العراق… هل عجل خطاب عادل عبد المهدي بإيقاد الحرائق؟

أولويات الشعب أسرع في التنفيذ من التصورات الإنشائية

"معادلة حساسة تواجه النظام السياسي في العراق"... بهذه المحصلة لخصّ الدكتور عادل عبد المهدي رئيس الحكومة العراقية أزمة بلاده، في هذه اللحظة الحرجة التي كانت الجماهير تتدفق فيها من الأحياء الفقيرة متوجهة إلى مقرات الحكومة في المنطقة الخضراء ببغداد. حينها وصلت الرسالة واضحة إلى الجمهور الغاصب، الذي كان ينتظر الاحتفاء بإعلان استقالته، وتخلي الفاسدين عن مناصبهم التي فرضتها المحاصصة الطائفية التي كرسها نظام ما بعد عام 2003.

"عوائل السوبر"

وكان يظن أن أشارته إلى التركة التي ورثها عن حكومات التحالف الوطني الشيعية، خافية على الجمهور الذي اكتوى بنارها وراقب عن قرب ثراء فاحشاً لرجال السلطة الجديدة التي يعرّفها الشعب بـ "عوائل السوبر"، التي قسمت الثروة بينها وبين الشعب بطريقة الاستحواذ على قوت الشعب، وفرضت ما يشبه العقاب الجماعي عليه. ويؤجج ذلك رجال دين لا يتوانون عن اتهام الشعب بأنه كان يصفق للنظام السابق ويتندرون في مجالسهم سراً وعلناً على حاله من دون أن يدركوا طبيعة هذا الشعب العربي ونخوته العشائرية والقبلية، التي تفجرت فجأة واقتحمت أسوار مكاتب الأحزاب الدينية في المحافظات الجنوبية والوسطى وأحرقتها من دون أن يرف لها جفن، تعبيراً عن غضب تأصل في مدركات جيل عراقي، عانى كثيراً من التهميش والظواهر غير المنسجمة مع إرث الشعب وتوجهاته الوطنية المرتبطة بجسد أمته العربية وأحلامها، التي حاولت تلك الأحزاب سلخه عنها، من دون فائدة، حتى صدمت بمشاهد الحرق وملاحقة أتباعها في شوارع ذي قار وميسان والنجف والمثنى والبصرة وواسط وبابل.

أولويات هذا الجيل لم تعبأ بأولويات عبد المهدي، التي لخصها خطابه الأخير بثلاثة أمور أساسية، تتمثل بضمان أعلى مستوى من الحريات وأعلى مستوى من الأمن والاستقرار، وأعلى مستوى من الخدمات وفرص العمل والنمو الاقتصادي، وصولاً إلى ما سماه بدولة المواطن لا دولة يتحكم بها المسؤول!

في وقت كانت أولويات الشعب أسرع في التنفيذ من تلك التصورات الإنشائية التي تحدث عنها عشية تدفق مئات الآلاف من الشباب الغاضب إلى قلب المدن ليثأروا لكرامتهم الوطنية، لعيشهم وحريتهم خلاصاً، من ميليشيات لا تتحكم بأصوات الناخبين وحدهم بل في اقتصاد البلاد وسياساتها العامة وتنصّب أتباعها كجيوش من الأمنيين، ناقلين تجربة الحرس الثوري رديف الدولة التي آوتهم سنين.

