هل تغير موسم الزيتون الفلسطيني في عصر التكنولوجيا؟

اختفى تعيين حراس الزيتون والعونة وبات الانشغال بمتطلبات الحياة العصرية هو المسيطر

"كنا أنا ووالدتي نجمع حبات الزيتون التي تساقطت من إحدى شجراتنا، حين أوقفنا أحد حراس الزيتون، وطلب منا دفع مخالفة" تروي المسنة فاطمة قصة حدثت معها في شبابها، إذ اضطرت لدفع غرامة مقدارها 3 دنانير أردنية آنذاك، لأن عائلتها بدأت بقطف الزيتون قبل الموعد الذي حدده المجلس القروي، وهو 15 أكتوبر (تشرين الأول). وتتابع فاطمة أن المجلس في قريتها كان يعيِّن لجنةً تتكون من مجموعة رجال يُدعَون "المخضّرين" لحراسة الزيتون، ومخالفة كل من يسرق أو يتوجه إلى قطفه قبل الموعد المحدد، مستدركةً في نهاية حديثها أن هذه العادة انتهت في قريتها منذ زمن.
عادات كثيرة اختفت مع تطور الأجيال، حتى علاقة الفلسطيني بزيتونه، كما قال السبعيني أحمد، الذي اعتبر أن الناس هذه الأيام فقدوا العلاقة مع الأرض، ولم يعودوا يعملون فيها، فحين كان صغيراً كان يتوجه وعائلته الممتدة سيراً على الأقدام، أو على الحمير إلى أرضهم الواقعة في سفح الجبل، حيث يمضون طوال النهار، معتمدين على أدواتهم البسيطة من عصي ومفارش، وحقائب توضع على الخصر تسمى "الحُرجِية" لوضع حبات الزيتون فيها، وأكياس الخيش والصناديق وغيرها.


علاقة الشباب بأرضهم ليست كأجدادهم

موسم الزيتون بالنسبة لأحمد كان كالمهرجان، إذ ينشغل الجميع به، فالقرية تصبح شبه خالية من السكان. ويتابع المسن أنهم كانوا ما إن ينتهوا من العمل في أرضهم، حتى ينتقلوا إلى مساعدة أقاربهم وجيرانهم، في القطف والنقل إلى المعصرة والتقليم وغيره، ضمن ما يُعرف بـ"العونة" (اسم التعاون بالعامية)، الذي اختفى تقريباً هذه الأيام بسبب عوامل كثيرة، منها الحداثة وتقسيم الأرض بين الورثة، وابتعاد الجيل الشاب عن العمل في الزراعة كمصدر للرزق بشكل أساسي.
بالنسبة إلى بعض الشباب، فهم أيضاً ينتظرون موسم الزيتون للخروج من أجواء العمل الروتيني والدراسة، وفرصة الاجتماع مع بقية أفراد العائلة وإعداد وجبات الغداء، كالمقلوبة والبندورة المقلية والقهوة والشاي وغيرها على النار المشتعلة باستخدام الأغصان الجافة الملقاة هنا وهناك في الجبال، كما أن بعض الجامعات توفر برامج تطوعية لطلابها لمساعدة المزارعين في موسم الزيتون، ولكن بعض الأشخاص لا يحبون هذا الموسم، ولا يفضلون العمل المباشر في الأراضي الخاصة بهم، لذلك يتوجهون إلى توظيف الأيدي العاملة وتضمين الأرض لأحد الأشخاص، مقابل نسبة معينة من المحصول أو مبلغ من المال.
 

