الطيبون الثائرون ... يزينون ساحات لبنان

مطالب باستقالة الحكومة واستعادة الأموال المنهوبة

في جولة سريعة على ساحات لبنان التي تلفها الاحتجاجات، ندرك وببساطة أن الوضع مختلف، ولا يشبه ما سبقه من تظاهرات أو مطالب. التجول في الساحات ممتع للغاية، وجوه نضرة، شابة، فتية، غاضبة تهتف بلا هوادة بمطالب جريئة سقفها الفضاء. تهتف لحقوقها الضائعة وسنين عمر مضت بالفساد والرشاوى والمحاصصات المذهبية والطائفية.

قد تكون تظاهرة أمس (19 أكتوبر) التي احتضنتها ساحتا رياض الصلح والشهداء، أكبر تجمع غير حزبي في تاريخ لبنان. شبان وكهول وأطفال ومثقفون وأميون ومتعلمون وسائقو تاكسي تجمعوا بعفوية، من دون دعوات حزبية، أو زعيم يقودهم. الزعيم اليوم في الساحات، من يطالب باستعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة كل الفاسدين في الطبقة السياسية الحاكمة.

سقوط الأقنعة

شهدت ساحتا رياض الصلح والشهداء عام 2005، تظاهرتان مليونيتان بين الموالاة والمعارضة، بعد استشهاد الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري، وفي عام 2015، نزل المجتمع المدني مع بعض الأحزاب إلى الساحة مجدداً بسبب أزمة البيئة التي تحولت إلى أزمات ومطالب سياسية واقتصادية.

التظاهرات التي تشهدها الساحات اليوم، مختلفة تماماً، فهي بلا رأس وعفوية، مع الاتفاق على العناوين العريضة للمطالب، المحاسبة واستقالة الحكومة. لكن من هم هؤلاء الثائرون الجدد؟

الجميل في الساحات اليوم، أنها لا تفرق بين مسلم أو مسيحي أو درزي. الوجع يجمع الكل. شبان من مختلف المناطق وفي كل المناطق، تجمهروا لإسقاط الحكومة. وجوه جميلة غاضبة ندية، تحلم بمستقبل أفضل. وجوه بائسة تعبة خائفة من مستقبل مظلم. شبان لا ينتمون إلى أحزاب السلطة ولا المعارضة. لطالما كان الحلم في لبنان في أن يكون للمستقلين صوت، واليوم بات موجوداً.

أصوات شابة، متعلمة، مثقفة، تعرف ما تريده، ومن لا يعرف، ثمة من يمثله. طلاب جامعات وتلاميذ مدارس، وخريجون وعاطلون من العمل وشعراء ومغنون ومثقفون وحالمون ثوريون، اجتمعوا بعفوية، رافعين سقف مطالبهم. وفي حديث بسيط مع حسين وعمر وطوني الذين تعج بهم الساحات، تدرك أن تلك المطالب نابعة من وجع وألم.

شبان في مقتبل العمر يهتفون للعيش بكرامة وشرف، والعمل على أساس الكفاءة، وليس بسبب اتصال من زعيم أو رئيس.

 

اللغة الشبابية

ويبدو لافتاً، اللغة المطلبية الشبابية المعتدة في الساحات. لغة تشبه أعمار المحتجين، ومفردات تمثلهم، بلا خطابات رنانة أو جمل معقدة، كما جمل الخطباء اللبنانيين. الشعارات المرفوعة مستوحاة من أغانٍ وشخصيات سينمائية تخص هذا الجيل، وجمل لطالما آمنوا بها. هو جيل بدأ في الظهور، جيل لن يتوقف عند هذا الحد، لن يكتفي بالهتاف، فهو قادر على شل البلد وإجبار الحكومة على الاستقالة.

ثمة من يقول أن كلام أمين عام حزب الله أمس قلّص عزيمة المحتجبن، خصوصاً كلامه عن دعم الحكومة والوقوف في وجه من يريد الإطاحة بها، وتقديم الدعم اللازم لها بالاستمرار، لكن الساحات ثارت أيضاً على خطاب نصرالله الذي لم يتبنّ مطالب الشعب ولم يقف إلى جانبه، بل فضّل تسوية سياسية مع التيار الوطني الحر وتيار المستقبل. حتى استقالة نواب القوات اللبنانية من الحكومة، لم تؤت بثمارها، ولم يستقبلها الشارع كما يجب، إذ إن المطالب كانت واضحة وأهمها استقالة الحكومة.

