مصر بين إعلام محلي "موجّه" وغربي "متحيز"... والتسييس يؤجج الأزمة

خبير: هناك سذاجة في التعاطي مع الملف الحقوقي بالمنطقة... وبعض الغرب يتعامل معه ككتاب سماويّ

مبنى التلفزيون المصري "ماسبيرو" في قلب القاهرة (التواصل الاجتماعي)

معركة مكتومة تدور رحاها منذ سنوات، تشتدّ حيناً وتخمد أحياناً، لكنها لا تنطفئ. يفسرها البعض بأنها اختلاف في وجهات النظر، أو خلاف في الأيديولوجيات، أو صراع على أولويات، أو فروق في المدارس والنظريات، أو ثقافات متضاربة لا مجال للالتقاء أو الائتلاف فيها. ويراها البعض الآخر سمة من سمات صراعات القوى ومشاحنات الأمم ومحاولات لا تهدأ أو تفتر لاستلاب العقول بغية تحقيق المصالح. 

مصالح الإعلام نظرياً هي مصالح المتلقين. إخبار، إعلام، تثقيف، توعية، تحليل، شرح، تفنيد، ولا يخلو الأمر من إقناع وتوجيه، حتى لو كان ذلك بأسلوب غير مباشر. ولأن الإعلام تطور وتغير وتبدل وتحدّث عشرات المرات خلال القرون الماضية، فإن الأمر لم يعد مقتصراً على الإخبار والتثقيف والتوجيه من قبل الوسيلة الإعلامية لمتلقيها المحلي فقط، لكنه أصبح يتسع لإخبار وتثقيف وتوجيه سكان الكوكب برمته.

اهتمام غربي بالجانب العربي

الجانب العربي من الكوكب يحظى باهتمام إعلامي هائل. وسنوات ما بعد هبوب رياح الربيع العاصفة شهدت وما زالت اهتماماً غير مسبوق بالمنطقة من مشارق الأرض ومغاربها.

مغارب الأرض تتمتع بمنصات لا حصر لها، والعديد منها يصبّ جانباً لا يستهان به من اهتمامه فينا.

قبل هبوب رياح الربيع العاصفة، كان البعض في المنطقة العربية يشكو من ازدواج معايير الديموقراطية والحقوقية والشفافية -عقيدة الإعلام الغربي المعروفة والمعلنة- حين يتعلق الأمر بالصراع العربي الإسرائيلي، أو القضية الفلسطينية. فعلى مدار ما يزيد على ستة عقود، ظل الإعلام الغربي -بدرجات متفاوتة- منحازاً للجانب الإسرائيلي في الصراع، تارة بفجاجة مباشرة، وأخرى بطريقة هادئة تبدو موضوعية، لكنها تبقى أبعد ما يكون عنها.

في حوار منشور في جريدة "البيان" الإماراتية في عام 2009، قال الكاتب الصحافي المصري، مجدي الدقاق (وكان وقتها عضو أمانة السياسات في الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم) إن "الغرب ينظر إلينا بمنظارين، الأول مصالحه، إذ تحركه أهدافه التي تحقق مصالحه وأهداف مجتمعه، وهذا حقه، لكن يجب أن نتعامل معه بالمنطق نفسه لنراعي ونسعى وراء تحقيق مصالحنا. والثاني أنه يتعامل معنا بما يراه هو وما يريده لنا، وليس ما نريده".

الحكم الديني

وما أراده الجانب الأكبر من المصريين أثناء عام من حكم جماعة الإخوان المسلمين (2012-2013) كان التخلص من الحكم الديني، وهي الإرادة التي تعارضت مع منظوري الغرب، اللذين ذكرهما الدقاق في حواره قبل سنوات.

وطيلة سنوات ما بعد انقلاب الإرادة المصرية على حكم الجماعة، والتغطيات الخاصة بمصر في العديد من وسائل الإعلام الغربية تتعامل مع ما جرى في مصر باعتباره "انقلاباً عسكرياً أطاح أول رئيس مدني منتخب أتت به الصناديق"، وهو التعامل الذي خفّت حدته قليلاً، ولم يختفِ كلية، مع تنشيط الوجود المصري على ساحة السياسة الخارجية. لكنه يعود وبقوة، في كل مرة يقرر فيها ساسة دول الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأميركية أو روسيا أن يضغطوا على مصر هنا أو هناك.

