تداولات حذرة في أسواق الذهب... وسط ترقب نتائج الهدنة التجارية الأميركية الصينية

مخاوف الانفصال البريطاني تدعم صعود الأسعار 0.3% كملاذ آمن في ظل ضبابية المشهد العالمي

أضافت الصناديق الاستثمارية نحو 368 طنا من الذهب لترتفع حيازتها إلى 2808 أطنان خلال الأشهر التسعة الأولى من 2019 (رويترز)

ارتفعت أسعار الذهب قبل اقتراع مهم للمشرعين البريطانيين بشأن اتفاق الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي ولكن توقعات إبرام اتفاق تجاري بين الولايات المتحدة والصين حدت من مكاسب المعدن الأصفر.  وصعد الذهب 0.3 بالمئة إلى 1487.98 دولار للأوقية (الأونصة). كما صعد الذهب في العقود الأميركية الآجلة 0.2 بالمئة إلى 1491.10 دولار للأوقية. بحسب ما أوردته " رويترز" اليوم الثلاثاء . وانخفضت السندات الحكومية لمنطقة اليورو اليوم قبل اقتراع برلماني مهم في بريطانيا يحدد ما إذا كانت بريطانيا ستغادر الاتحاد الاوروبي بموجب اتفاق في نهاية الشهر. وحد من مكاسب المعدن الاصفر التفاؤل الذي أفرزه الحديث عن تقدم في مفاوضات التجارة الصينية الأمريكية مما عزز الإقبال على الأصول المرتفعة المخاطر.

وقال له يو تشينغ نائب وزير الخارجية الصيني اليوم إن الصين والولايات المتحدة أحرزتا بعض التقدم في محادثاتهما التجارية. جاءت تصريحات له بعد يوم من حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التفاؤل بشأن إبرام اتفاق، بينما قال لاري كودلو مستشار البيت الأبيض إنه من الممكن سحب الرسوم المقررة على سلع صينية في شهر ديسمبر كانون الأول إذا مضت المحادثات على نحو جيد. وبالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى، ارتفعت الفضة 0.4 بالمئة إلى 17.64 دولار للأوقية، لتواصل مكاسبها للجلسة الخامسة على التوالي. وصعد البلاتين 0.2 بالمئة إلى 889.27 دولار وربح البلاديوم 0.1 بالمئة إلى 1760.01 دولار للأوقية.

    الاسواق تترقب

كما تترقب أسواق الذهب التفاعل مع المتغيرات المتسارعة بشأن الهدنة التجارية بين الولايات المتحدة والصين، أو مستقبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وذلك بعد الارتفاعات القياسية للمعدن الأصفر خلال الفترة الأخيرة.

وفي هذا الصدد، قال محللون ومتخصصون إن الإقبال على الذهب يأتي في وقت تخيّم الضبابية على مستقبل الاقتصاد العالمي، ويهرع فيه المستثمرون وبشدة إلى أسواق الأصول والملاذات الآمنة، ومع تكبد أسواق الأسهم خسائر قياسية، وسط توقعات بمزيد من الارتفاع خلال الفترة المقبلة.

والذهب كان الملاذ الآمن ومخزن القيمة ولا يزال على مر العصور، ويتجه إليه المتعاملون رغم عدم تحقيقه فوائد مالية، لأن هامش الخسارة يبقى أكثر انخفاضاً من معظم الأصول الأخرى، على عكس الاستثمار بالدولار الأميركي.

بوادر ارتفاع للأسعار

وفي هذا الصدد، قال أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع لدى "ساكسو بنك"، إن "أسعار الذهب شهدت تداولات جانبية لأكثر من شهرين، ووصلت إلى نحو 1500 دولار للأونصة (الأوقية). وتشير المستويات المنخفضة للارتفاعات إلى زخم متلاشٍ. ومع ذلك، يمكن أن يشير التكوين نفسه إلى ظهور بوادر ارتفاع للأسعار، والتي قد تستأنف تزايدها في حال نجحت بتخطي حاجز 1510 دولارات، ولن تتغير وجهة النظر المتفائلة على المدى البعيد بشأن الذهب لدى الكثيرين حتى لو وصل التصحيح إلى 1450 دولارا أو 1415 دولارا للأونصة".