ويبقى الأهم أن هؤلاء الثوار الجدد، لا يؤمنون بأي زعيم أو رئيس من هذه الطبقة السياسية، ولذلك انتهكوا كل المحرمات السياسية، خصوصاً شبان الجنوب الذين انتفضوا وهتفوا ضد حركة أمل وحزب الله وهي سابقة يسجلها هؤلاء الجميلون.

في المقابل، ربح المحتجون الرهان من كل من راهنوا على التجييش الطائفي والمذهبي، وثبّتوا الروح الوطنية، وهو موقف لم يشهده لبنان منذ الاستقلال ربما. كما كسر المتظاهرون الجميلون، رهبة السلطة والخوف من أذرعها، وحاربوا المندسين والمخربين. وفرض الثوار الجدد كلمتهم على الدولة، التي أُجبرت على سماع الأصوات الفتية، وبادرت إلى العمل على ورقة إصلاحات، والأهم من كل ذلك، كسر المحتجون شوكة الأحزاب المتسلطة.

 

السلمية

من المشاهد الجميلة أيضاً في ساحة رياض الصلح، دفاع الشبان عن القوى الأمنية وتشكيلهم سلسلة بشرية أمام الصفوف الأمنية لضمان عدم التعرض لها، لكن هذه القوى انقضت منذ يومين وبعد كلمة رئيس الحكومة سعد الحريري، ضربت القوى الأمنية المعتقلين وعنفتهم جسدياً واعتقلت عشوائياً، أكثر من 50 محتجاً واحتجزتهم يومين بعدما تعرضوا لضرب مبرح.

ولا تتوقف هذه التظاهرات عن نشر الطاقة الإيجابية والحب في الأجواء. فالمتظاهرون ينظفون صباح كل يوم الساحات من مخلفات الليل، ويتعاونون على جمع النفايات في مكان واحد. مواقف تُظهر الوجه الحضاري والسلمي للتظاهرات المطلبية، مع غياب تام لأعلام الأحزاب، رُفع العلم اللبناني وحيداً. وشهدت ساحات التظاهر في لبنان مواقف رومنسية كالقبلة التي وثّقت بين حبيبين مع خلفية لدخان الإطارات المشتعلة، والزفاف الذي استضافته ساحة التظاهر وحلقات الرقص والدبكة التي لم تتوقف، والفرح الذي انتشر في الأجواء.

لكن يبقى الأطرف، ما حصل مع أم وطفلها الخائف من العدد الكبير للمتظاهرين، فتجمع بعضهم وغنوا له أغنية "baby shark" التي يحنها الأطفال.

الأنثى

تلعب الأنثى بكل مراحل عمرها وتجلياتها، دوراً أساسياً في تظاهرات لبنان. الثائرات الجميلات، يقدنَ الحراك المطلبي، ويهتفنَ باسم الكل مطالبات بالتصحيح، يشاركنَ في التجمعات في مختلف المناطق، ومنهنّ أبرز مطالبهنّ حق منح الجنسية اللبنانية لأولادهنّ. وكما كانت للثورة السودانية والعراقية أيقونة، باتت لدينا في لبنان أيقونة أنثى جديدة، وهي الفتاة التي دافعت عن نفسها وضربت الحارسَ الشخصيّ للنائب أكرم شهيب الذي أطلق النار على المتظاهرين. الفتاة الجريئة، باتت رمزاً من رموز الحراك وانتشرت صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، ما دفع وشجع كثيرات للمشاركة في هذه الاحتفالية المطلبية.

إلى أين؟

يراهن الشارع على استمرار "زواره" لاستمرار الثورة، وفي حديث مع عدد كبير من المحتجين، ثمة رفض لورقة الإصلاحات المسربة التي ستقرها الحكومة غداً، وثمة استمرار للاحتجاجات حتى إسقاط الحكومة، وإسقاط الاتفاق الضمني الذي تضمنه خطاب نصرالله الأخير، فهل يصمد الشارع وتسقط الحكومة؟

المزيد من العالم العربي