Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مع استمرار تراجع السندات الحكومية... إلى أين تتجه الأزمات الاقتصادية في لبنان؟

توقعات بمزيد من الخسائر بسبب الاحتجاجات والرهان على الدعم الدولي

المصرف المركزي اللبناني في بيروت (أ.ف.ب)

في إطار الخسائر التي تطارد اقتصاد لبنان، هوت السندات الحكومية بمقدار سنت واحد أو أكثر خلال تعاملات يوم الاثنين، عقب تظاهرات عارمة احتجاجاً على الأزمة الاقتصادية في البلاد التي اتسع نطاقها يوم الأحد قبيل اجتماع لمجلس الوزراء بشأن تسريع خطى إصلاحات.

وهوى إصدار 2025 بمقدار 1.34 سنت في الدولار ليُجرى تداوله عند 65.5 سنت، حسبما أظهرته بيانات تريدويب، لتصل خسائر السندات في يومين إلى حوالي أربعة سنتات.

وشهد لبنان مظاهرات على مدار أربعة أيام هي الأضخم منذ عقود احتجاجا على النخبة الحاكمة التي تطاردها مزاعم بالفساد والمحسوبية. ويوم الأحد، اتفق رئيس الوزراء سعد الحريري على حزمة إصلاحات مع شركائه في الحكومة.

فيما تنذر اندلاع الاحتجاجات الشعبية الناتجة عن سوء الأحوال المعيشية، بمزيد من تفاقم الأوضاع الاقتصادية في لبنان الذي يعاني بالأساس تحديات مالية ونقدية واسعة منذ سنوات طويلة.

ومن شأن التطورات الأخيرة أن تؤثر بشدة على نشاط القطاعات الرئيسة مثل السياحة والعقارات، ما قد ينتج عنه انكماش الاقتصاد وتقويض المركز المالي للبلاد.

وللخروج من المأزق الاقتصادي والسياسي الراهن، يحتاج لبنان إلى إقناع شركائه بتقديم مساعدات عاجلة منخفضة التكلفة لها من أجل مساندة اقتصاده ودعم موقفه المالي وتنفيذ المشروعات بالقطاعات الحيوية مثل الكهرباء وتوفير السلع الأساسية من الوقود والقمح بما يساعد في نهاية المطاف في التخفيف من حدة الاحتقان الشعبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

احتجاجات متكررة مع تدني مستوى المعيشة

وقبل أيام، اندلعت مظاهرات ضخمة في لبنان احتجاجاً على الأعباء الضريبية الجديدة التي فرضتها الحكومة على المواطنين أخيرا، وفي صدارتها رسوم على المكالمات عبر تطبيقات الإنترنت مثل "واتس آب"، قبل أن تتراجع عن تطبيقها لاحقاً بسب الاحتقان الشعبي.

وسبق أن شهد لبنان احتجاجات متكررة خلال الأشهر الماضية بالتوازي مع اتجاه الحكومة لتقليص رواتب موظفي الحكومة، مع زيادة الأعباء الضريبية، وذلك في مسعى لاحتواء عجز الموازنة العامة وتصاعد الديون الحكومية.

فضلاً عن ذلك، فقد تأثر المستوى المعيشي للسكان بشدة بسبب النمو الهزيل للاقتصاد في السنوات الماضية مع تفاقم الاضطرابات الإقليمية وسوء الإدارة الاقتصادية، التي أثرت بشكل واضح على القطاعات الرئيسة مثل السياحة والعقارات. وطبقاً للبنك الدولي، فقد شهد الناتج المحلي اللبناني نمواً محدوداً بنسبة 0.2% في عام 2018، قبل أن ينكمش بحسب التوقعات بنسبة 0.2% بنهاية العام الجاري.

وأشارت دراسة حديثة أعدها مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، إلى أن الحكومة اللبنانية تعاني ضعفاً متزايداً في مركزها المالي بسبب ارتفاع مستوى الدين الحكومي إلى نحو 150.3% في العام الماضي طبقاً لبيانات البنك الدولي، نتيجة العجز المستمر في الموازنة العامة على مدار العقود الماضية.

يأتي ذلك في الوقت الذي تناقصت فيه احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي نتيجة انحسار عائدات السياحة وودائع غير المقيمين في الفترة الأخيرة.   

وقد تسببت هذه الأوضاع الاقتصادية في تصاعد المخاوف الدولية من احتمال تخلف لبنان عن سداد الالتزامات المالية المستحقة عليها. ووفقاً للتقديرات، فإن لبنان بصدد سداد ديون بقيمة 1.5 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل وديون أخرى بقيمة 2.5 مليار دولار في الفترة بين مارس (آذار) ويونيو (حزيران) من العام 2020.

وكنتيجة لذلك أيضاً، قامت الوكالات الدولية بخفض التصنيف الائتماني للبنان. ففي أغسطس (آب) الماضي، خفضت وكالة "فيتش" تصنيفها لديون لبنان منB-  إلى CCC، في مؤشر على تصاعد المخاطر المالية للسندات اللبنانية، بينما وضعت المؤسسات الأخرى مثل وكالة "ستاندرد آند بورز" و"موديز" تصنيف لبنان قيد المراجعة.

