رحلة محفوفة بالتظاهرات شمال بيروت

البترون مدينة جبران باسيل مواظبة على احتجاجها السلمي والزوق تُسقط الشتائم من شعاراتها

قطع المحتجون اللبنانيون طرقاً عديدة لشل الحركة في البلاد (غيتي)

لليوم السادس على التوالي، استيقظ اللبنانيون على السؤال نفسه: أما زالت الطرقات مقطوعة والاحتجاجات مستمرة؟ والإجابة حتى الساعة واحدة: المعتصمون مستمرون بتحركاتهم وبشلّ البلد "حتى إسقاط الحكومة"، التي فشلت في إقناعهم بورقتها الإصلاحية.

الأوتوستراد الممتد على طول الساحل اللبناني بات عبارة عن وصلات متقطّعة وشبه خالية، خصوصاً ما بين الشمال وبيروت، وازدحمت بفعل ذلك الطرقات "البحرية" والداخلية. وقد تكون آليات الجيش اللبناني الأكثر تحركاً وتنقلاً حالياً، إذ يمكن مصادفتها في أي منطقة لبنانية.

وفي جولة ميدانية على عدد من محطّات الاحتجاج الأساسية، تظهر بوضوح آثار الاعتصام المستمرّ منذ مساء الخميس 17 أكتوبر (تشرين الأول)، والذي أجبر المصارف والمدارس والجامعات وعدداً كبيراً من المؤسسات التجارية والشركات على الإقفال حتى اليوم الثلاثاء. فبقايا الإطارات المشتعلة منتشرة على جوانب الطرقات، والنفايات تراكمت حول عدد من الحاويات لعدم القدرة على الوصول إليها لإزالتها.

"البترون تنتفض"

في البترون شمالاً، الاحتجاجات سلمية وقطع الأوتستراد مستمرّ بالسيارات والخيم وتجمّع المتظاهرين، مع تسهيل مرور تام في حالات استثنائية تشمل عناصر القوى الأمنية والدفاع المدني والصليب الأحمر والصحافة والطواقم الطبية.

وأكّد أحد الشبان المشرفين على تنظيم الاعتصام والذين ارتدوا سترات صفراء أنهم مستمرّون في تحرّكاتهم "حتى إسقاط الحكومة وتأليف أخرى من اختصاصيين" بعيداً عن المحاصصة والطائفية. ويعترف الشاب، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، أنه ينتمي لحزب القوات اللبنانية، الذي استقال وزراؤه الأربعة من الحكومة، ولكن يؤكّد في الوقت ذاته أنه نزل إلى التظاهرة بمبادرة فردية قبل دعوة حزبه إلى المشاركة في التظاهرات. وقال "نزلنا بلبنانيّتنا... يحاول البعض تسييس تحرّكنا في البترون، لأن جبران باسيل (وزير الخارجية ورئيس التيار الوطني الحر) من هذه المنطقة، غير أن الواقع مغاير لذلك، فالناس ضاقت بالأحوال ذرعاً... الاحتجاجات ضدّ الحكومة والسياسات الضريبية وليست ضدّ رئيس الجمهورية (ميشال عون) الذي سيبقى في منصبه مهما كان شكل الحكومة". أضاف "من بقي في السلطة 30 عاماً لن يغيّر الأمور في ثلاثة أيام".

استدعاءات لتسليم بطاقات الانتساب للتيار

وقال الشاب، وهو ابن منطقة البترون، إن عدداً من المنتمين للتيار الوطني الحر، فريق رئيس الجمهورية، يعمدون إلى مراقبة نقطة الاحتجاج ويرصدون مشاركة أي من المنتسبين للتيار في الاعتصام، ليتّصلوا بهم ويطلبوا منهم تسليم بطاقاتهم.

وأكّد محتج، رفض الكشف عن اسمه لأنه موظّف في إحدى الوزارات، أن السبب الأساسي وراء التظاهرات هو "الجوع" الذي طال اللبنانيين، قائلاً إنه أبلغ ابنه الذي هاجر إلى فرنسا "لا أريد رؤيتك في لبنان... أيوجد أصعب من ذلك؟". وأضاف "لماذا تظهر الورقة الإصلاحية الآن... كيف وصلوا إلى عجز صفر؟... لا حلّ أمام هذه الحكومة سوى الاستقالة، علماً أن القرار خارج يد سعد الحريري (رئيس الحكومة) الذي يُمارس عليه ضغط داخلي وخارجي".

 

"سفر" من جبيل إلى الزوق 

وفي جبيل، الأتوستراد مقطوع بالسواتر الترابية والمحتجون يلازمون الخيام التي نصبوها في المكان. ويقول شاب يعمل مع أحد أصدقائه في بيع الأراكيل للمتظاهرين في المكان إنهم يبيعون يومياً حوالى 200 أركيلة، ما بين الساعة التاسعة صباحاً وحتى الثالثة فجراً، مضيفاً أن الازدحام يشتدّ بدءاً من ساعات العصر.

أمّا العبور من جبيل إلى زوق مصبح في كسروان، فيشبه رحلة سفر منهكة وسط زحمة خانقة، إذ يستغرق حوالى الساعتين على الأقل بينما لا يحتاج في الأيام العادية سوى نصف ساعة. ويعود ذلك إلى قطع الأوتوستراد في مناطق عدة بينهما، منها العقيبة والبوار والصفرا وغزير.

الزوق تسقط الشتائم من شعاراتها

في زوق مصبح، نظّف عمال تابعون لبلدية المنطقة الطريق من رواسب الإطارات المشتعلة باستخدام المياه، قبل أن يبدأ المحتجون بالتوافد. كما عمدت شركة إلى تثبيت شاشة كبيرة في المكان عرضت العلم اللبناني، وذلك بمبادرة فردية وفق ما يؤكد أحد موظفي الشركة.

المشهد في هذا المكان لا يزال على حاله. المحتجون يرددون شعارات مطالبة بإسقاط الحكومة والنظام و"كلن يعن كلن" و"يا ثورة قومي قومي بدنا نسقّط الحكومة"، وذلك على وقع الأغاني والأناشيد الوطنية ورفرفة الأعلام. وبناء على طلب منظمي التجمّع، توقّف المتظاهرون عن ترداد الشعارات التي تحتوي شتائم بحق السياسيين.

هل من تمويل خارجي؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رأى المواطن سايد عقل، الذي شارك في احتجاجات الزوق، أن المطلوب هو التغيير إن عبر "تأليف حكومة اختصاصيين أو أقله عبر استبدال مجموعة من الوزراء الموجودين في الحكومة الحالية". وسخرت ثلاث نساء في عقدهن الرابع ممّا يُشاع عن تمويل خارجي للتظاهرات، وقالت إحداهن "أين التمويل؟ الناس تشتري طعامها ومياهها من أموالها وتشارك في الاحتجاجات من تلقاء نفسها".

وأضافت "لم يعد بإمكاننا السكوت وتصديق وعودهم (السياسيين)، نالوا فرصاً كثيرة ولم يحققوا شيئاً. الشباب يتعلمون ولا يجدون الوظائف، وإن وجدوها كان الراتب قليلاً جداً فيسافرون إلى الخارج. المسألة باتت بحاجة إلى حل جذري".

ووصفت أخرى ما يحصل بـ"ثورة الشباب" الذين "أدركوا أن مستقبلهم في هذا البلد يُسرق".

المزيد من العالم العربي