متطرفان سابقان يتوحدان لمحاربة الكراهية المتصاعدة

تواجه مورتون وهمبل قبل عشر سنوات في معركة ايديولوجية، ويقاتلان التطرف معا الان (حصري)

    إيفان هامبل انضم إلى عصبة الدفاع الانجليزيفي 2009 بعد تأثره لتعرض استعراض عسكري للقوالت البريطانية في لندن لإساءات وصفت بالعنصرية في حينه (غيتي)   

في شهر يونيو(حزيران) 2009، عمل جيس مورتون مع مناصري تنظيم "القاعدة" في نشر الدعوة إلى الجهاد في أميركا بتأثير من (الداعية البريطاني المتطرف) أنجم تشوداري.

وعلى بعد 3500 ميل (قرابة 5630 كيلومتراً) في بلدة لوستوفت الساحلية، كان الأب الأعزب إيفان همبل يساعد في تأسيس "عصبة الدفاع الإنجليزية".

ولسنوات عدّة، ظل الرجلان يخوضان حربا ايديولوجية في جبهتين متعارضتين، يستخدم كل منهما المجموعة التي يتنمي إليها الآخر الطرف الآخر لتسريع دورة التطرف المنتشرة في العالم الناطق بالإنجليزية.

وقد تحوّلت حملة همبل ضد تطرّف تشوداري كراهية واسعة ضد المسلمين، بينما ظلت كتابات مورتون تستنهض إرهابيين بمن فيهم أولئك من خططوا لتفجير قنبلة في بورصة لندن للأسواق المالية، وكذلك الذين وضعوا خطة لتفجير البنتاغون.

وفي 2011، بلغت رحلتا الرجلين كليهما نهايتهما، فمورتون اعتقل وسجن لتهديده مؤلفي فيلم الكارتون "ساوث بارك" لسخريتهما فيه من النبي محمد. وبالنسبة إلى همبل في المملكة المتحدة، أدى توفر فرصة للالتقاء بمسلم إلى إطلاق حوار جعله ينسحب من "عصبة الدفاع الإنجليزية".

والآن يوحّد كلا الرجلان جهودهما لمحاربة التطرف في الإسلاموية وأقصى اليمين، كما يستخدمان خبراتهما لمنع آخرين من السير في طريقهما السابق نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي حديثهما مع صحيفة الاندبندنت، حذر كلاهما من أن السلطات "لم تتعلم الدروس"  من ردود الأفعال المتصاعدة التي أثارها تشوداري وأتباعه في مدينة "نوتيز" ما جعل التطرف يتزايد مرة أخرى.

قارن همبل تكتيكات تشوداري التي مكنته من تجنّب المثول أمام القضاء لسنوات عِبْرَ قدرته على مراوغة القوانين التي تحظر الإرهاب وخطابات الكراهية، بتلك التي تستعملها المجموعات المنادية بالقومية البيضاء. ووفق كلماته، "لم نتعلم الدروس من تشوداري... نحن سمحنا له بالاستمرار في بعث تلك الرسائل طيلة سنوات".

وقد أيقظ هجوم نفّذه الأسبوع الماضي أشخاص ينتمون إلى "حركة النازيين الجدد"، في مدينة "هال" الألمانية وتسبب في مقتل شخصين، تحذيرات جديدة من نظرية المؤامرة التي يطلق عليها اسم "الاستبدال الكبير" وتنشرها مجموعات مثل "جيل الهوية".

وبرر المشتبه في تنفيذه ذلك الهجوم، عمله بدوافع أساسية عدّة من بينها "انخفاض معدلات الولادة" بين البيض، وقد كانت تلك النظرية نفسها وراء الهجمات التي وقعت في "كرايست تشرتش" (في نيوزيلندة) وباوي، و"إل باسو" (في أميركا) والنرويج.