الغرب والإسلام السياسي

يقول الباحث في شؤون الإعلام السياسي، الدكتور حمزة سليمان، إن "الإسلام السياسي -متمثلاً في جماعة الإخوان المسلمين- ما زال يُنظر له من قبل جهات عدة في الغرب باعتباره فصيلاً وطنياً وحزباً سلمياً وكياناً وسطياً. وسواء كان ذلك ناجماً عن قناعات سياسية أو مصالح دولية أو ضغوط أو ما شابه، فإن النتيجة تظل واحدة. وهناك صحف ومواقع وقنوات أميركية وبريطانية وألمانية عديدة ما زالت تلفّ وتدور حول (الانقلاب) و(الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي) و(جماعة الإخوان الفصيل الوطني) وغيرها".

ويضيف أن "الكثير من هذه المؤسسات الإعلامية عريق ويحمل أسماء لها باع طويل في مجال العمل الإعلامي المهني، والذي كنا نظنه موضوعياً. لكن هذه الموضوعية تضاءلت تحت وطأتين: الأولى أن الكثير من الدول الغربية يتمسك بالتعريفات السياسية الواردة في كتب ومراجع العلوم السياسية، فيما يختص بتعريفات السياسات التي تتخذها دول العالم. والثانية أن البعض من هذه المنصات الإعلامية الغربية مقيد هو الآخر بأجندات مصالح بلادها، والتي قد تكون متناقضة مع مصالح دول عدة في المنطقة العربية، ومن بينها مصر".

تغطيات مسيسة

مصر تحتل مكانة بارزة بصفة شبه يومية في وسائل إعلام غربية عدة تصدر بلغاتها الأم، بالإضافة إلى العربية والإنجليزية، وربما كذلك الفرنسية والألمانية وغيرها.

يقول أستاذ الإعلام الاجتماعي السياسي، الدكتور سعيد صادق، إن سنوات ما بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 شهدت تغطيات بالغة التسييس للأحداث في مصر. هذه التغطية المسيسة كانت صدمة لكثيرين ممن كانوا ينظرون لهذه المنصات الإعلامية باعتبارها نموذجاً يحتذى في المهنية والموضوعية، وعدم فتح الباب أمام ترجيح توجه سياسي أو أيديولوجيا على حساب أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول صادق إن "الكثير من التيارات اليسارية في أوروبا تيارات ساذجة، تريد الديموقراطية حتى وإن أدت إلى ترجيح كفة تيارات لا تتوانى عن ذبح المعارضين. الغرب وصل إلى الأشكال الحالية من الديموقراطية بعد سنوات عدة من التجارب والخبرات. لكنه معنا لا يريد أن ينتظر ويريد تطبيق الديموقراطية بمعاييره بين ليلة وضحاها، وإن أخفقت يتعامل مع الدول باعتبارها فاشلة لأنها لم تحقق نموذجه".

ويضرب صادق نموذجاً بمحاولات عزل الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وهي المحاولات التي يسهم فيها جانب كبير من الإعلام المناهض لسياسات ترمب بشكل واضح وصريح. ويقول إن "عزل الرئيس في أميركا ممكن لأن المؤسسات الأميركية قادرة على ذلك، ولأن الإعلام هناك مستقل عن الدولة وراسمي السياسات. كما أن للرئيس نائباً. أما في دولنا، فإن التركيبة تختلف شكلاً وموضوعاً، ويكفي أن البرلمان عندنا يكاد يكون ميتاً، لذلك ليس من المنطقي أبداً أن يطالبونا وعلى وجه السرعة بأن نسير على نهجهم السياسي والإعلامي، وكأنه الأصلح لنا".

الإعلام المصري وما عليه

النهج الإعلامي المصري هو الآخر أبعد ما يكون عن أفضل حالاته. فالتضييق على الرأي والرأي الآخر، وهيمنة توجهات الدولة فقط على الإعلام المسموع والمقروء والمرئي، بالإضافة إلى حجب عدد من المواقع مثل "بي بي سي" و"الحرة"، أغضب كثيرين في مصر ممن يؤمنون بالحريات الإعلامية وضرورة الاطلاع على كل الآراء والتوجهات. الغريب أنه لم تصدر أية بيانات أو تصريحات رسمية في شأن الحجب الذي تزامن مع موجة فيديوهات "المقاول الفنان" محمد علي قبل ما يزيد على شهر.

رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الكاتب الصحافي المخضرم مكرم محمد أحمد، كان قد "رجّح" ذلك قبل حجب السلطات المصرية بعض المواقع الإخبارية فعليا، لكنه أشار إلى أن المجلس لم يُخطر رسميا بأسماء المواقع المحجوبة. في الوقت نفسه قالت شبكة "نت بلوكس"، المتخصصة في مراقبة أنشطة الإنترنت، إنها رصدت تعطلاً لمواقع إخبارية في مصر، بينها موقع "بي بي سي" و"الحرة".

