جنوب لبنان يتحرر من قبضة "الثنائي الشيعي"

احتجاجات شعبية ترفض التبعية رغم أنها تقمع بقسوة ووحشية

يدرك القريب من البيئة الجنوبية في لبنان، أن ما يحصل اليوم من تظاهرات وشتائم موجهة إلى الثنائي الشيعي الحاكم في المنطقة (حزب الله وحركة أمل)، يؤسس لحالة سياسية قديمة جديدة. فتاريخ الجنوب اللبناني لم يكن مرتبطاً بالحركات الإسلامية، ولطالما كان منبعاً للعلمانية والعلمانيين والثقافة المضادة لكل ما هو سائد من أفكار نمطية.

إذاً هي عودة للجذور، لكن السؤال الواجب طرحه، إلى متى ستصمد هذه الحركة الإحتجاجية في وجه هذا الثنائي، بعد خطاب السيد حسن نصرالله اليوم الذي أعطى دعماً جديداً للحكومة، وما فعلته أمس عناصر حركة أمل في النبطية حين تهجمت على المتظاهرين السلميين وطردتهم من أمام السرايا الحكومية، وما فعلته هذه العناصر اليوم في صور، اذ خرجت في تظاهرة مؤيدة لنبيه بري واعتدت على كل من كان ضدها ومن شتم رئيسها.

الانتفاضة

منذ بداية الحراك الشعبي، بدا واضحاً أن الناس نزلت الى الشارع بسبب ما تتعرض له من ضرائب جديدة تثقل كاهلها، وأن التنظيم كان عفوياً. وشهدت هذه التظاهرات خصوصاً في الجنوب اللبناني هتافات ضد رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل نبيه بري وزوجته رندا المسيطرة على غالبية المشاريع التجارية في المنطقة، وشريك أساسي في أي مشروع جديد يعتزم فتح أبوابه في الجنوب.

هي المرة الأولى التي تشهد المنطقة فيها هذا النوع من الهتافات. لطالما كان انتقاد بري سرياً وإذا حصل من بعض الثائرين فالعقاب سيكون حاضراً، كما حصل مع مواطن من بلدة عربصاليم منذ أسابيع، حين انتقد رئيس حركة أمل فكانت جائزته الضرب.

المتظاهرون الذين جالوا المناطق الجنوبية هاتفة "حرامي حرامي، نبيه بري حرامي"، وانتشرت الفيديوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، هم غالباً من الفئة الفقيرة والمحتاجة والقادرة على الانتقاد، والعاطلة من العمل. ولمن لا يعرف كيفية سير الأمور للحصول على وظيفة فهي كالتالي: الدخول الى الدولة يمر عبر حركة أمل، حزب الله غير فعال في المؤسسات، ومن خلال الخدمات التي يقدمها نبيه بري لجمهوره يضمن ولاءه. الدخول الى نادي الضباط يمر عبر الحركة، وعبر دفع مبالغ خيالية، حتى النفس في الجنوب يجب ان يمر من باب الحركة، والا، لا تنفس ولا هواء، كما يعبّر أهل الجنوب.

 

التغاضي

يراقب حزب الله تلك الأفعال، لكنه يتغاضى عنها ويهتم بشأنه العسكري، فهو لم يدخل في مؤسسات الدولة الا حديثاً ولم يستلم وزارات حيوية، كما فعلت حركة أمل، لذلك يساعد جمهوره عبر مؤسساته وخدماته الطبية والاجتماعية. والسؤال هنا: ألا يوجد ثوار في المنطقة؟

حاولت القوى اليسارية في الجنوب التجمع مجدداً، لكن الجمهور الإسلامي الجديد لم يتقبل هذه الأفكار، فكان نشاط هذه التجمعات مقتصراً على الندوات الثقافية والمشاركة في الانتخابات البلدية والنيابية بشكل غير مؤثر. تكمن المشكلة حالياً في عقلية ابن محافظة الجنوب التابع لحزب الله وحركة أمل، وكيفية التخلص من تبعيتهما، فالحركة قادرة على تأمين وظائف لعدد كبير من جمهورها المتعلم، أما الجمهور العادي فالتصفيق والتبعية وظيفيته الأساسية.

أما حزب الله، يتداخل بشكل كبير في المجتمع الجنوبي، اذ يؤمن فرص عمل للعديد من الشبان في معسكراته ومؤسساته التي يديرها، وتتراوح المعاشات ما بين 500 و800 دولار، ويؤمن قروضاً يسيرة لعناصره، وخدمات طبية شبه مجانية والمساعدة بمعونات اجتماعية. إذاً هي دورة حياة شبه كاملة، والموجودون داخلها لا يعني لهم الانتماء الى هذا الوطن، طالما أن الحزب يؤمن احتياجاتهم ويساعد في مصاريف الدفن في حال الاستشهاد في الداخل أو الخارج.

في المقابل، وفي عمل جريء وطليعي، اقتحم المحتجون في بنت جبيل مكتب النائب علي بزي، وفي النبطية هاجموا مكتبي النائبين محمد رعد وهاني قبيسي، وكسروا اللافتات المرفوعة، كما تظاهروا امام منزل النائب ياسين جابر، الذي أطلق عناصره النار في اتجاه المحتجين. ويبقى الحدث الأضخم، احراق المتظاهرين "استراحة صور" التي تملكها بواسطة شركات مموهة رندا بري (زوجة نبيه بري)، منذ تسعينيات القرن الماضي.

تعديات ما كانت لتحصل في الأحلام، لولا الصحوة المتأخرة. تؤشر تلك الأفعال السوسيولوجية والغاضبة الى القرف من الحالة الحالية، وحالة العوز الكبيرة التي تحتاج المواطن الجنوبي، والنفور من التبعية. ويبقى الخوف من عدم استمرار هذه الحالة طويلاً، لما سيتعرض له المحتجين من ترهيب وتخوين واعتداءات جسدية ولفظية من أبناء بيئتهم.

وما حصل في صور ظهر اليوم، إلا الدليل الواضح على ذلك. تظاهرة مؤيدة للرئيس نبيه بري، نزلت لدعمه وتلميع صورته، واعتدت العناصر كما تظهر الفيديوات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي على المتظاهرين السلميين.

ويبقى خطاب حسن نصرالله اليوم، سبباً اضافياً للتجمهر مجدداً في وجه الثائي الشيعي، رفضاً للتبعية والخروج من الدولة المصغرة الى الدولة الكبيرة والمدنية.

المزيد من العالم العربي