التربية الجنسية في فلسطين… خجل في التناول وتحكم مجتمعي

المقررات الدراسية خاضعة لثقافة المجتمع الاجتماعية والدينية

يعقد منتدى الجنسانية في فلسطين ورشاً للتثقيف حول قضايا الجسد (صورة خاصة بالمنتدى)

"أذكر تماماً الفرحة التي عمت وجوهنا حين قالت معلمتنا في الإعدادية إننا لن ندرس هاتين الصفحتين، لأنه لا شأن لنا بهما، ولكنني لم أدرك إلا بعد حين سبب ذلك، ولا أثر هذا الأمر إلا بعد أن أرتني إحدى صديقاتي مقطع فيديو"، تقول لارا وهي طالبة جامعية فلسطينية، عند سؤالها عمّا إذا كانت تعلمت شيئاً يتعلق بالتربية الجنسية في المدرسة. ولارا هي واحدة من طلاب كثر، حذف المعلمون في مدارسهم، موادّ تتعلق بالأجهزة التناسلية أو الصحة الإنجابية من المقررات، لدواعي الخجل أو لعدم أهمية هذه المادة، أو ربما تجنباً للّوم الاجتماعي.

أوضح مدير عام الإرشاد التربوي والتربية الخاصة في وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية محمد الحواش أن الاهتمام بوجود مواد تتعلق بالتربية الجنسية في المدارس يتزايد مع الوقت، على الرغم من رفض بعض فئات المجتمع له، لأن معرفة الطلاب بهذه الأمور تلفت نظرهم إلى العديد من القضايا، وتقيهم من التحرش والانتهاك الذي من الممكن أن يتعرضوا له، ومن أجل ذلك يجري العمل على تعديل وتطوير دليل صحة المراهقة، الذي يستخدمه المرشدون في المدارس، لتثقيف وتوعية الطلاب بالصحة الإنجابية وأمور المراهقة والتغيرات التي تحدث في الجسم، إضافة إلى جانب خاص يخاطب ذوي الطلاب لدورهم الكبير في توعية أبنائهم وبناتهم بهذه القضايا الحساسة، لأنهم الأقرب لهم، مشيراً إلى أنه في كثير من الأحيان يتم اللجوء إلى شيخ الجامع على سبيل المثال أو أي شخص قد يثق فيه الطلاب لتثقيفهم في قضية معينة.

مواد متفرقة موزعة في المقررات

في السابق، كان يتم التطرق إلى القضايا المتعلقة بالتربية الجنسية في مادة الأحياء وكتاب الصحة والبيئة للمرحلتين الإعدادية والثانوية، ولم يكن يتم شرحها في كل المدارس بالطريقة ذاتها، ففي بعضها كان يتم تجاوزها لخجل المدرسين أو لعدم التسبب بالإحراج للطلاب، ولكن حديثاً تم إلغاء المقرر الأخير، وتوزيع المادة بشكل متفرق على الكتب المختلفة.

وعما تتضمنه الدروس حول التربية الجنسية، يقول رئيس مركز المناهج في وزارة التربية والتعليم ثروت زيد إنه في البداية يتعرف الطلاب على المرافق الصحية، والنظافة والاهتمام بالأعضاء التناسلية، والتغيرات الجسمية والسلوكية والنفسية والاجتماعية في فترة المراهقة، عبر الصور وخريطة للمفاهيم ومحتوى للنقاش، إضافة إلى برامج إثرائية من خلال حلقات دراسية تكون للطلاب وذويهم.

ويوضح ثروت أن التفاصيل تصبح أدق عند عمر 15 تقريباً، كالبلوغ والإخصاب والأمراض الوراثية، والجينات، وتحديد جنس الإنسان، وفصائل الدم، وهذا التوزيع تم بحسب الفئات العمرية لتجنب إرباك الطلاب، مشيراً إلى أن اعتراض بعض أفراد المجتمع يكون عادة على طريقة العرض، لذلك يتم مراعاة ثقافة المجتمع والفئات العمرية للطلاب، إضافة إلى الانتباه إلى اللغة المستخدمة، ومن أجل ذلك يتم تطوير الكادر التربوي باستمرار، وإنشاء نظام متابعة للتأكد من أن هذه المواد تعطى بالكامل، وفي حال خجل أحد المدرسين من شرح هذه المادة، يقوم زميل آخر بهذه المهمة.

