الشعب اللبناني... إما متظاهرا او مسمرا امام شاشات تحولت الى هايد بارك مفتوح بحرية

تلفزيونات تغطي بموضوعية وحماسة... وأخرى حزبية تراقب وتجتزئ وتخادع

منذ أن اندلعت شرارة التظاهرات في لبنان قبل خمسة أيام، أصبح الشعب اللبناني "شعبين"، شعب يتظاهر في الشوارع والساحات بحماسة وجرأة، منادياً بحقوقه وداعياً إلى التغيير، وشعب مسمر أمام الشاشات التلفزيونية يتابع التظاهرات، إما ليشارك فيها من بعيد مؤيداً إياها ومتبنياً شعاراتها، وإما ليكون متفرجاً، مجرد متفرج "سلبي"، يرفض أفكارها ودعوتها إلى التغيير الجذري بل يناصبها العداء في أحيان، تبعاً لمواقف زعمائه الحزبيين والطائفيين. ومعظم الجمهور"السلبي" هذا ينتمي مبدئياً إلى حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر وتيار المستقبل الذين يستهدفهم المتظاهرون سواء مباشرة أو رمزياً. لكنّ محازبين كثراً ينتمون إلى هذه التيارات يؤيدون ضمناً أو بالسر مواطنيهم المتظاهرين، مقتنعين كل الاقتناع أن قضيتهم واحدة وحقوقهم المهدورة واحدة وآمالهم واحدة.

غير أن كل الشاشات التلفزيونية المؤيدة أو المعارضة للتظاهرات لم تستطع أن تغيب عن الحدث الشعبي الكبير الذي هزّ أركان الدولة، ما عدا تلفزيون لبنان الرسمي الذي لم تسمح له السلطة بالتغطية المباشرة لتظاهرات تستهدفها، فغاب كعادته وغط في نوم أهل الكهف، وكذلك تلفزيون المستقبل الذي توقف عن العمل منذ فترة، بعد تفاقم أزمته الأخيرة، فدأب على بث برامج قديمة تعود إلى السنوات الماضية، ما جعله يبدو غائباً بدوره كل الغياب عما يجري. ولئن كانت تلفزيونات مثل "إل. بي. سي" و "إم. تي. في" و "الجديد" في طليعة المنافسة على التغطية المباشرة والشاملة التي تتابع معظم المدن والمناطق، فاتحة شاشاتها أمام المتظاهرين ليعبروا عن آرائهم بحرية وبغضب وكراهية أحياناً، وجاعلة كاميراتها وميكروفوناتها في خدمة الانتفاضة الكبيرة، فإن تلفزيونات أخرى حزبية أو ملتزمة مثل تلفزيون "المنار" التابع لحزب الله اللبناني و"إن . بي. إن" التابع لحركة أمل و"أو. تي. في" التابع للتيار الوطني الحر الذي يرأسه صهر رئيس الجمهورية جبران باسيل، عمدت إلى "غربلة" تغطياتها مع ما يتلاءم مع مصالحها الشعبية وتوجهاتها السياسية والحزبية. تلفزيون "المنار" ارتأى تغطية جزئية وموجهة ومبتسرة وخاضعة للرقابة الشديدة مكتفياً بالعموميات التي لا تقترب من حقيقة الانتفاضة وأبعادها الجوهرية. ومثله فعل تلفزيون "أن. بي. أن" الذي راح يمارس الرقابة والحذف والتغطية المجتزأة التي تخدم الحركة ورئيسها نبيه بري. وكان واضحاً ابتعاد هاتين المحطتين عن "مفاجآت" انتفاضة المناطق الشيعية في الجنوب اللبناني لا سيما في صور والنبطية وصيدا، وكذلك البقاع وبعلبك، وقد شهدت هذه المدن حالة تمرد غير مسبوقة ضد حزب الله وحركة أمل، ودعا المتظاهرون فيها إلى مواجهة الحزبية المتسلطة التي تهيمن على البشر وعلى الأرض. وهذه المواقف الشيعية الوطنية المنتفضة كان لا بد لها من أن تثير حفيظة حزب الله وحركة أمل اللذين لم يعتادا مثل هذا الانشقاق والتمرّد المعلنين عبر الشارع، داخل البيئة الشيعية.

 أما تلفزيون "أو. تي. في" التابع للتيار الوطني الحر فاعتمد التحايل أو المداورة في تغطيته التظاهرات التي لم تخلُ من عبارات قاسية وجريئة ضد الجنرال عون وضد صهره جبران باسيل ومن دعوات إلى تنحيهما واستقالتهما. ولعلها المرة الأولى التي يفلت فيها زمام "النقد" الشعبي المباشر ضد الزعماء ولا سيما الجنرال عون والسيد حسن نصرالله ونبيه بري... عمد فريق تلفزيون التيار العوني إلى إزالة اسم "أو. تي. في" عن الكاميرات والميكروفونات تحاشياً لأي حادث أو مواجهة يتعرض لها الفريق من المتظاهرين الغاضبين في المناطق المسيحية التي طالما ادعى جبران باسيل أن  التيار يسيطر عليها أو يمثلها، لكن صدمته كانت كبيرة لا سيما بعدما رفعت شعارات وتعليقات تطاوله مباشرة بالقدح والذم. ومارس تلفزيون التيار العوني لعبة مماثلة في الحذف والقص والرقابة، فالخطأ ممنوع بحق الرئيس وصهره.

وبدا واضحاً أن الجمهور اللبناني الكبير اختار متابعة التظاهرات عبر الشاشات الثلاث المستقلة وغير الحزبية مبدئياً، أي  "إم. تي. في" التي تميل إلى جو 14 آذار و"الجديد" المناهضة لحركة أمل و"إل.بي. سي" الساعية دوماً إلى تحقيق سبق إعلامي. وكان واضحاً التسابق بين هذه الشاشات لجذب الجمهور، فسعت إلى تغطية كل المناطق على الرغم من الطرق المقطوعة، والحواجز، وداوم مذيعوها ومصوروها في الشوراع والساحات ليلاً ونهاراً، وجعلت من نفسها "هايد بارك" تلفزيوني مفتوح. وكان المتظاهرون يجدون في هذه الشاشات فرصة للكلام والتعبير و"فش الخلق" كما يقال لبنانياً. ولم تمارس هذه الشاشات الرقابة على أحد شرط احترام الآخر. لكنّ نقداً شديداً وقاذعاً وغير مألوف وُجّه عبرها إلى الأحزاب والزعماء والوزراء. ووجدت فيها بعض مؤسسات المجتمع المدني والحركات العلمانية الناشطة منبراً للنقاش وعرض الآراء. ولئن عمدت معظم التفزيونات إلى تقسيم شاشتها إلى شاشات عدة موزعة على النقاط الرئسية للتظاهر، فإن مناطق عدة لم تصلها الكاميرات نظراً إلى أن التظاهرات عمّت كل لبنان ساحلاً وجبلاً وداخلاً.

أما المحطات الفضائية العربية والدولية فأسهمت أيضاً في تغطية مفتوحة أو شبه مفتوحة لا سيما "العربية" و"الحدث" اللتين فتحتا منبريهما أمام شرائح عديدة من اللبنانيين، صحافيين ومثقفين ومواطنين، ليعبروا عن آرائهم حول ما يحصل في الشوراع والساحات. ولم يغب الحدث اللبناني طبعاً عن المحطات العربية والدولية، الرسمية والحرة ولو في تغطية متقطّعة وخَبَرية.

المزيد من ثقافة