لم تفِ "السينات" و"السوفات" التي استخدمها القائد العام للقوات المسلحة التي أوردها كوعود مستقبلية للمتظاهرين، الذين كانوا يحثون خطاهم نحو الساحات العامة المحيطة بساحة التظاهر الرئيسية للعبور إلى مقر الحكومة من منفذَي جسري الجمهورية والمعلق باتجاه المنطقة الخضراء. وآلاف منهم يسلكون طرقاً مشابهة في المحافظات الوسطى والجنوبية، نحو مكامن الأحزاب الدينية، بروح التمرد والثورة غير متهيبين بأي مسميات وأسلحة لتخويفهم بالرصاص الحي أو المطاطي، وقد أعلن رئيس الوزراء بأنه استبدل القوات المسلحة بقوات "حفظ النظام"، عوضاً عن قوات مكافحة الشغب التي زجت في محاولات منع المتظاهرين وقمع الاحتجاجات، التي تسببت حتى الآن بمقتل ما يربو عن مئتي شاب وجرح أكثر من ستة آلاف آخرين خلال أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وعود إضافية

وقد فوجئ المقربون من السيد عبد المهدي وهم يصغون لخطابه ولم يخفوا انتقاده على حركات الجسد التي طغت عليه وأشارت إلى ارتباكه الواضح، وظنوا أنه قادر على استمالة المتظاهرين، حين يقوم بإعلان حمايتهم، لكن ذلك سرعان ما تبدد بعيد ساعات معدودة من محاولات المحتجين العبور إلى المنطقة الخضراء، حيث مراكز الحكومة، بعدما احتشدوا في الساحة التي أضحت رمزاً وطنياً تحت نصب الحرية الشهير لجواد سليم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن دون مواربة، فإن خطاب عبد المهدي المتلفز الذي كشف للمرة الأولى فيه أن لجنة التحقيق العليا التي شكلها استجابة لطلب المرجعية هي لجنة إدارية لا قضائية، معطياً ما يمثل خط رجعة لحكومته بإحالة الجناة الذين تسببوا بمقتل 149 متظاهراً وثمانية قتلى من القوات الأمنية على السلطة القضائية. وأيدته المرجعية في اليوم التالي التي طالبته بأن يستجيب إلى الأصوات العاقلة في الدولة التي تطالبه بكشف المتورطين بالقتل، وإحالتهم على العدالة. وهذا ما لا يقدر عليه حتى الآن، لأنه يعرف بأنه سيدخل في عش الدبابير ويتقاطع مع حلفاء إيران في العراق الذين يتهمهم المتظاهرون بأنهم وراء قنصهم ويسمونهم علناً.

وأمام مشاهد القتل والخرق والمواجهات التي شهدناها حتى الآن فإن حزمة للوعود والإصلاحات التي وعدت بها الحكومة لم تنفع في تهدئة خواطر المحتجين، الذين لم يبالوا بكل تلك الإجراءات والوعود المتأخرة كثيراً. وبات همهم الوصول إلى مقرات الرئاسات الثلاث ليسمعوها صوت جراحهم وعوزهم ومناداتهم وبأن الشعب لم يعد يتحمل الوعود وفقدان الكرامة. ولم يثقوا بكل آليات السلطة في إنتاج انتخابات مزورة أخرى بتدخل الميليشيات، التي جعلت غالبية الجمهور يمتنع عن التصويت للانتخابات السابقة وفوز أتباع الأحزاب الدينية بأكثرية المقاعد التي تبيح لهم تشكيل الحكومة.

ليس بالوعود وحدها تحيا الشعوب حين يرى الناس حجم الكوارث التي تسببها السلطة، في ظل حكومات لا تفكر إلا باسترضاء الشريك الأجنبي. وهذا حال العراق وشعبه الذي وصل إلى مراحل تفكر بالغضب، لأن حكومته تنفق أكثر من 50 مليار دولار لشراء الوقود وتدوير عجلة اقتصادها مع إيران، كما قال وزير النفط العراقي الأسبق جبار اللعيبي في حديث إلى "اندبندنت عربية". والإصرار على حرق الغاز وتهريب النفط إلى الجارة الكبرى التي تعاني من حصار دولي، دفع العراق فاتورته الكبيرة جداً لاسترضائها لكنه خسر شعبه، الذي يخرج اليوم محتجاً غير مبالٍ بالرصاص المنهمر على رؤوس أبنائه وصدورهم".

المزيد من تحلیل