صحيح أن بريكست ستجعلنا أكثر فقراً، لكن إذا لم نثق بجونسون، فبمن إذاً؟

إنها مجرد بداية. بإمكاننا وينبغي علينا أن نبني عليها الآن طالما أننا نملك خيار تقليص اقتصادنا بقدر ما نريد، من دون الحاجة إلى أخذ مشورة الألمان أولاً.

متظاهرون معارضون للخروج من أوروبا يطالبون حكومة جونسون بـ"القول الفصل" 19 أكتوبر 2019 (رويترز) 

تثير الصفقة الجديدة مع الاتحاد الأوروبي قضايا عدّة، لكن هناك مسألة تجاهلها بعض الناس. إذا أرادت زوجة بوريس جونسون السابقة أن تحصل أخيراً على النفقة المناسبة لأطفالها، فيجب أن تصبح عضوة في البرلمان عن "الحزب الوحدوي الديمقراطي" (يعمل في إيرلندا الشمالية ويؤيده البروتستانت فيها، ويشدد على الوحدة مع المملكة المتحدة) وستحصل على مبلغ مليار جنيه استرليني بحلول يوم الثلاثاء المقبل.

من المنطقي في الانتخابات المقبلة أن نصوت جميعنا لمصلحة "الحزب الوحدوي". حينها، سيكون بإمكان العمدة في مناطق مثل "إبسوم" أن يعلن "هذا العام، بدلاً من العرض الذي يقوده "معهد النساء"، سننظم مسيرة برتقالية تمر عبر مطبخ السيد أوريلي (الشخصية المعروفة من المسلسل التلفزيوني الكوميدي "أبراج فولتي") الذي نعتقد أنه رجل كاثوليكي"، وسيحصلون على 50 مليون جنيه إسترليني في كل مرّة يهددون فيها بالتصويت ضد الحكومة.

في نفسٍ مُشابِه، يتوجّب علينا أن نعقد آمالاً عراضاً على ذلك النوع من التكتيكات باعتبار أنها تتكفل بحصول بوريس جونسون على موافقة البرلمان على صفقته مع الاتحاد الأوروبي. من المهم للغاية أن تمر تلك الصفقة، لذا يمكنكم أن تفهموا قول جونسون، "حسناً، ها هي الصفقة. لا جدوى من التدقيق طويلاً في الأشياء وتفحّصها. ثمة أرقام كثيرة فيها، وهي دائماً ما تعطل الأمور".

واستطراداً، ولتلك الأسباب أيضاً، لا ينبغي لنا الغوص في تفاصيل الصفقة للتفكير في أشياء مثل السؤال عن محتواها أصلاً! إن الشيء المهم يتمثل في أنها حصلت على موافقة بوريس جونسون. وإذا كنتم لا تثقون في كلام بوريس جونسون، فبمن ستثقون؟

لا بد أن تلك كانت الطريقة التي جعلته ينال ثقة المحافظين الذين كانت لديهم شكوكهم القليلة تجاه الاتحاد الأوروبي في الماضي. وآنذاك مثلاً، وصف جاكوب ريس موغ صفقة تيريزا ماي (مع الاتحاد الاوروبي بشأن بريكست)، إنها جعلتنا "دولة تابعة"، مثلما كانت بريطانيا تحت الاحتلال الروماني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكذلك من المفترض أن هذه الصفقة قد أزالت البنود المتعلقة بكيف ينبغي علينا تزويد الإسبان بعبيد المطابخ، ورعاية دواجن أنجيلا ميركل يوم الأحد.

في المقابل، أصدر آخرون مثل ديفيد ديفيز تصريحات من قبيل، "هذه الصفقة تقوم حرفياً ببيعنا جميعاً لعصابة تهريب ألبانية"، لكنهم متحمسون حقاً لتلك الصفقة لأن على الرغم من كونها متطابقة مع سابقتها مبدئيّاً، لكن ربما لا يوجد فيها بند عن... الأسماك!

لحسن الحظ، أُجريَتْ دراسات حول التأثير المحتمل لما يعتقد أن تلك الصفقة تنطوي عليه. إذ قدرت دراسة أجرتها المجموعة الاقتصادية "المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة" أن مواردنا المالية العامة ستتقلص بما يتراوح بين 16 مليار و49 مليار جنيه إسترليني سنوياً، بالمقارنة مع ما كان سيصل إليه من دون الصفقة.

وثمة من يعترض لى عدم دقة هذه الدراسات، ما يجعل الاستماع إلى دراسات بديلة أمراً أكثر منطقية، مثل تلك التي أجراها غاري الذي يعمل في تكنولوجيا المعلومات، وأعلن مؤخراً النتائج التي توصل إليها والقائلة بأن "الأمر كله هراء، إذ لم يكن جدّي يثق بالفرنسيين مطلقاً، اللعنة، لقد كان على صواب".

في السياق نفسه، يقدّر "مكتب مسؤولية الميزانية" أن كل أسرة ستعاني بالفعل نقصاً يقدر بـ1500 جنيه إسترليني نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ولذا، بإمكان رئيس الوزراء أن يطمئننا بأن صفقته ستحمل لنا أخباراَ سارة، لأنها ستمنحنا قرابة 30 في المئة مما كنا نمتلك حتى اللحظة!

