من الصندوق إلى الحكومة: كيف تحسم الانتخابات الإسرائيلية؟ 

في إسرائيل، لا يختار الناخب رئيس الوزراء، ولا يصوّت لمرشح فردي، وقد تفوز القائمة بأكبر عدد من المقاعد من دون أن تصل إلى الحكم.  

تبدأ الحكاية بورقة واحدة، لكن المعركة الحقيقية تبدأ بعد إغلاق الصناديق ولا تنتهي إلا عندما ينجح أحدهم في جمع 61 مقعداً. 

توضع الورقة في الصندوق خلال ثوانٍ... لكن تحويلها إلى حكومة قد يستغرق أسابيع من الحسابات والمفاوضات. 

ما الذي ينتخبه الإسرائيليون فعلياً؟ 

الشعب الإسرائيلي ينتخب الكنيست، الذراع التشريعية في الدولة، بمعنى آخر البرلمان، ويتألف الكنيست من 120 عضواً وتمتد ولايته أربعة أعوام، وفي حالات استثنائية، قد تمدد ولاية المجلس بغالبية مطلقة، أي بغالبية 61 صوتاً، ويمكن تقصير ولاية الكنيست وإجراء انتخابات باكرة إذا قرر المجلس حل نفسه بغالبية بسيطة، أو إذا نجحت الحكومة بفرض انتخابات باكرة وفق الأطر القانونية. 

ينص "قانون أساس: الكنيست" على ستة مبادئ عامة تجرى الانتخابات على أساسها: 

- انتخابات عامة: يحق لكل مواطن مستوف للشروط المشاركة في التصويت. 
- قُطرية: تعتبر الدولة دائرة انتخابية واحدة. 
- مباشرة: يختار الناخب قائمة المرشحين بصورة مباشرة من دون وسطاء. 
- متساوية: لكل ناخب صوت واحد ووزن تأثير متساوٍ في النتائج. 
- سرية: يجري الاقتراع في ظروف تضمن سرية خيار الناخب. 
- نسبية: يجري توزيع المقاعد على القوائم بنسبة الأصوات التي حصلت عليها. 

عملياً، يقوم النظام على قانون انتخابات نسبي في دائرة انتخابية واحدة على مستوى البلاد، يقترع فيه الناخبون لقوائم مغلقة وليس لمرشحين بحد ذاتهم. ويشترط القانون على القوائم تجاوز حد أدنى من الأصوات، هو 3.25 في المئة من الأصوات الصالحة، للحصول على مقاعد في الكنيست، أما القوائم التي تفشل في تجاوز هذه العتبة فتخرج من السباق. 

من يحق له التصويت والترشح؟ 

من لا يستطيع الترشح:  

- محكوم بالسجن الفعلي لأكثر من 3 أشهر، ولم ينقض بعد 7 أعوام على انتهاء تنفيذ العقوبة 
- مدان بجريمة إرهابية أو أمنية خطرة ومحكوم بالسجن لأكثر من 7 أعوام، ولم ينقضِ بعد 14 عاماً على انتهاء تنفيذ العقوبة 


بالإضافة إلى شاغلي المناصب الرسمية التالية:  

- رئيس الدولة 
- الحاخامان الرئيسان 
- القضاة  
- قضاة المحاكم الدينية 
- مراقب الدولة 
- رئيس هيئة الأركان 
- رجال الدين الذين يشغلون مناصب دينية محددة 
- بعض كبار موظفي الدولة وكبار ضباط الجيش 

القوائم وعملية التصويت 

  

قبل الانتخابات، على الناخب أن يتحقق من ورود اسمه في سجل الناخبين، ومن عنوان مركز الاقتراع المخصص له، والذي يحدد بناء على عنوانه المسجل في سجل السكان. 

في يوم الانتخابات، يتوجه إلى مركز الاقتراع المخصص له ومعه وثيقة تعريف صالحة، وهناك تتحقق لجنة المركز من هويته ووجود اسمه في سجل الناخبين، ثم يتسلّم ظرف الاقتراع ويدخل منفرداً خلف الستار، بما يضمن سرية التصويت.  

يختار ورقة القائمة التي اختار التصويت لها، يضعها داخل الظرف ويغلقه. يخرج من خلف الستار ويضع الظرف في صندوق الاقتراع، وبذلك ينتهي دوره.  

يشار إلى أن إسرائيل لا تتيح التصويت لمن هم خارج البلاد، ولا التصويت عبر البريد، بل يجب على الناخب التصويت شخصياً داخل البلاد، باستثناء فئات محددة من العاملين الرسميين في الخارج، الذين يصوتون في البعثات الدبلوماسية.  