الثقافة الجنسية مهمة أم تفسد المجتمع؟

يرى البعض أن الثقافة الجنسية أمر مهم للطلاب والناس ككل، حتى لا يتوجه المراهقون لاستقاء ثقافتهم من مصادر مختلفة قد تكون خاطئة كالمشاهد الإباحية أو من أقرانهم، إضافة إلى أنها ستجعلهم أكثر وعياً بجسدهم وكيفية الحفاظ عليه وحماية أنفسهم من التحرش وغيره. كما أن هذا الأمر مهم لهم عندما يكبرون ويقررون تأسيس أسرة في المستقبل، ولكن آخرين اعتبروا أن مثل هذه المواد لا تصلح لأن تكون ضمن المناهج لأنها تلفت أنظار الطلاب إلى الكثير من الأمور، وقد تفسدهم أحياناً إذا لم تعط لهم بطريقة صحيحة، وأن المهمة الأكبر تقع على عاتق الأهل في توعيتهم وتثقيفهم في الوقت الذي يرونه مناسباً، مع أهمية متابعتهم في مرحلة المراهقة حتى لا يلجأوا إلى وسائل أخرى ليتعلموا منها.

يعتبر البعض أن جزءاً من التثقيف الجنسي يقع على عاتق مؤسسات المجتمع، ومن أجل ذلك كان هناك العديد من الجهات التي بدأت تعمل على هذه المفاهيم ومن أبرزها منتدى الجنسانية في حيفا، الذي يعتبر الجمعية الأولى في فلسطين والوطن العربي التي تعنى برفع الوعي الجنساني لدى الأفراد والأسر من أجل مجتمع يتمتع فيه الجميع بحقوق متساوية وعادلة في المعرفة، واختيار الشريك أو الشريكة ونمط الحياه المناسب، بحسب مديرة المنتدى صفاء طميش.

تدريبات مجتمعية لمختلف الفئات

أما عن الأنشطة في الضفة الغربية، فتوضح طميش أنه يتم العمل بشكل محدود مع بعض الفئات المتمثلة في طلاب الجامعات، والنساء وأهالي الطلاب وغيرهم، إذ يتم تدريب العشرات سنوياً على التعامل مع قضايا الجنسانية بطريقة مهنية وعلمية وحساسة للسياق المجتمعي، كل بحسب الفئة العمرية والخلفية الاجتماعية التي جاء منها، والحاجات المختلفة لكل فئة.

تشير طميش إلى أن اللقاءات ليست الوسيلة التوعوية الوحيدة فمن خلال الموقع الإلكتروني يحاولون إيصال بعض المعلومات العلمية والإجابة عن العديد من الأسئلة التي تصل من معظم دول الوطن العربي، وعرض الأفلام التوعوية القصيرة التي يعدها أفراد من الفئة الشابة، إضافة إلى إصدار العديد من المواد والكتب مثل "من وين جيت" الذي يتطرق إلى تكون الجنين بطريقة مبسطة، و"صرت شب" و"صرت صبية" وغيرها.

وعلى الرغم من توجه بعض الأشخاص إلى حضور مثل هذه اللقاءات التثقيفية بخاصة من طلاب الجامعات والفئات التي لم تتلق هذه المعلومات داخل المدرسة، إلا أن الكثيرين يرفضونها على اعتبار أنها تنشر قيماً غربية وتثير الفتن، وتعلم المراهقين سلوكيات غير مقبولة داخل المجتمع ولا تتفق مع قيمه وعاداته وتقاليده.

المزيد من الشرق الأوسط