نداء لقطاع الأعمال لحماية اللاجئين من قسوة القادة  الشعبويين

تَتّبع الولايات المتحدة سياسات عنيفة تضع إنسانية اللاجئين في آخر اهتماماتها، وقد يعود الأمر إلى آخرين لتصحيح المسار

لاجئون سوريون ينتظرون للحصول على معونات غذاية في جنوب شرق تركيا 19 أكتوبر 2019 (أ.ب) 

تُعَدُّ حركة الناس بشكل جماعي ظاهرة عالمية، وهي موجودة لتبقى دائماً. وباعتباري شخصياً لاجئ سابق ، فقد عانيت خلال طفولتي من الصدمة والنزوح المؤلم جرّاء الفرار من منطقتي خلال الحرب الكورية. استمرت المعاناة الإنسانية التي لمستها أثناء هروبي من قريتي المحترقة مع والديَّ، تطاردني في الأيام والسنوات اللاحقة.

عندما كنت أمينا عاما للأمم المتحدة، قابلت الكثير من الأطفال في جميع أنحاء العالم، وخاصة في أفريقيا والشرق الأوسط، الذين ذكروني بتجاربي المؤلمة. ولأنني كنت أرى نفسي في كل واحد منهم، بقيت مصمماً على وضع محنة اللاجئين في قمة الأجندة العالمية اليوم.

وأرى، كعضو في منظمة "الحكماء"، أنه ما لم نوحد صفوفنا في مواجهة هذه المشكلة العالمية، سيظل اللاجئون يعانون من مستويات التهميش والاستغلال على نحو يمثل انتهاكاً مباشراً لحقوقهم الإنسانية.

تضع الجمعية العامة للأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة ضمن أولوياتها، وهي محقة في ذلك. وتوفر هذه الأهداف سبيلا إلى عالم أكثر سلاماً وازدهارا واستدامة لا يتعرض أي من أفراده إلى الإهمال والتجاهل. كما أنها تمثل انتصاراً للدبلوماسية المتعددة الأطراف والتضامن في وقت تصبح فيه أصوات الانعزالية والشعبوية أكثر جلبة.

إنني أشعر بقدر عظيم من الفخر كوني الأمين العام الذي أشرف على اعتماد أهداف التنمية المستدامة في عام 2015.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الأهم هو أن هذه الأهداف تُعتبر جهداً تعاونياً، يمكن من خلاله لكبار رجال الأعمال، بل ويجب عليهم، أن يلعبوا دورا حاسما إلى جانب المنظمات غير الحكومية، مثل "لجنة الإنقاذ الدولية" ونقابات العمال والنساء والشباب وزعماء الأديان وغيرهم من ممثلي المجتمع المدني. فإذا كنا جادين بعدم تجاهل أي شخص  خلال  تنفيذنا أهداف التنمية المستدامة، علينا أن نفكر بشيء من الإبداع والتعاطف في كيفية إدراج احتياجات اللاجئين وحقوقهم وأصواتهم وتطلعاتهم في مناقشاتنا.

ويبقى العالم حتى الآن غير مهيئٍ للاستجابة لتزايد حركة اللاجئين وتدفقهم، كما أدت المشاعر المعادية للمهاجرين إلى سياسات الاحتواء والرفض بدلاً من الادماج والتعاون.

ومع ذلك، من خلال استخدام إطار أهداف التنمية المستدامة، يمكن للشركات أن تلعب دوراً حيوياً في إحراز تقدم على طريق تحقيق الأهداف الخاصة باللاجئين، وضمان عدم استبعادهم من هذا الجهد العالمي الضخم. إن كيفية استجابتنا لقضايا اللاجئين تمثل اختباراً لإنسانيتنا المشتركة.

أعتقد اعتقادا راسخا أن مواهب اللاجئين والشركات يمكن أن تتحد لتشكل دائرة حميدة يمكنها بعد ذلك تشجيع السياسيين على اتخاذ خطوات تدريجية لتعزيز الاندماج ومكافحة كراهية الأجانب والتعصب والعنصرية.

غالباً ما يكون اللاجئون أشخاصاً يتمتعون بمهارات كبيرة وبراعة واجتهاد. وفي هذا الصدد علينا فقط أن نفكر في المهاجرين اليهود من ألمانيا النازية الذين قدموا مساهمة كبيرة للحياة الثقافية والأكاديمية والعلمية والاقتصادية للولايات المتحدة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، بمن فيهم مؤسس "لجنة الإنقاذ الدولية" نفسه ألبرت أينشتاين.

تستطيع الشركات أيضاً أن تلعب دورا مهما في دمج اللاجئين في مجتمعاتهم الجديدة، خاصة في البلدان المتاخمة لمناطق النزاع والتي تتلقى بالتالي أكبر عدد من الوافدين، مما يفرض أحيانا ضغوطا على الخدمات والبنية التحتية العامة في هذه البلدان.

ويمكن لقطاع الأعمال المساعدة في تخفيف هذه الضغوط من خلال توفير المعرفة والموارد والتمويل والوظائف وإمكانيات بناء القدرات للتأثير على الوضع، ومن ثم خلق الفرص والخدمات التي تسمح للوافدين الجدد من ناحية، وللمجتمعات المضيفة من ناحية ثانية، بالازدهار.

ففي الأردن واليونان ونيجيريا، تعاونت "مؤسسة سيتي" و"لجنة الانقاذ الدولية" لدعم رواد الأعمال الشباب الذين فرّوا من الأزمات ويعملون الآن على تأسيس شركاتهم الخاصة. وقد أظهرت إحدى الدراسات الحديثة أن استثمار يورو واحد في الترحيب باللاجئين يمكن أن ينتج عنه ما يقرب من 2 يورو من الفوائد الاقتصادية في غضون خمس سنوات.

وإذا وضعنا الحنكة الاقتصادية جانبا، هناك مسؤولية أخلاقية عالمية لاحترام حقوق الناس جميعاً خلال تنقلهم، بغض النظر عن وضعهم. ومن الأهمية بمكان أن يستمر كبار رجال الأعمال في دعم اللاجئين والدفاع عن المنافع الاقتصادية التي تعود على المجتمع بأسره من خلال اتباع نهج كريم وإنساني تجاه اللاجئين والهجرة.

تتأثر سياسات اللاجئين في عدد من بلدان العالم المتقدم والنامي بردود فعل شعبوية عنيفة تتغذى على مخاوف القوميين ضد المهاجرين وأحفادهم، كما أذكت هذه المخاوف أيضاً.

لذلك يشعر بعض السياسيين أن عليهم التشدد تجاه المهاجرين والظهور بمظهر الحامي لحدود بلدانهم وهوياتهم الوطنية. وعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة، اتخذت السياسات الناجمة عن مشاعر من هذا النوع أشكالاً متزايدة من القسوة، إذ يُحتجز الأطفال ويفصلون عن آبائهم وأمهاتهم من طالبي اللجوء في انتهاك لمصالح الطفل المثلى.

من خلال اتباع هذه السياسات العنيفة والأنانية، تُوضع إنسانية اللاجئين في آخر الاهتمامات، بينما ينبغي أن تكون في صميم صياغة أيّ من وجميع السياسات العامة.

ومع استمرار تغير المناخ والصراع والفقر وعدم الاستقرار في تشريد الملايين من الناس، ستواصل أنماط الهجرة في التزايد. وبالتالي فإن التقاعس عن العمل أو التهرب من المسؤولية الأخلاقية ببساطة ليس خيارا.

(بان كي مون هو الأمين العام السابق للأمم المتحدة ونائب رئيس منظمة الحكماء)

© The Independent

المزيد من آراء