وذكر هانسن أنه الأمر سيتغير في حال هبطت الأسعار إلى الحد الأعلى للنطاق القديم عند أقل من 1380 دولارا للأونصة، وإجراء تصحيح بنسبة 61.8% لارتفاع الأسعار بين شهري يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول).

وتابع "تلاشت اليوم تأثيرات السندات التي ساعدت في الفترة بين شهري يونيو ويوليو بتحقيق اختراق لأسعار المعدن الأصفر فوق 1380 دولارا للأونصة، ليخرج بذلك عن نطاق حصره لعدة سنوات. وعلى الرغم من استقرار عوائد السندات بعد هبوطها السريع، واقتراب الأسهم الأميركية من تسجيل أعلى مستوياتها، وظهور بوادر التوصل لاتفاق تجاري، نجح الذهب في تجنب الوقوع في أي تصحيح كبير، ويشير ذلك إلى جاذبية المعدن الثمين بالنسبة إلى المضاربين على المدى القريب ومستثمري الأموال الباحثين عن التنويع وسط توقعات بتباطؤ النمو العالمي ومختلف المخاطر الجيوسياسية".

وذكر صندوق النقد الدولي أن حرب الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين هي السبب في القرار الذي أصدره هذا الأسبوع بتخفيض سقف توقعات النمو الاقتصادي العالمي للعام 2019 من 3.2% إلى 3%.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال هانسن إن الحيازات الإجمالية المدعومة بالسبائك، والمتداولة في البورصة، شهدت ارتفاعاً كبيراً منذ مايو (أيار)، بواقع لا يقل عن 26 طنا حالياً أقل من مستوياتها المسجلة في ديسمبر (كانون الأول) 2012. وتحافظ صناديق التحوّط على أرقام قريبة من صافي مراكز التداول طويلة الأجل عبر العقود الآجلة، وهو تخفيض محتمل من فئة المتداولين الذين يشكلون التحدي الأكبر في الوقت الراهن.

ونوه إلى أن الأسبوع الأخير كان هادئا نسبياً بالنسبة إلى الذهب في ظل محاولة لتقييم مدى تأثير العديد من التطورات الرئيسة، مثل ضعف الدولار وارتفاع الأسهم والمفاوضات التجارية، فضلاً عن تطورات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما خفّض صندوق النقد الدولي تقديراته للنمو العالمي إلى أدنى مستوياته منذ الأزمة المالية العالمية، بينما شهدت الصين (أكبر مستهلك للمواد الخام في العالم) تباطؤاً في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثالث إلى 6% ليكون الأضعف منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي.

المعادن الثمينة نحو الضعف

ويرى رئيس استراتيجية السلع لدى "ساكسو بنك" أن سوق المعادن الثمينة قد تتعرض للضعف على المدى القريب، في حال انتقلت السوق من التركيز على انخفاض العائدات، وهو أمر ربما نكون قد تخطيناه في الوقت الراهن. وعلى الرغم من ذلك، وبعد فترة من التوحيد، نرى أسعار الذهب في طريقها نحو الارتفاع إلى 1550 دولارا للأونصة بحلول نهاية العام، قبل الارتفاع مجدداً في عام 2020. ويشكل ضعف الدولار، والتوجه المستمر من البنك المركزي للشراء والتركيز على تخفيض فائدة اللجنة الفيدرالية للأسواق المفتوحة دوافع داعمة قد تطرأ جراء انخفاض عائدات السندات.