"بي بي سي" والحياد

من جهتها، تقول مديرة مكتب "بي بي سي" العربية في مصر، صفاء فيصل، إن "(بي بي سي) تقوم بالتغطيات الإخبارية في جميع أنحاء العالم، وبينها مصر، وتتمتع بسمعة متميزة فيما يتعلق بالمصداقية بين جميع القنوات الإخبارية العالمية، ويرجع ذلك إلى أنها تبذل قصارى جهدها من أجل تقديم كافة وجهات النظر في أي من القضايا المطروحة على الساحة الإخبارية".

ورداً على ما يوجه لـ"بي بي سي" كثيراً من انتقادات حول ميل تفضيليّ لأخبار الثورات والتظاهرات ومحاولات إسقاط الأنظمة والإفراط في نعت ما جرى في مصر مثلاً في 30 يونيو (حزيران) عام 2013 باعتباره "انقلاباً عسكرياً" وليس رغبة شعبية وغيرها، قالت "لدى (بي بي سي) سياسة تحريرية ثابتة فيما يتعلق بالحيادية. هذه السياسة يلتزمها جميع من يعمل معها، بمن فيهم المراسلون. والتزام هذه السياسات التحريرية هو نفسه الذي يملي علينا استخدام ألفاظ وتوصيفات معينة في تحرير القصص الإخبارية". وتؤكد "نحن مستمرون وملتزمون تغطية الأحداث في مصر بشكل دقيق ومحايد".

الحجب ليس الحل

وكما أن الحجب والمنع ليسا الحل، فإن فتح الأبواب على مصاريعها دون تدقيق أو تفنيد أو توضيح ليس أيضاً الحل الأمثل، فما يبدو في ظاهره أحياناً باعتباره تداولا حرا للمعلومات، وحرية إعلامية في الآراء، وعرضا صادقا للرأي والرأي الآخر، يحتمل أن يكون ترويجاً لأنصاف حقائق، أو فرضاً لتصورات أحادية عما ينبغي أن يكون في هذه الدولة أو تلك دون التفات لرغبات واختيارات شعوب هذه الدول.

تحت عنوان "الولايات المتحدة جعلت المعلومات حرة والتلاعب الغربي ممكناً: كيف أعد البث غير المقيد الساحة للتضليل الزائد"، نشرت "فورين بوليسي" يوم 18 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي مقالاً للكاتبة ديانا لمبرغ، جاء فيه أن "مبدأ الانسياب الحر للمعلومات لم يكن يوماً يتمتع بالحياد السياسي. وإذا كان فتح المجال الإعلامي في دولة ما أمام حرية المعلومات العابرة للحدود يضمن حماية الشعب من مغبة الرقابة المحلية الثقيلة، فإن ذلك يتم على حساب ترك هذه الدولة وشعبها أكثر عرضة للتضليل الخارجي والرياح الأيديولوجية المعاكسة التي تجتاح العالم. ويبدو أن الولايات المتحدة الأميركية لم تتعلم الدرس إلا أخيراً، وذلك حين قامت قوى أجنبية بزرع مصالحها في النقاش المحلي الأميركي قبيل الانتخابات الرئاسية في عام 2016".

يوتوبيا الحقوق

يقول الدكتور سعيد صادق إن العديد من وسائل الإعلام الغربية يعتنق مبادئ وتوجهات يعتبرها غير قابلة للتغيير أو التعديل. ويضيف "هناك سذاجة في التعامل مثلاً مع حقوق الإنسان وكأننا نعيش في (يوتوبيا) حقوقية. جانب من الإعلام الغربي يتعامل مع الملف الحقوقي على الكوكب باعتباره كتاباً سماوياً غير قابل للتعديل أو التغيير أو النظر إلى الاختلافات الثقافية والفروق بين الدول وبعضها. هو يفرض تفسيراً أحادياً لمفهوم الحقوق، ولا يقبل أي نقد أو رفض لها، حتى لو كان نابعاً من الشعوب نفسها".

ويتابع "البعض من وسائل الإعلام الغربية يعتبر الثورة - أي ثورة- غاية المنى والأمل دون النظر إلى ما قد ينجم عنها من خراب مزمن ودمار شامل وتفتيت للدول. البعض لا يلقي بالاً للفروق بين الشعوب. وعلى الجانب الآخر، فإن الدول التي شهدت ما يسمى بالربيع العربي في حال لا تحسد عليه. فالثورة مدمرة، والإسلام السياسي حاضر دائماً للقفز على الانتفاضات، وطبيعة الأنظمة تقاوم الحلول التي تقي الجميع شرور الفوضى. سوء إدارة وغياب للمحاسبة وبطالة مستمرة وفقر، وهو ما ينتج عنه دوائر مفرغة من الانتفاضات الغاضبة والقفزات الإسلامية والفوضى العارمة".

