مثقفون عرب يعانون ازدواجية الانتماء الى الوطن والمنفى

إشكالية يعاد طرحها إزاء التحولات الاجتماعية الطارئة

الانسان العربي بين الوطن والمنفى (يوتيوب)

 

يذهل الباحث في الواقع السوسيولوجي العربي تمادي إشكالية الوطن والمنفى في فكرنا الحديث والمعاصر. وجدت هذه الإشكالية تعبيراً حياً لها في فكرنا النهضوي حيث تطالع المتأمل في هذا الفكر صور شتى لوعي شقي مزَق مثقف النهضة بين خياري الوطن والإغتراب. ففي خمسينيات القرن التاسع عشر عبر أحمد فارس الشدياق الهارب من استبداد مرجعيته الطائفية عن سروره بالإفلات من الظلم والطغيان، على الرغم من انشداده إلى أرض الوطن وأنس الأهل والأحباء.

وفي الآونة إياها كتب فرنسيس المراش "إذا رأيت الوغد يحكم في أرض فهل تلبث فيها مقيماً؟"، فيما عبر عن إعجابه بغربته الباريسية بقوله: "كم تستميل الإنسان هذه الديار التي تمنح أمناً غير مثلوم، وحرية غير مأسورة، وحياة غير مهددة ولا مذعورة". كذلك كتب جبرائيل دلال من منفاه الباريسي: "إن قلبي يهوى الرجوع إلى الوطن ، وصوابي يقتادني للرحيل". كما أمضى رزق الله حسون السنوات الطوال يعاني لوعة البعاد عن وطنه، ودفعه شوقه إلى ابنه إلى المغامرة بالعودة متنكراً، ولو لوقت قصير. أما الدلال الذي لم يحتمل عذاب الاغتراب فقد عاد إلى وطنه ليلقى سوء المصير ويقضي في سجنه تحت التعذيب.

هذا الجدل القديم المتجدد بين خياري الوطن والمنفى، أي بين الوطن مع الاستبداد أو الحرية مع المنفى، لا يزال مستمراً في فكرنا العربي الراهن، ولنا في معاناة محمد أركون نموذج حي لمعاناة المثقف النقدي العربي، فأركون الذي دأب على تأسيس فكر علماني لا يغفل دور الدين والوحي وتأثيره في المسار التاريخي للشعوب والثقافات وأنظمة الفكر، نافياً العلاقات الصراعية بين الدين والحداثة، واجه موقفاً عدائياً في وطنه، فكفَر وتعرَض للإهانة أمام الملأ في ملتقى ثقافي في الجزائر عام 1985 من دون أن ينصفه أحد، حتى أنه فضَل بعد ذلك قطع علاقته بوطنه. وقد عبَر أركون عن وضعيته المأزومة بقوله: "في الوقت الذي يواجه المثقف النقدي العربي التهميش والإحباط في الغرب، ويرفض ويرمى في دائرة عقائده الغريبة، يواجه في وطنه موقفاً عدائياً أشد صعوبة يتمثَل بالتكفير والسجن والتصفية الجسدية، ما يضطره للتخلي عن خطه النقدي الحر في التفكير والكتابة".

أما المفكر المغترب المعاصر حليم بركات، فقد عبر عن وعيه الشقي بالقول: "كلما كبرت في العمر انحنت أغصاني على جذوري... لكنني أعرف أن العيش في الوطن يتطلب الامتثال والإذعان للأصوليات العقائدية والسياسية، ولذلك لا أعرف حقاً أيهما أشد قسوة المنفى أم الوطن".

من منحى مشابه يعبر هاشم صالح عن السبب الذي جعله يؤثر المنفى على الوطن، إذ يقول: "كان من حسن حظي أن وطئت قدماي أرض فرنسا، هذه الأرض الطيبة المحررة من فقه القرون الوسطى، الفقه الظلامي الذي يفتك الآن ببلادي فتكاً ذريعاً".

