على وقع طبول محاسبة الفاسدين في بيروت... قانون سوري للكشف المبكر عن الفساد

قلق واسع من عدم الجدية في تطبيقه وعدم شموله أقرباء المسؤولين المشبوهين

 مبنى قصر العدل في دمشق  (اندبندنت عربية)

بعد اختفاء دام لعقود، عادت عبارة "من أين لك هذا؟" إلى الظهور مجدداً في سوريا، بعدما كانت العبارة الأشهر لدى السوريين في فترة التسعينيات، حين لم يفتأ الشارع السوري يرددها في أحاديثه الخفية عن الفساد وعرابيه. يحكي الشارع قصصَ بذخٍ وثراء تعيشها شخصيات سياسية أو حكومية نافذة، ورجال أعمال وأولادهم تحاكي عيشتهم أساطير "ألف ليلة وليلة"، وتبقى هذه الطبقة من دون مساءلة أو محاسبة.
وكان آخرها وليس آخرها، ما ضجت بها صفحات التواصل الاجتماعي من صور وتسريبات من حفل زفاف ابنة وزير سوري تجاوزت تكاليفه مليوني دولار أميركي، وتلقي العروسين هدايا من منتفعين وشخصيات، من بينها تاج من الألماس من أحد أثرياء الحرب الحديثين.
إزاء ذلك، يبدي السوري دهشته من تصرفات تلك الطبقة الحاكمة التي تتصرف وكأنها لا تعيش في وطن أُثخن بالجراح والحروب، وتعالت فيه أصوات الفقراء جوعاً وكمداً، في مقابل تضخّم ثرواتهم إلى حدود التورم إثر صفقات مشبوهة وأموال غير شرعية جنوها مستغلين نفوذهم. ويستاء السوريون من ظهور أمراء الحرب في البلاد متربعين على عرش الثروات وممسكين بلقمة عيش المواطن.
 


"الذمة الكبيرة"
 

مقابل ذلك تسابق الحكومة السورية الزمن لإنجاز قانون "الذمة المالية" عبر مشروع يحمل في طياته وفق المعلومات الواردة لـ "اندبندنت عربية" كشفاً مبكراً عن أموال وثروات الطبقة المسؤولة تصل إلى حد الإفصاح عن أموال مسؤولين كبار من بينهم رئيس الحكومة ونوابه والوزراء ورئيس مجلس الشعب (البرلمان) والنواب والدبلوماسيون والمدراء والمفتشون والمراقبون.
وترى مصادر متابعة أن ورشة ضمت قيادات وشخصيات من وزارات العدل والتنمية الإدارية والمالية سبقتها سلسلة اجتماعات مكثفة عُقدت في العاصمة دمشق بهدف مناقشة مشروع القانون.
وأبرز مواد ذلك القانون، بحسب الأنباء المتواترة هو كشف حسابات وأموال الطبقة الحاكمة في الحكومة ومصادر الأموال وكسبها غير المشروع الناتج من استغلال المنصب أو النفوذ.
 

القانون والثغرات
 

وساهمت وزارة التنمية الإدارية، عرابة هذا المشروع، وهي وزارة حديثة العهد تأسست في أغسطس (آب) 2014 بالمرسوم التشريعي رقم 39، بصياغة مشروع "الذمة المالية" أو ما يطلق عليه الشارع تسمية "من أين لك هذا؟".
وذكرت مصادر مأذونة أن الورشة شهدت نقاشات واسعة حتى يخرج متكاملاً بحضور وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى ولن ينقضي العام الحالي 2019 إلا وسيعلَن القانون الجديد إلى الملأ ويطبق.
من جانبها، أعلنت وزيرة التنمية الإدارية، سلام سفاف أن "المشروع إجراء وقائي لمنع وقوع الفساد والكسب غير المشروع وضمانة لمكافحة الفساد في المؤسسات الحكومية"، راجيةً أن يكون هذا المشروع خالياً من النواقص أو الثغرات.
 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحركة مع الحراك
 

ومع كل تفاؤل السلطة بإنجاز قانون مستقبلي يُمسك بمنابع الفساد بعدما ضرب أطنابه في الدولة، إلا أن متابعين ينظرون بعين الريبة إلى القانون الجديد ومدى تطبيقه ويخشون أن يكون إعلامياً لتهدئة النفوس فقط وعدم التعامل معه بجدية.
واعتبرت بعض الآراء أن القانون سيصدر ويوضع "على الرفوف ويُحفظ من دون تطبيق" ككل قوانين المحاسبة السابقة وإن طُبِق فهو سيطاول الضعفاء من المسؤولين الذين رُفعت عنهم الحماية والحصانة و"أوراقهم احترقت أمام الرأي العام".
كل ذلك يأتي في وقت يشهد لبنان حراكاً سلمياً، إذ شكّل فساد الطبقة الحاكمة المحرك الأول لنزول اللبنانيين إلى الشارع، وهذا ما يخشاه السياسيون في دمشق، وهو أن تنتقل عدوى الثورات إلى بلادهم من جديد بعدما لبثت أن انطفأت.
وشهدت دمشق في العام 2011 لقاءً موسعاً بين الرئيس السوري بشار الأسد والوزراء في أولى أيام الحراك السلمي الذي عم البلاد وطالبهم بالإصلاح والتقشف وتقديم بيانات مالية عن أملاكهم قبل استلام مناصبهم، وذلك في لقاء علني تلفزيوني في حينه.


المحاسبة الضائعة

إزاء ذلك لا يثق مراقبون متابعون عن كثب لمشروع القانون الجديد، بجدية التعاطي معه أو نجاعته، ولا يخفي أحد العاملين سابقاً في سلك التفتيش المالي أن المشروع الجديد سيحاسب شخصيات في مناصب كبيرة ولكن "ماذا عن عائلاتهم؟". ويضيف خبير الرقابة المالية مفضلاً عدم ذكر اسمه "درجت العادة أن ينقل السارقون من المال العام أو المسؤولون ممَن استغلوا نفوذهم بكسب غير مشروع أموالهم وثرواتهم إلى ملكية زوجاتهم أو أبنائهم".
في غضون ذلك، تتعدد الثغرات في ذلك المشروع وبدأ الخبراء يضعونه تحت المجهر، بخاصة أن المشاركين فيه هم مَن يضعون قوانين المحاسبة التي ستُطبَق عليهم في نهاية المطاف، لا سيما مشاركة وزراء، الأمر الذي يجده خبير الرقابة المالية "ثغرةً لا بد من النظر إليها بتمعن وتأليف لجنة لصياغة المشروع محايدة وعالية المستوى، ليس بالضرورة أن يكون كل أركانها من السلطة الحكومية بالمطلق بل من أخصائيين وخبراء مستقلين، تضع صيغة مشروع القانون الجديد الجدير بالتطبيق الفعال ومن دون ثغرات".

المزيد من العالم العربي