 

كيف تصنع القوائم؟  

في الصندوق، يقترع الناخب لقائمة مغلقة تضم مجموعة مرشحين وليس لمرشح واحد، لكن من يصنع القوائم وكيف تدرج أسماء المرشحين فيها؟ 

الأحزاب المسجلة رسمياً هي من يحق لها خوض الانتخابات، وهي من تشكل القوائم، فيمكن لحزب ما أن يؤلف قائمة منفردة يخوض عبرها الانتخابات بمرشحيه حصراً، أو يمكن لحزبين أو أكثر التحالف وتشكيل قائمة انتخابية مشتركة. 

أما ترتيب أسماء المرشحين في القائمة، وهو مسألة بالغة الأهمية، إذ يحدد هوية الفائزين عن كل قائمة، فيعود أيضاً للأحزاب نفسها أن تضعه، فتسجل قوائمها بالتسلسل الذي تريده قبل عملية الاقتراع، وبعض الأحزاب تحدد المرشحين وترتيبهم عبر انتخابات تمهيدية، وبعضها عبر مؤسسات الحزب، بينما يعود الأمر في أحزاب أخرى للقيادة العليا مباشرة.  

ولا يوجد عدد محدد لعدد المرشحين في القوائم، إذ يختلف العدد بين القوائم، فبعض الأحزاب الرئيسة أو التحالفات الكبيرة، مثل "الليكود" و"العمل"، تقدم قوائم تضم 120 مرشحاً، وأخرى قد تشكل قوائم بأعداد أقل، فيما قد تشكل الأحزاب الصغرى قوائم لا تتجاوز 10 مرشحين، ويحظر القانون الإسرائيلي على القائمة انتخابية أن تخوض الانتخابات إذا كانت تعمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ضد وجود دولة إسرائيل بوصفها دولة الشعب اليهودي، أو ضد طابعها الديمقراطي، أو إذا كانت تحرّض على العنصرية، وكل ذلك يجري تحت إشراف وإدارة لجنة الانتخابات المركزية، التي تتولى تنظيم إدارة العملية الانتخابية.  

كيف تُوزع المقاعد؟ 

في النظام النسبي، كل صوت مهم، لكن أصوات قائمة كاملة قد تستبعد من توزيع المقاعد إذا توقفت قبل العتبة بقليل. 

العتبة الانتخابية  

يحدد القانون الإسرائيلي حداً أدنى من الأصوات، يجب على القائمة تأمينها للفوز بمقاعد في الكنيست، والنسبة حالياً هي 3.25 في المئة من الأصوات الصحيحة، والقوائم التي تنجح في تجاوز هذه العتبة الانتخابية، تنتقل إلى مرحلة توزيع المقاعد، أما تلك التي تفشل في ذلك، فتستبعد مع أصواتها من العملية الحسابية. 

توزيع المقاعد

بعد استبعاد القوائم التي لم تتجاوز العتبة، تجمع الأصوات الصحيحة للقوائم المؤهلة ويقسم مجموعها على 120، عدد مقاعد الكنيست، للحصول على المقياس العام لكل مقعد، أو ما يعرف بالحاصل الانتخابي، ثم تقسم أصوات كل قائمة على هذا الحاصل، لتحديد عدد المقاعد التي فازت بها.

وحتى الأصوات التي لا تكفي لانتزاع مقعد كامل، نتيجة الكسور في القسمة، قد تؤثر في النتيجة النهائية، فالمقاعد التي تبقى غير موزعة تمنح بموجب طريقة "بدر–عوفر" التي تقارن بين القوائم بقسمة أصوات كل قائمة على عدد مقاعدها، مضافاً إليه مقعد واحد، ثم تمنح المقعد للقائمة صاحبة المعدل الأعلى، وكذلك يتيح القانون لقائمتين إبرام اتفاق فائض أصوات قبل الانتخابات، لتعزيز فرصهما في الحصول على المقاعد الباقية، وعند توزيع هذه المقاعد، تُحتسب أصوات القائمتين ومقاعدهما معاً كما لو كانتا قائمة واحدة، وإذا حصلتا على مقعد إضافي، يحدد أي منهما تفوز به من خلال مقارنة المعدل الانتخابي لكل منهما وفق طريقة "بدر–عوفر".

أما تحديد المرشحين الفائزين عن كل قائمة، فيجري وفق ترتيب ورود أسمائهم في القائمة، وإذا توفي أحد أعضاء الكنيست أو استقال من عضويته، لأي سبب، فيحل محله المرشح التالي في ترتيب القائمة.