ويصف صادق اللجوء إلى حجب المواقع باعتباره رد فعل منطقي لغير القادرين على التعامل الإعلامي المحترف!

هيمنة الخطاب الأحادي

يشار إلى أن أصواتاً عدة في مصر تعبّر دون مجاهرة عن رفض للمشهد الإعلامي الحالي، حيث سيطرة غير المتمكنين إعلامياً، وهيمنة خطاب أحادي موجه وشديد المباشرة، وتركيز على الإيجابيات فقط، وعدم تطرق من قريب أو بعيد لعدد من الموضوعات المصنفة باعتبارها "غير مسموح بتداولها أو مناقشتها".

يقول صادق إن المواطن المصري يُترَك في نهاية المطاف إلى إعلام وطني أحادي، أو إخواني يهدف إلى الانتقام ويحلم بالعودة إلى سدة الحكم، أو مواقع تواصل اجتماعي فيها فوضى عارمة، وأجنبي صاحب أجندات وتوجهات تخدم مصالح دوله.

ويتساءل صادق "أين خلايا الأزمات في مصر للتعامل مع الأزمات وموجات الهجوم التي تستخدم منصات الإعلام التقليدي والجديد بكل حرفية؟ أين التخطيط الإعلامي المصري للتعامل مع استراتيجيات مضادة يتم وضعها من قبل دول إقليمية معادية وأذرع مهنية تخاطب وزارات الخارجية تارة، وتكتب للدوريات والمجلات والصحف الغربية ذات الأسماء والمكانة المرموقة تارة أخرى؟ أين القناة التلفزيونية المصرية التي تخاطب العالم بلغاته وبمهنية، وليس فقط ترجمة ما نقوله في الإعلام الموجّه إلى الإنجليزية والفرنسية؟".

دولة في مواجهة منصة

يشار إلى أن الاحتكاكات الحالية والحرب المكتومة بين مصر وعدد من وسائل الإعلام الغربية ليست سابقة في المواجهات بين دول وكيانات إعلامية. فهناك، على سبيل المثال لا الحصر، المواجهة الضارية بين الولايات المتحدة الأميركية وقناة "الجزيرة" القطرية قبل نحو عقدين. وقتها كانت مواجهة صادمة، إذ بدأت بـ"شهر عسل" قصير بين الدولة والقناة، سرعان ما انتهى بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001. فـ"الجزيرة" قدّمت نفسها منذ تأسيسها في العام 1996 على أنها "عامل من عوامل التغيير في العالم العربي الذي تسوده قوى الجمود". أما الإدارة الأميركية فكانت عقدت العزم على "جلب الحرية لهذا الجانب من العالم (الدول العربية) بالقوة إن لزم الأمر، لإنهاء تهديد التطرف الإسلامي للولايات المتحدة الأميركية".

هذه العلاقة - كما يؤكد مدير مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون الأميركية، مايكل هدسون، في دراسة أجراها في عام 2005- ليست مجرد علاقة حب- كراهية. كما أنها لم تكن علاقة جامدة. ففي البداية، قوبلت "الجزيرة" بترحاب أميركي شديد. فهي مؤسسة على غرار النموذج العربي لـ"بي بي سي"، كما أنها كانت تستضيف إسرائيليين في برامجها.

شهر عسل قصير

لكن "شهر العسل" انتهى فجأة بعد أحداث 11 سبتمبر، والغزو الأميركي لأفغانستان، وتحديداً حين أذاعت المحطة شريط فيديو مصور لأسامة بن لادن. لقد هزّ الأميركيون رؤوسهم تأييداً وموافقة حين انتقدت "الجزيرة" الأنظمة العربية، بل إنهم شجبوا الحكومات العربية التي بدأت في مضايقة مسؤولي "الجزيرة". ولكن حين أظهرت المحطة أميركا من زاوية غير مرغوب فيها (أميركياً)، وحين بدأ معلقوها ينتقدون أميركا، لم يتحمل ذلك الرئيس الأسبق جورج بوش.

ووصل الأمر إلى درجة أن وزير الدفاع الأميركي، دونالد رامسفيلد، قال في أغسطس (آب) عام 2004 إن "التغطية الإعلامية للإعلام العربي، مثل (الجزيرة) و(العربية) أفسدت الكثير من المبادرات الأميركية في الشرق الأوسط".