور حول العزل، يظل ترتيب أولويات الرأي العام الأميركي كالتالي: اقتصاد، ورعايَّة صحيَّة، وإرهاب، ووظائف، وعجز الموازنة بالترتيب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا الترتيب يصفه مركز "بيو" لقياسات الرأي العام بـ"استمرار هيمنة القضايا والملفات الداخليَّة الأميركيَّة على توجهات المواطنين في الولايات المتحدة الأميركيَّة"، وهو ما يظهر واضحاً وضوح الشمس في الشارع.

صحيحٌ، أن غالبيَّة استطلاعات الرأي العام التي تستطلع آراء الأميركيين حول موقفهم من عزل ترمب تشير إلى ارتفاع طفيف في أعداد المواطنين الراغبين في المُضي قدماً في التحقيقات، إلا أن غالبيَّة الاستطلاعات أيضاً التي تستطلع ترتيب الاهتمامات لا تحوي العزل ضمن الأولويات.