ملاذ آمن للمستثمرين

وعلى ذات الصعيد، قال رجب حامد، الرئيس التنفيذي لشركة "سبائك الكويت"، إن الذهب أثبت منذ بداية العام أنه السلعة الوحيدة التي تستحق أن يطلق عليها "الملاذ الآمن" للمستثمرين بالعالم ككل.

وأوضح أن تداولات الذهب من أول شهر يوليو (تموز) الماضي تشهد ارتفاعات حادة حتى وصلت إلى قمة 1560 دولارا، وهو الأعلى له في ست سنوات ولم ينزل منذ ذلك التاريخ عن مستوى 1460 دولارا للأونصة، ويتراوح حاليا بين مستويات 1510 و1490 دولارا.

وأضاف أن الارتفاعات المتلاحقة للذهب، والتي يشهدها منذ فترة ومن حين إلى آخر، تؤكد عدم رغبة المستثمرين في البيع على الأسعار الحالية، حيث إنه من المرجح أن يتخذ المعدن الأصفر مسارا أكثر صعودا الفترة المقبلة بعد تصاعد الوضع في لبنان وعدم استقرار الوضع في سوريا بعد التدخل التركي الأخير، بينما تعكس الأسعار الحالية الأوضاع الجيوسياسية بالمنطقة وتؤكد أن الكل يبحث عن الملاذات الآمنة.

وأكد حامد أن المستثمر الذي اشترى المعدن الأصفر عند مستويات 1200 دولار يحصد الآن مكاسب جيدة، وستظل تلك المكاسب في نمو مع تصاعد حالة عدم الاستقرار عالميا والاتجاه لتخفيض المزيد من الفائدة الأميركية والتيسير الكمي.

وزاد الرئيس التنفيذي لـ"سبائك" أن السعر الحالي رغم أنه مرتفع، فإن هناك مستهدفات عالية للذهب في الفترة المقبلة، في ظل النظرة السلبية للأسواق المنافسة للمعدن الأصفر.

محركات أساسية

وحول المحركات الأساسية لارتفاع أسعار الذهب، قال مدير تطوير الأعمال في شركة "آي سي إم كابيتال"، وائل حماد، إن المحرك الأول هو الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وإمكانية رفض الاتفاق التي ما زالت مطروحة، أما المحرك الثاني فهو مصير الحرب التجارية بين قطبي الاقتصاد العالمي، الولايات المتحدة والصين.

وأكد حماد أن الحديث عن ارتفاعات الذهب في أوساط المستثمرين تتصاعد في ظل معطيات السوق الحالية، لا سيما في ظل قيام المتداولين بتسعير الأحداث الأخيرة الخاصة بتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى تصرفات البنوك المركزية ووعود التيسير التي باتت واضحة من خلال نبرة مدراء البنوك المركزية للدول المتقدمة، ابتداء من البنك الفيدرالي الذي يشير إلى المزيد من التيسير الكمي، على الرغم من أنهم لا يطلقون ذلك المسمى عليه، في حين أن الصينيين مستمرون بضخ السيولة إلى الاقتصاد، فيما يبدو الاتحاد الأوروبي عند أقصى درجات التيسير كذلك، مع كون ألمانيا على وشك الغرق في الركود. كل هذه الأمور تدفع الذهب بشكل جيد للتقدم والارتفاع.

صناديق الاستثمار ترفع حيازتها من الذهب

وأظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي، الصادرة الشهر الحالي، ارتفاع حيازة صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة من الذهب بنسبة 13.4% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2019، لتسجل أعلى مستوى على الإطلاق.

وأوضحت بيانات المجلس أن الصناديق الاستثمارية أضافت نحو 368 طنا من المعدن الأصفر لترتفع حيازتها إلى 2808 أطنان، فيما بلغ حجم تدفقات الصناديق نحو 17.94 مليار دولار خلال فترة التسعة أشهر.