في المقابل، أقرّت شرطة مكافحة الإرهاب بأنها لا تملك "خطة" للرد على هذه الايديولوجيا (النظرية) طالما أن المنادين بها لم يدعوا صراحة إلى ممارسة العنف.

وفي هذا الصدد، ذكر مورتون إن أقصى اليمين "يمر الآن في مرحلة عابرة للأوطان" بالطريقة نفسها التي تحوّل فيها معتنقو التطرف الإسلامي في بلدة "نوتيز".

وعلق مورتون على ذلك، "السردية التي توحّد أولئك الأشخاص كلهم هي نظرية "الاستبدال الكبير"... إذ تشكّل الغراء الذي بدأ يسمح لأشخاص من البيض في غالبيتهم، بالارتباط ضمن شبكة عابرة للقارات".

وكذلك أوضح مورتون أنه راقب المجموعتين المتطرفتين المتمثلتين بأقصى اليمين والإسلام المتشدد، فوجد أنهما تسعيان إلى استخدام الهجوم الذي وقع في "كرايست تشرتش" في نيوزيلندا للتحفيز على فعل فظائع اخرى، كما استخدمتا منتديات الإنترنت في ذلك. وأضاف، "الإسلاميين المتشددين يتشاركون الفيديو (الذي يظهر الضحايا المسلمين وهم يُقتَلون داخل المسجد) كدعوة للانتقام... كان هناك حديث في أحد الأيام مثل: متى سننتقم لـ"كرايست تشرتش" ومتى سنرد؟".

في ذلك الصدد، انضوى المهاجم في بلدة "هال" الألمانية ضمن مجموعة أشخاص مسلحين ببنادق يُعتقد أنهم تأثروا جزئيّاً ببرنتون تارنت (منفّذ هجوم "كرايست تشرتش")، الذي ما زال بيانه وشريطه بالبث المباشر عن ذلك الهجوم، موضع مشاركة على الانترنت جنباً إلى جنب مع بوستات ينشرها إرهابيون عنصريون يؤمنون بتفوق العرق الأبيض.

ومن ناحية اخرى، يرى همبل أن سردية "الاستبدال الكبير" التي تفيد بأن البيض يتم "تبديلهم" بأناس ملونين في الأمم الغربية، تجعل البريطانيين المنتمين إلى أقصى اليمين أكثر فأكثر تطرفا. وأضاف، "يبدو أن الجميع ينظرون حالياً إلى تارنت باعتباره مصدر إلهامهم إلى حد ما... لقد أصبح مقبولاً أن يصبح الفرد على تلك الشاكلة أكثر من كونه إرهابياً". وأفاد همبل أيضاً أن مجاميع أقصى اليمين في المملكة المتحدة تبحث عن شيء "يوقد نارها" منذ هجمات 2017 الإرهابية المستلهمة من تنظيم "داعش" الإرهابي، وباتت تتشبث الآن ببريكست لتنظيم الاحتجاجات.

تجدر الإشارة إلى أن همبل أصبح متطرفا بعد الغضب الذي شعر به بسبب نشاطات استفزازية من قِبَلْ شبكة "المهاجرون" الإسلاموية التي يقودها تشوداري، وقد حفزت أيضاً على تشكيل "عصبة الدفاع الإنجليزية".

وأصبح همبل، 48 سنة، ضالعاً في المجموعة قبل تشكيلها بأسبوعين في 2009، بعد حنقه الشديد على التغطية الإعلامية للتظاهرة الاحتجاجية التي قامت بها حركة "المهاجرون" ضد العرض العسكري للجنود العائدين إلى الوطن في 2009 في بلدة لوتن. وآنذاك، عمد متظاهرون ارتدوا ملابس إسلامية إلى مضايقة الوحدات العسكرية، ووصفوا أفرادها بالإرهابيين، ورفعوا شعارات تدين الجنود باعتبارهم "جزاري البصرة" و"قتلة أطفال".

