عالم الثورة الافتراضي... ورهانات الهشاشة!

الوعي الذي يعبر عنه كثيرون على منصات فيسبوك بطبيعته مفكك وانتقائي ويعكس تمثيلات مضللة في مقارباته

"ثوار فيسبوك" يشبهون عالمهم الافتراضي حيث الأبعاد والنسبة والتناسب منعدمة  في ذلك الواقع (رويترز)

على الرغم من أن الثورة السودانية تمر اليوم بمنعطفات مرحلة ما بعد الثورة، في ظل المرحلة الانتقالية التي يقودها تحالف قوى الحرية والتغيير، فإن ثمة هوية افتراضية موازية لسيولة المرحلة الثورية في الواقع، وعاكسةً لها في واقع افتراضي أصبح فيسبوك مرتعه الخصيب.

"ثوار فيسبوك" يشبهون عالمهم الافتراضي، حيث الأبعاد والنسبة والتناسب منعدمة  في ذلك الواقع، فيما ينعكس الخيال واقعاً موازياً!

وهكذا، تتداخل سرديات مضللة وكثيفة ينسخ بعضها بعضاً في ذلك الفضاء الأزرق ويصبح معها منطق الواقع الافتراضي طاغياً على الواقع الموضوعي ذاته، فيما تبدو المقاربات المنطلقة من الواقع الافتراضي لتحليل مفردات الواقع الموضوعي مقاربات مفككة وتنظيرات هشة ولكنها عبر فيسبوك تجد كثيرين ممن يؤمنون بها.

الوعي الذي يعبر عنه كثيرون من المتبرعين في منصات فيسبوك بطبيعته وعي مفكك وانتقائي ويعكس بالضرورة تمثيلات مضللة في مقارباته، جاهلاً أو مغفلاً، ما يسمى قوانين الواقع وإكراهاته التي غالباً ما تخيب ظن "الفسابكة".

 سيولة فيسبوك، على الرغم من أنها سيولة موازية لسيولة الواقع الموضوعي للثورة، فإن لها منطقها الخاص الذي تتخفى وراءه؛ نوايا وإرادات وحالمون بأوهام حول سياقات واقع الثورة السودانية؛ أوهام لا تتصل في الحقيقة إلا بطوباوياتهم عن الثورة، ولا علاقة لها، لا بمنطق الثورة، ولا بطبيعة وصيرورة الثورات التي يفيد درسها الأول؛ أنها شكل من أشكال الخبرة البشرية المتأتية من عبرة الدماء وكلفتها الغالية لتكون القيم العليا مجسدةً في واقع وحياة الناس عبر إنفاذ القانون ويقظة الجميع للدفاع عن الحقوق والحريات العامة.

 هذا الإنجاز الكبير للثورة؛ أفق لا تنتصر فيه  الثورة إلا عبر صراع مستمر مع الثورة المضادة. لذا فالثورة المضادة هي جدل تقتضيه الثورة ذاتها.   

ولهذا، فإن أخطر الناس على مكاسب الثورة أولئك الهُواة الذين يقاربون القضايا السياسية السائلة، والأوضاع المنهارة الموروثة لعقود، برؤى طهورية وأحكام حدية جامدة ومطلقة؛ تغفل شروط الواقع وقوانينه، ولا تصلح إلا كأمنيات فيسبوكيه. ليس كل من شارك في الثورة يتعين عليه أن يصبح سياسياً، كما أن الفكرة الضارة التي مفادها؛ بما أن كل الثوار هم صانعو الثورة؛ فهم كذلك من يقررون رسم السياسات التفصيلية لمرحلة ما بعد الثورة ؛ هذه الفكرة (وإن كانت سليمة في عمومها) لكن إذا ما أوحت بأن الحق لكل ثائر أن يفتي في قضايا وعوائق الانتقال السياسي، وتحديات المرحلة الانتقالية والتسويات التي ينبغي النظر إليها وفق قراءات دقيقة وحكيمة للمصائر الممكنة والمرضية في حدها المعقول؛ دون معرفة أو خبرة، أو تجربة؛ وإذا تصورنا أن في إمكان كل ثائر الحق في رسم تلك المصائر وفقط لأنه ثائر (لا سياسي) فإن النتيجة ستكون وخيمة على مآلات الثورة السودانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هناك عنوان سياسي واضح هو "إعلان الحرية والتغيير" كتحالف حاكم لقيادة المرحلة الانتقالية. وفي تقديرنا؛ من المهم لكل من يهتم بالسياسة من الثوار أن يلتزم بذلك الإعلان وأن يقرأ ويفهم بنوده ويتأمل ما فيها ليكون داعماً لخيار قوى إعلان الحرية والتغيير.

إن تسييل المسائل المصيرية للقضايا السياسية المركزية في السودان، الآن وهنا، والحديث عنها بتلك الخفة والإفتاء فيها على فيسبوك من كل من هب ودب سيكون عامل ضرر خطير على الثورة السودانية.

هذا لا يعني عدم توجيه النقد ـ إذا لزم ـ لجميع القوى السياسية، لكن ينبغي عليه أن يكون نقداً مؤسساً ومتخصصاً ومسؤولاً من فاعلين حقيقيين في مجال التفكير السياسي الاستراتيجي الرصين.

بالتأكيد ليس هناك حجر على أحد في إبداء الرأي وليس ذلك في مقدور أحد اليوم، ولكن لقد أصبح في وسائل التواصل الاجتماعي، ولاسيما فيسبوك، ما يغري كثيراً من الهواة ومحبي الظهور وأصحاب الأوهام المتورمة عن ذواتهم ممن يريدون أن يقولوا كل شيء في كل شيء،  فيما هم لم يدركوا أن الوقت حان مع هذه الثورة المباركة لكي يظهر السياسيون الحقيقيون والإعلاميون الحقيقيون والمفكرون الحقيقيون في الواقع؛ أولئك الذين تم تغييبهم عن الفضاء العام والسياسة والإعلام والفكر من أجل استدامة الجهل في سياسيات نظام عمر البشير.

يضاف إلى ذلك، أن النخب السياسية للأحزاب في السودان لايزال وعيها حيال قضايا الشأن العام وعياً مفككا لأنه يسعى وراء نمذجة أيديولوجية مفترضة لرؤيته الخاصة على  الفضاء السياسي العام؛ فتظل تلك النخب تُسقط على الواقع خيالات لا علاقة لها برؤى سياسية مستحقة عن السودان؛ حين تتجاوز، باستمرار، تفكيراً أساسياً في ضرورة التخلص من آثار سلبية ضارة لبنيات حياتنا المجتمعية والتاريخية ومنعكساتها الذهنية على لا وعينا، من خلال وحدات اشتغال خام للقبيلة والطائفة والمنطقة، دون حيازة أي قوة معرفية قادرة على تحييد التأثير السالب لتلك البنيات في التحكم علينا بصورة نكون فيها أقرب إلى منطق القبائل منها إلى منطق الشعوب!

المزيد من آراء