وأشار المجلس إلى أن هناك العديد من المحفزات الإيجابية المحتملة للذهب في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أبرزها تصاعد حالة عدم اليقين العالمي بشأن النمو الاقتصادي، وبدء محاكمة الرئيس الأميركي دونالد ترمب واحتمالية عزله، مما يؤثر على الأصول المحفوفة بالمخاطر ويدفع الصين إلى تأخير الحلول التجارية لحين انتهاء الانتخابات الأميركية في 2020.

وتتضمن المحفزات للمعدن الأصفر انخفاض أسعار الفائدة في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى أن سوق الأسهم الأميركية تتداول بالقرب من أعلى مستوياتها على الإطلاق، حسب بيان مجلس الذهب.

وأفادت البيانات بأن أعلى التدفقات خلال الفترة الماضية تحققت بالولايات المتحدة بعد شراء نحو 214 طنا بقيمة 10.41 مليار دولار، ثم الصناديق الأوروبية بقيمة 7 مليارات دولار بشراء 146.4 طن، وزادت الصناديق الآسيوية حيازتها بنحو 5 أطنان بقيمة 318 مليون دولار، وسجلت التدفقات من المناطق الأخرى نحو 120 مليون دولار عبر شراء 2.2 طنا

و"مجلس الذهب العالمي" هو منظمة تعمل على تطوير سوق صناعة الذهب، وتهدف إلى تحفيز واستدامة الطلب على المعدن الأصفر عالميا.

الذهب يترقب بريكست ومفاوضات الصين وأميركا

وخلال تعاملات أمس، لم يطرأ تغير يذكر على سعر الذهب مع ترقب المستثمرين مزيدا من الوضوح بشأن مفاوضات التجارة الصينية الأميركية والخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، بعد أن أرجأ البرلمان تصويتا مهما على اتفاق الانفصال.

واستقر سعر الذهب في المعاملات الفورية عند 1490.03 دولار للأوقية (الأونصة) بحلول الساعة 0519 بتوقيت غرينتش، بينما تراجع في العقود الأميركية الآجلة تراجعا طفيفا إلى 1493.50 دولار.

وارتفعت أسعار الأسهم الآسيوية لتحد من مكاسب المعدن، مع صعود مؤشر "إم.إس.سي.آي" الأوسع نطاقا لمنطقة آسيا والمحيط الهادي باستثناء اليابان 0.2%.

وقال ستيفن إنس، استراتيجي السوق في "أكسي تريدر"، إن "المراكز الدائنة في الأسواق كبيرة نسبيا، والناس يساورها القلق بسبب حرب التجارة. المستثمرون ينتظرون تراجعات في الذهب ليعاودوا الشراء". 

وبالنسبة إلى المعادن النفيسة الأخرى، زاد السعر الفوري للفضة 0.2 بالمئة إلى 17.57 دولار للأونصة، وصعد البلاتين 0.4% إلى 892.64 دولار للأوقية، وتقدم البلاديوم 0.9 بالمئة إلى 1770.07 دولار، منخفضا قليلا عن ذروة الخميس البالغة 1783.21 دولار.

ووصف دونالد ترمب خلال الأسبوع الماضي الاتفاق المبدئي بين مفاوضي الشؤون التجارية بأنه "احتفالية محبة" مقارنة بأشهر من تدهور العلاقات، وبدا أنه يؤكّد على لقائه بالرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش قمّة ستنعقد في تشيلي الشهر المقبل.

ووافقت الولايات المتحدة، ضمن "صفقة المرحلة الأولى" حسب تعبير ترمب، على تعليق زيادة إضافية مقررة في الرسوم الجمركية على السلع الصينية، ريثما ينتهي الاتفاق على تفاصيل هدنة تجارية أكبر.

ولكن حاجة الطرفين إلى 3 أسابيع إضافية للتوصل إلى نص يستطيعان الاتفاق عليه يدل على طول الشوط الذي ما زال عليهما أن يقطعاه. ومن جهتها، اتّصفت التقارير الصحافية الصينية التي تناولت اختتام المحادثات الأسبوع الماضي بالحذر، فأحجمت عن استخدام عبارة "صفقة".