تشكيل الحكومة 

- إعلان النتائج الرسمية:  

تنتهي العملية الانتخابية بفرز كنيست جديد، لكن حصول قائمة على العدد الأكبر من المقاعد لا يعني تلقائياً أن زعيمها سيتولى رئاسة الحكومة، إذ تتوقف النتيجة على قدرته على تشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست. 

مشاورات رئيس الدولة:  

يُجري الرئيس مشاورات مع ممثلي الكتل البرلمانية، أو مع ممثلي القوائم المنتخبة إذا لم يكن الكنيست الجديد قد انعقد بعد، وتوصي كل كتلة بعضو في الكنيست لتولي مهمة تشكيل الحكومة. 

تكليف عضو في الكنيست:  

بعد المشاورات، يكلّف الرئيس أحد أعضاء الكنيست، بعد موافقته، مهمة تشكيل الحكومة، ولا يُلزم القانون الرئيس بتكليف زعيم القائمة الأكبر، أو صاحب أكبر عدد من التوصيات، لذلك تتوقف التسمية على موازين القوى والتحالفات، وفرص تشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست، وقد تؤدي الأحزاب الصغيرة دوراً حاسماً في تحديد هوية رئيس الحكومة المقبل.

مفاوضات التأليف:  

يبدأ عضو الكنيست المكلف مفاوضات ائتلافية مع الأحزاب، تتناول عادة برنامج الحكومة، وتوزيع الحقائب والصلاحيات، والسياسات العامة والاقتصادية، والقضايا الخلافية، ويملك المُكلف الأول 28 يوماً لتشكيل الحكومة، قابلة للتمديد 14 يوماً، ثم يمكن تكليف عضو ثانٍ مدة 28 يوماً، وإذا استمر الإخفاق تُمنح غالبية من 61 نائباً مهلة 21 يوماً لترشيح مُكلف أخير، تكون أمامه مهلة 14 يوماً، وإذا فشل يُحل الكنيست وتتجه البلاد إلى انتخابات جديدة، مع استمرار الحكومة القائمة في أداء مهماتها. 

عرض الحكومة ونيل الثقة الكنيست:  

إذا نجح المكلف في تشكيل الحكومة، يبلغ رئيس الدولة ورئيس الكنيست بذلك، ويحدد رئيس الكنيست جلسة خلال سبعة أيام، وتعرض الحكومة أمام الكنيست تشكيلتها، وخطوطها السياسية العامة، وتوزيع الحقائب والصلاحيات بين الوزراء، ثم تطلب ثقته، وتصبح الحكومة قائمة فور منحها الثقة، ويتولى الوزراء مناصبهم، ثم يقدم رئيس الحكومة والوزراء تصريح الولاء أمام الكنيست.  

 

انتخابات 2026 

يستعد نحو 7 ملايين إسرائيلي للتوجه إلى صناديق الاقتراع في الـ 27 من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، وذلك للمرة الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، وستؤدي الانتخابات إلى تشكيل الكنيست الـ26 منذ إنشاء دولة إسرائيل، وتعد بمثابة استفتاء على رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتشددة، وطريقة تعاملهما مع الهجوم الذي تسبّب بحرب مدمرة امتدت من غزة إلى لبنان ثم إيران. 

أحزاب أخرى:  

لا يُتوقع، وفقاً لاستطلاعات الرأي، أن تتمكن القوائم الأخرى المشاركة من تجاوز العتبة الانتخابية.  

 

قضايا محورية 

بحسب استطلاعات الرأي، وحتى كتابة هذه السطور، يبدو أن نتائج الانتخابات ستكون متقاربة، ويتنافس فيها بصورة أساس رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكل من رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، ورئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، أما أبرز الملفات التي تشكل محور الحملات الانتخابية للمرشحين، فهي: 

المساءلة عن "هجوم 7 أكتوبر":  

تسبب الهجوم بصدمة وطنية عميقة لا تزال تداعياتها ظاهرة في البلاد، وطالب كثير من الإسرائيليين بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، للنظر في أسباب الإخفاقات التي سبقت الهجوم، وتقول أحزاب المعارضة إنها ستجعل من تشكيل هذه اللجنة أولويتها القصوى حال وصولها الى  السلطة، فيما ترفض حكومة نتنياهو هذا المقترح، وتحمّل المؤسسة الأمنية مسؤولية الإخفاق، وتقترح بدلاً من لجنة وطنية مستقلة، تشكيل لجنة تحقيق مشتركة يعيّن السياسيون أعضاءها.  