الأحداث الأخيرة تضيف المزيد من الأزمات

لكن من دون شك، سوف تؤدي التطورات الأخيرة إلى إرباك الأوضاع الاقتصادية في لبنان بشكل أكبر. ففور اندلاع الاحتجاجات الشعبية في الأيام الماضية، تأثرت سوق الاقتراض الحكومية بشكل واضح، حيث انخفضت سندات لبنان السيادية الدولارية بشكل ملحوظ، كما ارتفعت تكلفة التأمين على ديون لبنان لأجل 5 سنوات يوم الجمعة الماضية 14 نقطة أساس مقارنة مع إغلاق تعاملات الخميس الماضي إلى 1208 نقاط أساس.

وهو ما يعني أن لبنان سيواجه تكلفة إضافية عند الاقتراض من الأسواق الدولية في الفترة المقبلة طالما كانت الحكومة غير قادرة على احتواء الاحتجاجات الشعبية الحالية وتقليص المخاطر السياسية، علماً بأن الحكومة كانت تنوي إصدار سندات "يوروبوند" بقيمة تتراوح بين 2 و3 مليارات دولار في الشهور المقبلة لتغطية احتياجاتها والتزاماتها المالية.

إلى جانب ذلك، فمن شأن التطورات الأخيرة أن تفرض ضغوطاً إضافية على القطاعات الرئيسة مثل السياحة والعقارات، حيث ستقوض الطلب عليها مع مخاوف المستثمرين الأجانب من ضخ رؤوس أموال فيها بسبب حالة القلق السياسي والاقتصادي الراهنة، وهو ما سيُعرِّض الاقتصاد للانكماش بمستوى أكبر من توقعات المؤسسات الدولية.

في السياق ذاته، فإن الأحداث الأخيرة سوف تقلص من قدرة الدولة على حشد موارد النقد الأجنبي بما في ذلك عائدات السياحة وودائع غير المقيمين والاستثمارات الأجنبية، الأمر الذي قد يجعل من الصعب على المصرف المركزي دعم الاحتياطيات وبالتالي قد تواجه الحكومة مشكلات في سداد التزامات الديون واستيراد السلع الأساسية.

وإذا كان من المستبعد أن يقوم المصرف المركزي، رغم ضعف الاحتياطيات وشح العملات الصعبة، بفك ربط الليرة مع الدولار في الوقت الحالي بسبب الآثار الاقتصادية السلبية والاجتماعية لمثل هذا القرار حالياً، فمن المحتمل وبنسبة كبيرة أن تتسع الهوة بين سعر صرف الليرة في السوقين الرسمية والموازية، التي تخطت قيمتها غير الرسمية بالأشهر الأخيرة أكثر من 1600 مقابل الدولار في حين أن سعرها الرسمي ثابت عند 1507.5 ليرة.

ماذا تفعل الحكومة اللبنانية؟

تحت وطأة الضغوط الشعبية الراهنة، سوف تضطر الحكومة، على الأرجح، إلى تأجيل تنفيذ بعض الإصلاحات الاقتصادية المطروحة، مثل خفض أجور الموظفين العموميين، إلى جانب تجميد الزيادات الضريبية المقررة مثل ضريبة القيمة المضافة وضريبة الاتصالات وغيرها لحين الوصول إلى توافق سياسي ومجتمعي حولها.

وأمام هذا السيناريو، ربما لن يكون أمام الحكومة خيار آخر سوى مواصلة الاستدانة لتمويل الإنفاق الجاري والاستثماري بما قد يؤدي إلى زيادة عجز الموازنة، وهذا ما قد يجعلها في القريب العاجل بحاجة لإعادة جدولة ديونها.

ولتفادي هذا الإجراء "الخطر"، ربما تتحرك الحكومة سريعاً نحو طلب الحصول على مساعدات مالية منخفضة التكلفة من شركائها في المنطقة والعالم أو تسهيل حصولها على جزء من تعهدات المانحين لها في مؤتمر "سيدر" في باريس والبالغة 11 مليار دولار.

ولا شك أن حصولها على هذه المساعدات في مثل هذا التوقيت يحظى بأهمية جوهرية لإنقاذ الاقتصاد في جوانب مختلفة منها توفير تمويلات لصالح استيراد السلع الأساسية مثل الوقود والخبز والأدوية، وإعادة بناء الاحتياطيات الأجنبية من أجل دعم قيمة الليرة مقابل الدولار في سوق الصرف، وتنفيذ المشروعات في القطاعات الحيوية مثل الكهرباء.

وربما لن يسمح المجتمع الدولي بتفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية في لبنان أكثر من ذلك، بما قد يدفعه نحو تقديم مساعدات عاجلة لإنقاذ الاقتصاد، بيد أن ذلك لا ينفي حاجة الحكومة للالتزام أمام المانحين بالقيام بالإصلاحات الضرورية الداعمة لتوازن الاقتصاد وتعزيز تنافسيته في المستقبل، وذلك بعد التوافق المجتمعي والسياسي حولها، على أن تراعي الحكومة اللبنانية في الوقت نفسه الأبعاد الاجتماعية.

المزيد من اقتصاد