هذه النماذج من مواقف المثقفين العرب المعاصرين تبرهن على التمادي المريب لإشكالية الوطن والمنفى في فكرنا العربي الحديث والمعاصر. فما خلفيات استمرار هذه الإشكالية؟ هل من صلة سوسيولوجية أو أيديولوجية أو تاريخية بين معاناة المثقفين العرب الأوائل ومعاناة مثقفيهم اليوم؟

لعل أولى الخلفيات التي أسست وتؤسس لهذه الإشكالية تتمثل في أن مجتمعاتنا تشكل بيئة طاردة لمثقفيها بدل أن تشكل بيئة ملائمة وحاضنة، نتيجة استبدادها السياسي وتكلسها العقائدي، فضلاً عن هشاشة شرعية الدولة الوطنية العربية وعجزها عن أن تقدم تبريراً كافياً للتضحية من أجلها والتشبث بالانتماء إليها، ولم يكن ذلك لنقص في حب الوطن والإنشداد إلى ترابه، فقد عبرت النخبة المثقفة من المغتربين العرب عن نزعة وطنية لا ريب فيها، كما عبرت في آن عن رفض الطغيان السياسي والأصولي الذي حدا بها إلى الإغتراب. وليس من دون دلالة التقاء مغتربي النهضة مع أندادهم المعاصرين في التعبير عن معاناتهم المشتركة، فثمة جوامع تؤكد وحدة المعاناة، وتتمثل في الاستبداد السياسي والعقائدي المتمادي على مدى الأزمان العربية.

إخفاق الحداثة

تتمثل ثانية الخلفيات في إخفاق التوجه الحداثي في العالم العربي وفشله في استيعاب روح العقد الاجتماعي والانتماء القومي والمواطني. ففكرة "العقد الاجتماعي" التي ترددت أصداؤها في الفكر النهضوي، لم تلبث أن أخلت مكانها لنموذج الدولة التسلطية الذي أفرغ المواطنة من مضمونها التعاقدي، ما كرس العداء بين المواطن والدولة، وأسس للنزعة الاغترابية المعاصرة، حيث تطلع المغتربون العرب إلى ما يفتقدونه في أوطانهم "الحق والحرية" على الرغم من عذاب المنفى والابتعاد عن الوطن. ما عبر عنه جبرائيل الدلال بقوله عن غربته الباريسية: "إذا لم يكن هنا غير أن الحر فيها يعيش من دون منازع، فهو يكفي حظاً لقلبي وإن سالت على غربتي غروب المدامع".

أما ثالثة تلك الخلفيات فتبقى في إخفاق الإصلاح الديني الذي رفع لواءه منذ القرن التاسع عشر متنورون عظماء من الطهطاوي وعبده والبستاني والمراش والأفغاني وصولاً إلى اسحق وأنطون والكواكبي وعبد الرازق وسواهم ممن نادوا بقراءة النص الديني قراءة متنورة تستوعب روح العصر الليبرالية وتؤسس لوطنية منزهة عن الطائفية. هذه القراءة لم تكوَن تياراً جماهيرياً، بل وئدت لمصلحة القراءة الأكثر ظلامية والأكثر بعداً من مقاصد الدين، ما عمَق إشكالية الوطن والمنفى وأمدها بعوامل البقاء والاستمرار.

وما لم تتم المصالحة بين الوطن والحرية، سيظل المثقف العربي يتطلع خارج أمته بحثاً عن نافذة أمل، لكن ذلك لن يخرجه من مأزقه بل يبقي أبواب المنفى مفتوحة أمامه، ويبقى بالتالي ممزقاً بين وطنه ومنفاه.

إن إنهاء التمزق القديم المتجدد بين الوطن والمنفى، بين الاستبداد والحرية لا يمكن أن يتم إلا في أمة عربية محررة من طواغيتها، وفي مجتمعات تعترف بحقوق المواطنة وحقوق الإنسان من دون استثناء، وفي مقدمها الاعتراف بالآخر واحترام حقه في النقد والرفض والمساءلة، أياً يكن جبروت الحاكم وقدسية القضايا والأفكار التي يتذرع بها لديمومة سلطانه واستبداده.

المزيد من ثقافة