سيناريوهات السلطة لمواجهة الانتفاضة اللبنانية

حافظت رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة على صمتهما بينما نشطت حركة الاتصالات والمشاورات التي دخل على خطها "حزب الله"

دخلت الانتفاضة الشعبية اللبنانية يومها السابع الأربعاء 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، على وقع قرار اتخذته السلطة السياسية يقضي بتكليف الجيش اللبناني بفتح الطرقات الأساسية والدولية، بعدما كان المتظاهرون قد أقفلوها في ساعات الصباح الأولى، في محاولة لمزيد من الضغط على الحكومة بهدف دفعها إلى الاستقالة.

حركة اتصالات ناشطة

وأتى قرار تكليف الجيش بمهمة صد المتظاهرين في إطار محاولة زج المؤسسة العسكرية في المواجهة مع المتظاهرين، تمهيداً لوضع حد لها، بعدما باءت كل محاولات وضع المتظاهرين أنفسهم في مواجهة في ما بينهم.

وفي حين شهد اليوم اللبناني الطويل مزيداً من التحركات الشعبية، على الرغم من المطر ومحاولات التفريق الحاصلة في أكثر من منطقة وساحة، حافظت رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة على صمتمها، بينما نشطت حركة الاتصالات والمشاورات التي دخل على خطها "حزب الله"، عبر رئيس وحدة الارتباط وفيق صفا، الذي كان زار رئيس الجمهورية في قصر بعبدا، والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، وذلك في إطار البحث عن مخرج بعيداً من مطالب الشارع المنادية باستقالة الحكومة.

صيغة ولدت ميتة

وكانت الصيغة المتداولة للحل تقضي بإجراء تعديل وزاري يطال المواقع الوزارية التي تشكل استفزازاً، وفي مقدمها وزير الخارجية جبران باسيل، مقابل وزير الاتصالات محمد شقير المحسوب على رئيس الحكومة، ووزير المال علي حسن خليل المحسوب على رئيس المجلس نبيه بري، والوزير وائل أبو فاعور المحسوب على وليد جنبلاط. إلا أن هذه الصيغة لم يكتب لها الحياة، على الرغم من أن رئيس الجمهورية كان وافق عليها بعد تدخل فريق المستشارين لديه، وعلى رأسهم كريمته ميراي، إلا أنه عاد وتراجع عن موافقته، لتتعثر الصيغة مجدداً من دون أن تسقط نهائياً، في انتظار بلورة الخيارات الأخرى التي وضعها "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، والتي تشكل الخطوة الأخيرة في الرد على الحراك الشعبي.

تحريك الشارع العوني

ويرمي هذا الخيار إلى تحريك الشارع العوني الموالي للتيار، من خلال التحرك فجراً لملء الساحات تحت شعار "دعم العهد وسيده". ويهدف الحليفان من وراء هذا التحرك، إلى الرد على الشارع بالشارع، من أجل حماية رئاسة الجمهورية ومنع استهدافها، والتأكيد على أن الشارع المنادي بالعهد يفوق حجم وقدرة الشارع المنادي بإسقاطه وإسقاط الحكومة. ويقف الحزب إلى جانب حليفه في تأمين الدعم اللوجستي له، حتى لو اضطر الأمر للجوء إلى "قمصان سود" على غرار ما حصل عام 2008، عندما نزل مسلحو "حزب الله" بقمصان سود في أحياء العاصمة بيروت، وحاصروها لإسقاط حكومة الرئيس الأسبق فؤاد السنيورة.