من العجلة الحجرية إلى المعاصر الحديثة

ليست العادات فقط ما تغيّر، بل طرق عصر الزيتون أيضاً، ففي الماضي لم تكن المعاصر متطورة في تقنياتها، فالمستخدمة سابقاً كانت عبارة عن عجلة حجرية ضخمة تسمى "البد" تدور على حبات الزيتون وتهرسها، إضافة إلى أنها كانت تتطلب من العاملين في المعصرة التدخل لنقل الزيتون المهروس إلى مكبس لإخراج الزيت منه، ولكن هذه المعاصر أصبحت نادرة الوجود تقريباً، بسبب ظهور المعاصر الحديثة التي تتميز بسرعتها وتطورها، وعدم قدرتها على استيعاب كميات كبيرة كما هي الجديدة منها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


قلم الزيتون في سلفيت

ربما لم تختف تماماً عادة "المخضّرين"، ففي سلفيت ومنذ مئة عام يحافظ أهل المدينة على تقليد "قلم الزيت"، إذ يجتمع أهل المنطقة كل عام قبل موسم الزيتون، تحت شجرة التوت الكبيرة في الساحة الرئيسية، لمناقشة توقعات المحصول، ويوضح مدير الزراعة في سلفيت إبراهيم الحمد أن كل مزارع يدفع مبلغاً من المال يتراوح عادة ما بين قرشين إلى ثلاثة بالعملة الأردنية عن كل كيلوغرام ينتج، وعلى هذا الأساس يبدأ المزاد، ويستمر لحوالى ساعة، ومن ثم يرسي على أحد المزارعين الذي يجمع الضريبة ويودعها في صندوق اللجنة الزراعية الخاص، مشيراً إلى أن هذا المال يستخدم في ما بعد لدفع أجور تعيين حراس الزيتون، وفتح طرق زراعية وتوسيعها، وخدمات أخرى تقدم للمزارعين، أما الذي سيقوم بهذه المهام كلها فيحصل على الفائض من المبلغ الذي يتم الاتفاق عليه في المزاد.

 

 
الزيتون في مناطق "ج"

يعتبر البعض موسم قطف الزيتون فرصة للمقاومة، فأراضي بعض المزارعين بخاصة في المناطق المصنفة "ج" بحسب اتفاقية أوسلو، يمنع على أصحابها دخولها من دون تصريح خاص من السلطات الإسرائيلية، يكون لأيام محدودة ولأشخاص معينين، كما وأن بعض المزارعين يتعرضون لمضايقات من المستوطنين قد تصل للحرق أحياناً كما حدث في قرية بورين جنوب نابلس، حين أقدم مستوطنون على حرق عدد من الأشجار، لذلك نظمت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان برنامجاً تطوعياً يشمل مناطق كثيرة في الضفة الغربية لمساندة المزارعين، وهذا البرنامج يضم أيضاً طلاباً جامعيين ومتضامنين أجانب.


عدد الأشجار تضاعف والإنتاج قلّ

يستخدم المزارعون عادة مصطلح المعاومة، أي أن الزيتون يكون جيداً في عام وسيئاً في الذي يليه وهكذا، ولكن بشكل عام يقول مدير عام مجلس الزيت والزيتون الفلسطيني فياض فياض إن إنتاج هذه السنة هو الأفضل منذ عام 2007، إذ من المتوقع أن يتراوح ما بين 26-30 ألف طن، لعوامل عدة منها كميات الأمطار وفترات تساقطها واستمراريتها، إضافة إلى الظروف الجوية، ولكن على الرغم من تحسن المحصول إلا أن فياض يوضح أن هناك تراجعاً فيه، ففلسطين كان فيها ستة ملايين شجرة تقريباً تنتج 25 ألف طن، والآن عددها أكثر من الضعف بينما الإنتاج تراجع في معدله إلى 20 ألفاً، وذلك بسبب ضعف الاهتمام بالأشجار لكثرة الانشغال وقلة الأيدي العاملة.
وعلى صعيد تحقيق الاكتفاء الذاتي، يقول فياض إن الزيتون بعد عصره يستخدم منه 12-15 ألف طن من الزيت محلياً، ويصدر منه إلى دول الخليج ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف ونصف طن، في حين يسمح للمسافرين باصطحاب زيتهم إلى الأردن ما بين نوفمبر(تشرين الثاني) ويناير(كانون الثاني) كهدايا للأقارب والأصحاب، إضافة إلى 15 شركة تصدر الزيت إلى أوروبا وأميركا، ولسد العجز في زيتون المائدة، يسمح بالاستيراد من إسرائيل ومصر والأردن.