طرابلس ترفض الحوار المشروط... الشارع يحدد السقوف

عند المعتصمين تكرّست قناعة بأن السلطة تحاول الالتفاف على معاناة الناس

الجيش اللبناني يفتش المتظاهرين على مداخل ساحة النور في طرابلس (أ. ف. ب.)

في نهار الجمعة الطرابلسي، في عاصمة شمال لبنان، ترددت أصداء خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وهجوم مناصريه على المتظاهرين السلميين في بيروت. وتابع الحاضرون ما يحصل في العاصمة، وتفاعلوا معه من خلال المواقف والهتافات التي أصر مطلقوها على البقاء في الشارع، وعلى هدف إسقاط الطبقة الحاكمة.
وتفاعل المحتشدون مع تسجيلات تلقوها عبر تطبيق واتساب، حيث عبّر البعض فيها عن حماستهم لمشاركة طرابلس في حراكها الذي يشّع حماسة وقوة.
وبدأت تتضح الصورة بالنسبة إلى المعتصمين في ساحة النور في طرابلس، إذ تظهر إصرار تحالف السلطة بالمماطلة وكسب الوقت لعدم تقديم أي تنازل، وهذا ما أكدته لاءات نصر الله الثلاث، إذ رفض أي مس بالحكومة والعهد أو إجراء انتخابات نيابية مبكرة. واستفزت هذه المواقف أنصار الثورة لأنها لم تأتِ بأي جديد يرضيهم.

 

متى الخروج من حالة الإنكار؟

 

بعد مرور تسعة أيام على انطلاق الحراك تكرّست قناعة بأن السلطة تحاول الالتفاف على معاناة الناس. ورأى الأستاذ الجامعي جان جبور أن "السلطة لم تؤمن الحقوق الأساسية البديهية للناس لعقود مضت، وكان يفترض بالسلطة أن تسمع هذا الوجع المحق". واستهجن جبور "القول إن الناس مدفوعة من أحزاب لأنها تخطت للمرة الأولى الحواجز الطائفية والمناطقية لتوجيه صرختها". واعتقد أنه "كان يُفترض الذهاب إلى إجراءات سريعة وفورية عوضاً عن إدارة الأذن الصماء، وكما لدى السيد نصر الله هواجس عبّر عنها كذلك لدى الناس هواجس مقابلة تجب معالجتها بعيداً من التهديد والوعيد".
وتابع جبور أن "النمط الموحّد للمواقف من (رئيس الحكومة سعد) الحريري إلى (رئيس الجمهورية ميشال) عون ثم (الأمين العام لحزب الله حسن) نصر الله هو تكرار لنهج كل مَن يتواجد في السلطة، لأنه يخاف على تهديد موقعه"، مرجحاً أن "تؤدي لعبة شراء الوقت إلى بلوغ الهاوية، لذلك لا بد من الخروج من حالة الإنكار وسماع مطالب الشعب بتغيير الوضع القائم، وبدء الإصلاحات الفورية".
 
 
"لا نريد الحوار معكم"    


وتوقف المعتصمون عند إصرار السلطة على حوار على قياسها وبشروطها وتحت سقوفها التي حددها خطاب نصر الله، وافترضت وجهة واحدة للحل من خلال الحوار مع رئيس الجمهورية ميشال عون. واعتبر المهندس بشير طراد أن "الفراغ الذي يخوفون به الناس، هو ما يعيشه لبنان فعلياً، ويدعوهم لتذكّر أننا عشنا سنتين ونصف السنة بلا رئيس جمهورية، و9 أشهر من دون حكومة وبقي البلد يسير. أما بالنسبة إلى طرح انتخاب الحراك ممثلين لهم لمحاورة الرئيس،  فيضعه طراد في خانة الشبهة "لأنهم بعد ذلك سيقومون بتخوينهم وفرط الحراك وإفشاله. ويعتقد أن الأولوية هي إسقاط الحكم وليس تشكيل قيادة للانتفاضة، ويجب إسقاط النظام بالكامل وعدم اقتصاره على استقالة الحكومة، لأن مجلس النواب الحالي سيعيد تشكيل حكومة مشابهة".
 من جهته، يؤكد الناشط المستقل حسان إبراهيم أن "الشعب ثار على سلطة أمراء الحرب، وهو لن يقبل محاورة من جوّعه". ووضع إبراهيم الدعوات إلى الحوار في إطار "السخرية من الناس ومطالبها"، إذ إنهم "يضحكون علينا بورقة إصلاحات". وسارع إبراهيم في التعليق على وعد نصر الله بتنفيذ تلك الورقة، فقال "بالنسبة لي هو ليس بقديس ولا بنبي، لأنه على غرار بقية زعماء الطوائف الذين يقومون بغسل أدمغة أتباعهم لتحريكهم، ولا يمكنه إلزامنا بمواقفه من الورقة".
ولفت بعض الناشطين إلى الحرب النفسية التي تمارسها السلطة التي تحاول نشر انطباع بأن أفق الحراك مسدود. ورفضت الناشطة ميرنا عمر هذا الطرح لأن "وحدة الحراك وقوة الشعب تزرع الخوف في قلوب الحكام"، معتبرةً أن "هذه الانتفاضة تكتسب قوتها من أنها تمثل حزب الوطن. كما أنها ثورة شعب تتجه لتحقيق الحياة الكريمة للناس، وليس هناك ثقة بالطبقة الحاكمة لبلوغ ذلك، فهي لطالما كرّرت الوعود لـ30 سنة خَلَت، ولم تطبق أي شيء منها".
وعلّقت الناشطة عمر على تحرّك أنصار الأحزاب لإفشال التحركات الشعبية وإرهاب المواطنين، بالقول "أرسلوا زعرانهم لأنهم يخافون من الفئة الواعية في أوساطهم والتي تُدرك أحقية المواقف الشعبية".

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

"باقون في الساحات"
 

بدأ نهار ساحة النور في إعادة ترتيب الساحة، وإعادة توزيع الأكشاك، كما وُضِع إطار لأماكن بيع التذكارات الوطنية والقهوة والكعكة الطرابلسية. كما بدّل المنظمون أجهزة الصوت وترتيب الحضور على المنصة.
كما حضرت المواقف من الانتفاضة الشعبية في خطب الجمعة، حيث شبّه إمام جامع طينال الشيخ غسان الأحدب مواقف السلطة من مطالب الجياع بمواقف فرعون "ما أريكم إلا ما أرى"، داعياً إلى التمسك بنهج الإسلام والوقوف مع المظلوم لا الظالم.
واستمرت العائلات بالنزول إلى الشارع، وتعكس أم علاء حال الكثير من الناس الذين يرفضون الحوار ويرغبون في التغيير والإصلاح، ويخافون من انكسار الحراك. وتشير إلى أنها كل يوم تترك بيتها في الزاهرية لتأتي برفقة عائلتها إلى الساحة للتعبير عن مشاكلهم المعيشية ولرفض بقاء النواب الذين لم يقدموا إلا الكلام الفارغ والوعود، من دون أي تنفيذ على الأرض. وتطمح بتحقيق الإصلاح وإيجاد فرص العمل لها ولزوجها للتعاون في إعالة عائلتهما.
وأكدت الساعات الأخيرة أن تحديات أحزاب السلطة تكرس وحدة الحراك الشعبي حول الثورة، كما أن الخطابات المتكررة للإئتلاف الحاكم يزيد من تجييش الناس للاستمرار في التحركات الشعبية  العابرة للطوائف.

المزيد من العالم العربي