واستطرداً، دفعت تلك الأمور همبل الذي كان يدعم جمعية خيرية تساعد الجنود المصابين والمبتوري الأطراف، إلى وضع تدوينة غاضبة على صفحته في موقع "فيسبوك"، وإثر ذلك اتصل به منظمو "عصبة الدفاع الإنجليزية" عبر الإنترنت.

وبحسب همبل، "شعرنا بأننا نقف في وجه تشوداري والمتطرفين... وعبر كوني محصوراً في "غرفة دردشة" على الإنترنت، انتقلتُ من كراهيتي للمتطرفين إلى كراهية المسلمين جميعهم. آنذاك، صوّر الإعلام تشوداري كأنه صوت الكيان المجتمعي المسلم، حتى بعد مقتل لي ريجبي، استمر في الحضور على شاشة التلفزيون".

ولفت همبل إلى إن استفزازات منظمة "المهاجرون" المسلّط عليها الضوء كثيراً واحتجاجاتها، "أعادت تقوية كل شيء" كان يظنه حول المسلمين. وترافق ذلك مع تقدمه في صفوف "عصبة الدفاع الإنجليزية" ليصبح منظِّماً في منطقة "إيست أنغليا" (أنغليا الشرقية).

وأبدى همبل خشيته من أن يكون المتطرفون الإسلامويون قد حققوا تغييراً مستداماً في طريقة إدراك الجمهور البريطاني للإسلام، مع الاستمرار في إعادة تدوير نشاطات "المهاجرون" وحملاتها على مواقع الإنترنت باعتبارها دليلاً مفترضاً على "أسلمة" بريطانيا. وأضاف، "لقد تجاهلوا تشوداري لفترة طويلة جداً، وتأثيره سيلحق الضرر على مدار سنوات مقبلة عدّة".

في المقابل، أورد مورتون إن الصلات التي تجمع "المهاجرون" بـ"عصبة الدفاع الإنجليزية" تدل على "العلاقة التآزر المتبادل بين "الجهادية" وتطرف أقصى اليمين... إنّ تأثير منظمة "مهاجرون" يتجاوز التهديد الإرهابي الذي تمثّله".

في تطوّر متصل، تواصل مورتون مع تشوداري وقادة آخرين في منظمة "مهاجرون"   أثناء تخطيطهم تظاهرات احتجاجية بما فيها تلك السيئة الصيت التي نُظمت في "يوم الهدنة" (ذكرى إعلان انتهاء الحرب العالمية الأولى). وآنذاك، أحرق المتظاهرون فيها زهور شقائق النعمان الحمراء الصناعية التي ترتديها بريطانيات كثيرات في تلك المناسبة. ويتذكر مورتون النقاشات التي دارت حول كيفية استخدام التغطية الإعلامية لـ"تجزئة المجتمع" في طرفي المحيط الأطلسي.

وأشار أيضاً إلى أن الجماعات الإسلاموية المرتبطة بتشوداري كانت "واعية بشكل جيد" أن نشاطاتها تزيد الدعم الذي تتلقاه منظمات أقصى اليمين، وتستخدم بشكل فاعل "عصبة الدفاع الإنجليزية" ومنظمات اخرى، في حملات البروباغاندا الخاصة بها. وذكر مورتون إن "إحدى الاستراتيجيات الأولية هي الظهور على شاشة التلفزيون، وهذا سهل جداً، خصوصاً إذا كنت قادراً على الاتيان بأمور استفزازية تستشيط من خلالها غضب أقصى اليمين... وبشكل متزايد، بات سهلاً استثارة  معاداتهم، وكذلك شرعت المشاعر المعادية للمسلمين بالنمو هنا (في الولايات المتحدة) أيضاً".

