لنركز في أوروبا على ما نجيد عمله... ونقدم المزيد منه

يكمن التحدي في كيفية الحفاظ على مستويات المعيشة لدينا ونوعية حياتنا وتحسينها في عالم يشهد تنافسا متزايدا ومن دون أن نترك بصمة بيئية ثقيلة للغاية؟

الانقسام البريطاني حيال أوروبا مستمر (رويترز) 

لقد حان الوقت للتفكير في مستقبل الاقتصاد الأوروبي، وليس فقط  الاتحاد الأوروبي، الذي يُعد مفهوماً سياسياً حديثاً وهو حالياً تحت وطأة الضغط. وبدلاً من ذلك، دعونا نفكر في القارة بأكملها، بما في ذلك المملكة المتحدة بالطبع، ولكن أيضاً بروسيا بشكل حاسم. كما يجب أن نتذكر أن إسطنبول هي أكبر مدن أوروبا، لأن أوروبا تتوقف عند مضيق البوسفور وكذلك جبال الأورال.

هناك بالطبع اختلافات كبيرة في اللغة والثقافة والسياسة، لكن كل قارة تضم تباينات كبيرة. وكما يعرف كل من يسافر كثيرًا  بين دول أوروبا، هناك بعض القواسم المشتركة في الطريقة التي يعيش بها الناس ويتحدثون ويأكلون، وهذه القواسم هي ما يميزها عن الأميركيتين أو عن آسيا أو إفريقيا. ومعظمنا يتمتع، وفقا للمعايير العالمية، بحياة جيدة جدا.

وهنا يكمن التحدي الذي يواجهنا جميعًا خلال العقود القليلة المقبلة. فكيف نحافظ على مستويات المعيشة لدينا ونوعية حياتنا ونجعلهما أفضل في عالم يشهد تنافسا متزايدا، ومن دون ترك بصمة ثقيلة جدا على البيئة؟

لقد أصبح الاقتصاد الأوروبي (بما في ذلك روسيا) الآن أصغر من اقتصاد الولايات المتحدة، بينما كان أكبر منه قبل 30 عاماً. وقريبا سيكون أصغر من اقتصاد الصين. ويرجع السبب في ذلك جزئيا إلى التركيبة السكانية، لأننا نزداد شيخوخة على نحو أسرع من بقية العالم، باستثناء اليابان. لكن هناك سبب آخر يكمن بوجود مجال أقل لدينا للحاق بركب النمو الاقتصادي، والسعي للحاق به يُعّد المحرك الرئيسي للنمو في الصين، وأيضاً بشكل متزايد في الهند. وإن أكثر ما يثير القلق بالنسبة لأوروبا هو أنها على ما يبدو لا تبتكر بنفس سرعة أميركا الشمالية أو شرق آسيا.

وإذا كانت هذه الجملة الأخيرة لا تبدو معقولة، فكّر في الجهاز الذي تقرأ فيه هذه الكلمات، وسترى أنه لم يُصنع في أوروبا، وإذا كنت ترغب في مشاركة هذه الكلمات مع شخص آخر فلن تستخدم شبكة أوروبية للتواصل الاجتماعي.

إذن، ماذا يمكن أن نقول عن هذا التحدي؟ لا أعتقد أننا يجب أن نكون متشائمين بل واقعيين فقط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدايةً، توجد في أوروبا مجموعة ضخمة من المواهب، لكن للأسف ينتقل الكثير منها إلى الولايات المتحدة، وهذه إحدى التحديات التي نواجهها. لننظر على سبيل المثال إلى جائزة نوبل في الاقتصاد. إن الفائز بها في عام 2015، أنغوس ديتون، وهو إسكتلندي، والفائزة بها لهذا العام، استير دوفلو، هي فرنسية. لكن كلاً منهما طور حياته المهنية في أميركا. ولننظر، إلى أشخاص من نوع  مختلف إلى حد ما، إلى ديفيد ميليباند والسير نيك كليغ، وهما من ألمع  السياسيين لدينا. الاثنان يعملان حالياً في الولايات المتحدة. إن القول بأن المال موجود هناك، وهذا صحيح، بيد أنه لايكفي لتفسير الانتقال إليها. أصبح الحفاظ على المواهب الأوروبية وتطويرها في ذروة الأولويات.