إستراتيجية الأمن المستقبلية:  

على مدى عقود، استندت العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى ثلاثة مبادئ رئيسة: قوة الاستخبارات، والردع، وخوض حروب قصيرة. لكن ذلك تغيّر بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، ودخلت الحكومة في حملات عسكرية طويلة الأمد من غزة إلى الضفة الغربية ولبنان وسوريا، وصولاً إلى المواجهة مع إيران، وتثير هذه العقيدة الجديدة تساؤلات حول قدرة الدولة على الإبقاء على قواتها العسكرية في حال تعبئة على جبهات عدة في الوقت نفسه، ولا سيما أن هذه الحملات أثرت سلبا في سمعة إسرائيل التي واجهت انتقادات متزايدة على الساحة الدولية. 

الدين والهوية والتجنيد الإجباري:  

في ظل نقص عدد الجيش الإسرائيلي، تطور الجدل حول إعفاء "اليهود الحريديم" من الخدمة العسكرية، ليصبح نقاشا أوسع في شأن هوية إسرائيل وطبيعة الدولة، إذ تسعى الأحزاب المتشددة دينيا إلى الإبقاء على الإعفاءات التي تسمح لطلاب المعاهد الدينية بعدم أداء الخدمة العسكرية، فيما تؤيد معظم أحزاب المعارضة وضع حد لهذه الإعفاءات، بالتزامن تتصاعد الخلافات حول تعزيز الطابع اليهودي لإسرائيل، والنفوذ الديني في الحياة العامة. 

ارتفاع كُلف المعيشة: 

يشكل الاقتصاد مصدر قلق رئيس لكثير من الناخبين، فيما يواجه الإسرائيليون واحدة من أعلى كُلف المعيشة في العالم، فيما فاقمت الحروب الوضع، فمنذ عام 2023، تضاعفت موازنة الدفاع الإسرائيلية، مما زاد الضغوط على المالية العامة، وجعل تحقيق التوازن بين الإنفاق الأمني والحاجات الداخلية أحد أبرز القضايا التي تشغل الناخبين.

معركة محتدمة 

تدور المنافسة بين معسكرين رئيسين: تحالف اليمين والحريديم بقيادة بنيامين نتنياهو، ومعسكر المعارضة الذي تتصدره قوى غادي آيزنكوت وتحالف نفتالي بينيت ويائير لبيد. 

تلتف أحزاب اليمين والأحزاب الدينية والحريدية حول قيادة بنيامين نتنياهو، على رغم اختلافاتها في ملفات مثل التجنيد، والموازنة، والسياسات الدينية، وتوزيع الحقائب. وفيما يجمعها السعي إلى تشكيل ائتلاف حكومي بقيادته، فإنها تخوض الاستحقاق في قوائم منفصلة أو تحالفات جزئية، على أن تتفاوض لاحقاً على تشكيل الحكومة. وتشكل القوائم القريبة من نسبة الحسم نقطة ضعف لهذا المعسكر، لأن سقوط أي منها قد يؤدي إلى استبعاد أصواتها من توزيع المقاعد وتقليص حصة المعسكر في الكنيست.  

في المقابل، اجتمعت خمس قوى حزبية معارضة على هدف مشترك: إسقاط نتنياهو وتشكيل حكومة بديلة. وعلى رغم اختلاف مواقعها الأيديولوجية ومواقفها السياسية، توصل قادتها إلى اتفاق لتنسيق جهودهم ضمن "كتلة التغيير"، والتعاون بعد الانتخابات لتشكيل حكومة التغيير. غير أن هذا المعسكر لا يخوض الانتخابات في قائمة موحدة، بل في قوائم منفصلة، باستثناء تحالف "بياحد" الذي جمع حزبي بينيت ولبيد في قائمة مشتركة.  

حتى اللحظة، تبدو المنافسة مفتوحة على كل الاحتمالات، إذ لا يملك أي من المعسكرين حتى الآن طريقاً مضموناً إلى غالبية برلمانية، وقد يحتاج الفائز إلى عقد تسويات مع قوى أخرى لتشكيل ائتلاف حكومي. وفيما تظهر استطلاعات الرأي تقارباً كبيراً بين المعسكرين، قد تتحول القوائم الصغيرة إلى بيضة القبان إذا نجحت في تجاوز نسبة الحسم، فيما قد يؤدي سقوطها دون العتبة إلى استبعاد أصواتها وإعادة توزيع المقاعد لمصلحة القوائم المؤهلة. أما القوائم العربية، فقد ترجح النتيجة حسابياً، لكن قدرتها على تحويل مقاعدها إلى نفوذ حكومي ستظل مرتبطة باستعداد قوى من المعسكر المناهض لنتنياهو للتعاون معها، سواء عبر المشاركة في الحكومة أو دعمها من خارج الائتلاف. 

كتابة وإعداد
إيليانا داغر

التنفيذ والغرافيك
مريم الرويغ

رئيس التحرير
عضوان الأحمري