خرق القيادات الروحية

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولكن، وفي خضم السيناريوات الجارية للخيارات المطروحة للخروج من الأزمة، خرقت القيادات الروحية المسيحية المجتمعة في بكركي مشهد الصمت الرسمي عن حراك الشارع، ببيان عالي النبرة تلاه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، دعا فيه "رئيس الجمهورية ميشال عون المؤتمن على الدستور، إلى البدء فوراً بالمشاورات مع القادة السياسيين ورؤساء الطوائف لاتخاذ القرارات الملائمة بشأن مطالب الشعب، فاستمرار شلل الحياة العامة في البلاد سيؤدي إلى انهيار مالي واقتصادي، ما يرتد سلباً على الشعب". وتوجه إلى الشعب المنتفض في لبنان وبلاد الانتشار، طالباً منه "الحفاظ على سلميته ومنع أي طرف من استغلال صرخته وتحويلها إلى حركة انقلابية وتشويه وجهها الديمقراطي". وناشد المجتمع الدولي "أن يؤدي دوره في دعم أول ديمقراطية نشأت في هذا الشرق ومساعدة لبنان في حل المشاكل".

وتجدر الإشارة إلى أن البطريرك الراعي كان تشاور مرتين مع رئيس الجمهورية خلال الساعات الـ 24 الماضية.

خروج الرئيس عن صمته؟

وأفادت مصادر مطّلعة على موقف رئيس الجمهورية أنه يتابع اتصالاته مع المعنيين، لا سيما على المستويين الأمني والسياسي، لمواكبة التطورات في البلاد. وهو اجتمع بعيداً من الإعلام، مع قادة الأجهزة الأمنية للبحث في كيفية فتح الطرقات ومنع المتظاهرين من إقفالها مجدداً. ورجحت المصادر أن "تكون هناك كلمة للرئيس في الساعات المقبلة بعد إنهاء اتصالاته واتخاذ قراره"، وتؤكد أنه على ضوء هذه الاتصالات وإذا ما توصل إلى قرار، سيتوجه إلى اللبنانيين للإعلان عنه. علماً أن المصادر لم تسقط خيار التعديل الوزاري المطروح، كما أن خيارات أخرى يجري التداول بها، لدرس ايجابيات وسلبيات أي طرح، ما يستغرق وقتاً في هذا الموضوع.

في حين أفادت معلومات بأن الرئيس اللبناني أنجز الرسالة التي سيوجّهها إلى اللبنانيين، من دون تحديد موعدها، وكشفت المصادر أن توجيه الرسالة سيكون رهن حركة "التيار الوطني الحر" في اتجاه الساحات.

تواصل الحريري مع المتظاهرين؟

على المقلب الحكومي، تابع رئيس الوزراء اجتماعاته، وركز اهتمامه على الوضعين النقدي والمصرفي مع كل من حاكم المصرف المركزي رياض سلامة ووفد من جمعية المصارف، لحث البنوك على القبول بالضريبة التي أقرت في الموازنة على أرباحها.

وبعيداً من الأضواء، علمت "اندبندت عربية" أن "هناك مساعي لفتح خطوط تواصل بين المتظاهرين ورئيس الحكومة، الذي أبلغ هؤلاء عبر وسطاء أنه يتبنى مطالبهم ويتفهمها، ولا يعارض استمرار ضغط الشارع من أجل مساعدته على تنفيذ ورقته الإصلاحية. وعُلم أن هذا التواصل بدأ يشق طريقه من خلال وسطاء من الجانبين".

الاشتراكي يحضر للاستقالة

في الموازاة، برزت حركة نواب "اللقاء الديمقراطي" في اتجاه السرايا الحكومية وعين التينة، مقر الرئاسة الثانية. وعُلم أن الوفد الذي ضم الوزيرين أكرم شهيب ووائل أبو فاعور، بحث مع كل من بري والحريري خيار الاستقالة من الحكومة، الذي يدرسه الحزب وبات على بعد خطوات من الإعلان عنه.

يذكر أن رئيس مجلس النواب نبيه بري كان أحال مشروع قانون موازنة العام 2020 والموازنات الملحقة إلى لجنة المال والموازنة النيابية، في خطوة ترمي إلى التأكيد على وضع مسار الموازنة على طريقه، والتحضير لعقد جلسة عامة لدرسها وإقرارها، إذا تبين أن هناك جدية وسرعة في إنجاز درس المشروع في اللجنة.

المزيد من العالم العربي