ثانيا، يتعين على أوروبا أن تستثمر فيما تجيده. إنها جيدة في مجموعة هائلة من الأنشطة الاقتصادية المختلفة. لديها ثاني أكبر صانع للسيارات، فولكس فاغن. أكبر شركة لتصنيع الطائرات، إيرباص؛ أكبر شركة للمنتوجات الفاخرة، LVMH.  وفيها أيضاً خمس من أفضل 10 جامعات في العالم على تصنيف QS، وهي جامعات أكسفورد، كامبريدج، المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، إمبيريال كوليج وUCL. ولدى أوروبا أيضا كُبرى شركات انتاج النفط والغاز، وما إلى ذلك.

وتعد أوروبا أيضا رائدة في التكنولوجيات البيئية، وهذا ليس هو المكان المناسب للخوض في القضايا البيئية المثيرة للقلق حاليا. إن المغزى هنا هو أن نلاحظ بأنه مع ظهور تلك المخاوف البيئية، كما هو مؤكد، يمكن القول بأن أوروبا هي المنطقة المؤهلة أكثر للإستفادة من الجهود المبذولة لخفض انبعاثات الكربون ولقيادتها أيضاً.

أخيرًا، يجب أن نتذكر أن  مناطق أخرى من العالم تواجه رياحا معاكسة. إن ما يحدث في الصين مثير للدهشة، لأنها لا تتأثر فقط بالانكماش الدوري الذي يؤثر علينا جميعًا، وإنما أيضا بالصعوبات الهيكلية التي تعترض طريقها. إن معدل نموها الأساسي آخذ في الانخفاض ولم تعد طريقة استجابتها الماضية من خلال توليد الطلب ببناء المزيد من البنية التحتية، تجدي نفعا كما اتضح خلال الدورات الاقتصادية السابقة. يجب أن تكون بحاجة إلى الأشياء التي تقوم بإنشائها، أو سينتهي بك الأمر إلى ديون لن تستطيع سدادها.

إن النقطة المهمة هنا هي أن أوروبا قادرة على تحسين أدائها بشكل كبير بوجود قيادة تُركّز على الاقتصاد بدلاً من السياسة. لكن هذا لا يتعلق فقط بالاقتصاد أو السياسة. إنه يتعلق أيضا بالأفكار حول سبل تطوير العمل الجماعي بين المجتمعات.

لقد بدأت للتو بقراءة  كتاب  The Human Odyssey (الملحمة الانسانية) الجديد لستيفن غرين، وهو مصرفي سابق ووزير التجارة السابق. وفي الكتاب يرسم  اللورد غرين معالم تاريخ أوراسيا ونقاط القوة فيه وكيف تفاعل الجزء الأصغر أي أوروبا، من أكبر كتلة من الأرض في العالم مع الجزء الأكثر اكتظاظًا بالسكان منها، أي آسيا. يوجد في آسيا 60% من سكان العالم، وستتقاسم مع أميركا الشمالية الهيمنة على الاقتصاد العالمي.

يشير اللورد غرين إلى أن "السؤال الكبير هو كيف يمكن لحقيقة التوسع الحضري الذي لا رجعة فيه أن يغذي نمو النزعة الفردية لدى البشر في كل المجتمعات، بحيث تغني حكمة الآخرين كل تلك الثقافات الأوراسية العظيمة وتساعد على تحولها."

كانت الأشهر الماضية صعبة بالنسبة لأوروبا، وستظل كذلك. لهذا، دعونا ندعو إلى التحلي ببعض الحكمة لإثراء ليس فقط اقتصاداتنا، مع أن علينا أن نفعل ذلك، ولكن أيضا لإغناء ثقافاتنا.

© The Independent

المزيد من آراء