واستطراداً، يشبه معدل نجاح (صفقة جونسون) نجاح شخص يقول لكم، "لقد أمضيت السنوات الثلاث الماضية في البحث عبر الإنترنت لتغيير مزوّد الغاز الخاص بكم، ويمكنني أن أعلن أخيراً أنني وجدت شخصاً سيأخذ منكم 1500 جنيه إسترليني سنوياً أكثر من المزوّد الذي تعتمدون عليه حتى الآن".

وبصورة أوضح، لا يمثّل ذلك كله سوى مجرد البداية. وبإمكاننا وينبغي علينا أن نبني عليها الآن، طالما أن خيار تقليص اقتصادنا بالحجم الذي نريد ما زال بأيدينا، من دون الحاجة إلى أخذ مشورة الألمان أولاً.

ولا تتوقف الأمور عند ذلك الحد. إذ تؤكد لنا هذه الصفقة أننا سنتخلص من حق "الحرية في التنقل"... التافه! وأنا شخصياً، رجل ضاق ذرعي من كوني حراً في التنقل حيثما أشاء. إذا أراد أطفالي العمل أو الدراسة في إسبانيا، فأريد أن يقال لهم، "لا. عليكم البقاء حيث أنتم. إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى مكان مختلف، فيمكنه الذهاب إلى التعاونية الاستهلاكية"!

وبشكل حاسم، لقد حُلَّتْ المشكلة الصعبة التي تمثّلها إيرلندا. وبعد بذل جهود، حصلنا على اتفاقيات من الاتحاد الأوروبي لم يكن مستعداً لأخذها في عين الاعتبار من قبل. ومثلاً، ذكر بوريس جونسون إنه لا يمكن لأي رئيس وزراء أبداً أن يحصل على توقيع (الاتحاد الأوروبي) بشأن إقامة حدود في البحر الإيرلندي، لكنه الآن من خلال التفاوض الحازم، جعله يوافق على الحدود في البحر الإيرلندي.

نأمل أن يكون على نفس الدرجة من الحزم مع دونالد ترمب، ويلُح بشدة على أنه لن يبيع أجزاء من هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" إلى الشركات الأميركية، ما  سينتهي إلى موافقة ترمب على شراء الشركات الأميركية تلك الهيئة برمتها!

في مقلب آخر، إنّ الجزئية الأهم في الصفقة تمثل في العودة إلى ديمقراطيتنا الحبيبة التي نتمتع فيها بحرية وضع قوانيننا الخاصة بنا، بما يتماشى مع برلماننا المجيد. بدلاً من عقد الصفقات خلسة وراء الأبواب المغلقة، يمكننا العودة إلى اتخاذ القرارات عِبْرَ منح مئات الملايين من الجنيهات للمشيخيات البروتستانتية كي تصوت بالطريقة التي نريد.

ولكن، كي نكون منصفين، لا يمكن لأحد أن يتهم "الحزب الوحدوي" (الإيرلندي) بعدم اللقاء مع الناس. وخلال هذا الأسبوع، قبل دعوته إلى مقر رئاسة الحكومة في "داونينغ ستريت" لمناقشة صفقة جونسون، عقد "الحزب الوحدوي" اجتماعات مع "رابطة الدفاع في ألستر" شبه العسكرية، لمعرفة ما هو رأيها.

واستطراداً، قد يشكّل ذلك السبب الذي يدفع المحافظين إلى مهاجمة جيريمي كوربين "بسبب لقائه قادة حزب "شين فين" الإيرلندي في ثمانينيات القرن العشرين". إذ يعتقد أولئك المحافظون أنه لم يتبق الآن سوى أن يقابل كوربين مقابلة الجيش الجمهوري الايرلندي، ومع شيء من الوقاحة في عدم الرجوع إليهم لمشاروتهم في ذلك الشأن.

إذا مُررت الصفقة، فقد نشهد روحاً جديدة من التعاون بين الحكومة والمسلحين الموالين لها. وستأتي "رابطة الدفاع في ألستر" إلى "داونينغ ستريت" مباشرةً، بينما يقول جونسون، "هل ترغب، بحكم الأمر الواقع، في تناول كوب من شاي "إيرل غراي"، يا سيد كلب المجنون؟". وسيرد الضيف، "أجد صعوبة في شرب الشاي عِبْرَ القناع الأسود، لذا... أود كوباً من الشاي".

وكخلاصة، يتجسّد الأمر الرئيس في عدم إنفاق مزيد من الوقت في تحديد الطريقة التي بوضع البلاد تحت رداء القيادة الأكثر فقراً وعدائية، وحفنة من الشخصيات السيكوباثيّة المضطربة نفسيّاً تعمل على اقتناص كل شيء يمكنهم الحصول عليه من دون ضوابط مهما كانت. الآن، لا ترغب البلاد برمتها في شيء سوى... تنفيذ ذلك الأمر (صفقة جونسون بشأن بريكست).

© The Independent

المزيد من آراء