وأوضح مورتون أن تشوداري "بارع في خلق استقطاب واسع الانتشار"، ويسمح بشكل متعمد لآرائه المتطرفة أن تُقدَّم كأنها قناعات كل المسلمين في المملكة المتحدة". وأضاف أن الإسلامويين والمنضوين تحت منظمات أقصى اليمين "ما زالوا يلعبون ضد بعضهم البعض" وأن "المناخ المشابه لحرب أهلية" في السياسة على جانبي الأطلسي يغذي بالوقود الطرفين كليهما.

ويشار إلى أن مورتون خريج جامعة كولومبيا، وقد اعتنق الإسلام في 2000، ثم تواصل مع فرع منظمة "مهاجرون" في الولايات المتحدة في 2004 . وكذلك يذكر أن "جمعية المفكرين الإسلاميين" التي تدعو إلى دولة إسلامية عالمية، أوصلت مورتون إلى وجوه إسلاموية بارزة بمن فيهم تشوداري، والداعية الجامايكي عبد الله الفيصل ومسؤول البروباغاندا في تنظيم القاعدة أنور العولقي، الذي قتل في 2011 بهجوم عبر طائرة مسيّرة.

وفي 2007، بدأ مورتون وزملاء متطرفون آخرون بتشكيل مجموعتهم الخاصة بهم، سمّوها "المسلم الثوري". واستمروا بالتبشير في الشوارع. وأداروا في الوقت نفسه موقعاً شبكيّاً يعرض بروباغاندا تنظيم "القاعدة". بعد سنتين من ذلك، أطلق مورتون مجلة "ذكريات الجهاد" التي ينظر إليها بوصفها السلف إعلامياً لمجلات "إنسباير" (أصدرتها الـ"القاعدة") و"دابق" و"رومية" (لـ"داعش"). ولكن، جرى اعتقال مورتون في 2011 وسُجن بعد أن بعث أحد أتباعه تهديدات إلى مؤلفي فيلم الكارتون "ساوث بارك" الذي يسخر من النبي محمد.

بعد ذلك، أصبح مورتون الذي كان يحمل آنذاك اسم يونس عبد الله محمد، مخبراً يعمل لمصلحة "مكتب التحقيقات الفيدرالية" خلال فترة حبسه. وأطلق سراحه في أوائل عام 2015.

وفي عمله مع همبل ومتطرفين سابقين، يستخدم مورتون تصاميم أبدعها من وحي البروباغاندا التي كان منخرطاً فيها، بهدف التصدي لـ "الجهاديين" واليمينيين المتطرفين عِبْرَ إصدار مجلات مضادة للمتطرفين بواسطة منظمته "شبكات بارالِل".

ويخطط مورتون لنشر الأدبيات التي جرت صياغتها كي تظهر كأنها متطابقة تماماً مع نصوص الخطاب الراديكالي، عبر مواقع الدردشة الشبكيّة التي يستخدمها المتطرفون.

ويأمل مورتون وزملاؤه التغلغل في "غرف الدردشة"، التي يقول عنها همبل إنها المكان الذي غُسِلَ دماغه فيه، وذلك عِبْرَ التصدي للسرديات السائدة فيها.

وكذلك تقاطع الثنائي مورتون وهمبل على القول إن ما تطوّر بينهما من حوار وصداقة، يعطيهما أملاً بوقوع تحول إيجابي ما لدى المتطرفين الحاليين.

وأشار همبل إلى أنه لم يكن ليتصور أبداً أنه سيعمل مع "جهادي" سابق خلال فترة انتمائه إلى "عصبة الدفاع الإنجليزية"، لكنهما وجدا تفاهماً يجمعهما حول تجربتهما مع التطرف المشترك الذي جاءهما من تشوداري.

ويأمل مورتون أن يتطور حوارهما الشخصي كي يصبح خطاباً واسعاً بين الإسلامويين والمنضوين إلى جماعات أقصى اليمين. وأضاف، "إنهم متشابهون بأكثر من كونهم مختلفين".

© The Independent

المزيد من الأخبار