الحكومة تترنح... وزراء "القوات اللبنانية" يستقيلون

ليل المتظاهرين يتصل بالصباح وجنبلاط لا يجاري خطوة جعجع

التطورات المتسارعة بسبب الحراك الشعبي الكبير انتهت الى خطوتين سياسيتين. الخطوة الأولى استقالة وزراء حزب "القوات اللبنانية"، والثانية إحجام رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط عن الإنضمام الى صف المستقيلين من الحكومة. فرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، أعلن عند منتصف ليل السبت – الأحد 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بعد اجتماع تكتل "الجمهورية القوية" في معراب، أن التكتل "قرر الطلب من وزرائه التقدم باستقالتهم من الحكومة وتشكيل حكومة جديدة بعيداً كل البعد من الحكومة الحالية"، مؤكداً أن الوزراء الحاليين عاجزون عن اتخاذ الإجراءات المطلوبة لإنقاذ البلاد من الأوضاع الاقتصادية التي تتخبط بها.

ولفت جعجع إلى أن تكتله كان الوحيد المشارك في الحكومة والذي صوت ضد موازنة 2019 لعدم تضمنها البنود الإصلاحية اللازمة، مشيداً بجهود وزرائه الذين أصبحوا مضرب مثل لكثير من الوزراء.

وفي الختام حيا رئيس حزب القوات اللبنانية "الجيش على الدور الحضاري والفعال الذي لعبه في الحفاظ على أمن المتظاهرين والأملاك العامة والخاصة".

أما الأرض كانت تعيش على وقع آخر، ومنذ ساعات الصباح بدأت تزداد أعداد المتظاهرين في كل الساحات اللبنانية، وذلك على خلفية اعتراضهم على ما صدر من السياسيين في الساعات الـ 24 الأخيرة، وذكرت وكالة "رويترز" نزول حوالى مليون و200 ألف لبناني إلى الشوارع كافة.

وشعر المحتجون بالخيبة من مهلة الـ72 ساعة التي أعلنها رئيس الحكومة سعد الحريري، كذلك استهجنوا كلام أمين عام حزب الله حسن نصرالله الذي لا يريد استقالة الحكومة وهو المطلب الأساس لكل المتظاهرين وبعض الأحزاب السياسية. ومنذ الظهر عاد المتظاهرون اللبنانيون إلى شوارع الاعتصام اليوم السبت بعد ليلة من المواجهات التي جرت بين قسم من المشاركين في الاحتجاجات وقوى الأمن اللبنانية في معظم المناطق وتحديداً في وسط العاصمة بيروت، حيث تحركت عناصر مكافحة الشغب لاخلاء ساحة رياض الصلح من الشبان الذين ردوا برشق الحجارة، في وقت أعلنت جمعية المصارف استمرار إغلاق البنوك اللبنانية لليوم الثاني على التوالي.

إلا ان الأمور لم تكن سهلة بالنسبة لكل المحتجين المطالبين برحيل الطبقة السياسية كاملةً، ففيما كانت الأمور أسلس نسبياً في مناطق شمال بيروت، فإنها اتخذت منحىً عنيفاً جداً في الجنوب، وتحديداً في مدينة صور، بعد تسجيل ظهور مسلح لعناصر قيل أنها تابعة لحركة أمل (يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري). واشتبك مناصرو أمل مع شبان حاولوا التجمع للانطلاق للمشاركة في حركة الاحتجاج ضد الطبقة الحاكمة كاملةً، ما أدى إلى وقوع إصابات لم يتضح مداها بعد.
 
استقالة القوات اللبنانية

 

حلول مطمئنة

وفي محاولة لتهدئة غضب الشارع، كان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أعلن أمام زواره اليوم السبت 19 أكتوبر (تشرين الاول) 2019، أنه "سيكون هناك حل مطمئن للأزمة"، في حين اعتبرت مصادر "التيار الوطني الحر" أن "طروحات رئيس الحكومة سعد الحريري مهمة والجديد فيها هو التأكيد على السرعة في التنفيذ"، مرجحة ان "تجري الدعوة لاجتماع الحكومة غداً".

وكان الحريري دعا صباح اليوم ممثلي الكتل الحكومية إلى مشاورات في السراي الحكومي وعلى ضوئها تتقرر الخطوات المقبلة.

لا ضرائب جديدة

في وقت، كتب وزير المالية علي حسن خليل، تغريدة عبر حسابه على "تويتر"، قال فيها "جرى خلال لقائي مع الرئيس الحريري التأكيد على إنجاز الموازنة من دون أية ضريبة أو رسم جديد، وإلغاء كل المشاريع المقدمة بهذا الخصوص من أي طرف، وإقرار خطوات إصلاحية جدية مع مساهمة من القطاع المصرفي وغيره، بما لا يطال الناس بأي شكل ولا يحملهم أية ضريبة مهما كانت صغيرة".

أما رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة فرأى أن "حزب الله يمارس قبضة حديدة على لبنان والحكومة"، معتبراً أن "استقالة الحكومة لا تعني تغييراً حقيقياً كما يريده الناس، بل يجب إلغاء سلطة حزب الله على الدولة"، متحدثاً عن "ثقة منعدمة بين الشعب والمجتمع السياسي".

ولفت السنيورة إلى أن "المخرج يكون بتغيير رئيس الجمهورية أداءه والاعتراف بالخلل الحاصل"، قائلاً "الكرة في ملعب رئيس الجمهورية الذي اعتمد سياسة تهميش الحكومة ورئيسها".

جعجع ينحني أمام الحراك في الجنوب

من جهته، حيا رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع المتظاهرين، وقال "أنصحهم أن يبقوا على إيمانهم وعلى تصميمهم، إلا أنه يجب عليهم الابتعاد عن أي إخلال بالنظام العام، أي التكسير والاعتداء على الأملاك العامة والخاصة، لأنه أمر خاطئ. أما ما تبقى فهو ممتاز ويجب أن نستمر فيه لأن الوضع في البلاد لا يمكن أن يستمر على ما كان عليه"، معتبراً أن "الحراك في الجنوب والبقاع محترم جداً ويجب أن ننحني جميعاً أمامه، باعتبار أنه ليس عملاً بطولياً النزول إلى الشارع في جل الديب أو ذوق مكايل أو البترون أو شكا، إلا أن البطولة يقوم بها من يتحرك في النبطية وصور وكفرّمان وقرى الجنوب المختلفة وقرى البقاع، لأنه واضح أن حزب الله وحركة أمل لا يريدان هذا التحرّك، وعلى الرغم من ذلك نزل الناس إلى الشارع وبقوّة".

واستغرب جعجع التناقض الواضح في كلام الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله الذي قال إن "هناك أزمة ثقة كبيرة بين الناس والدولة"، وعاد بعدها للدعوة إلى بقاء الحكومة.

بدوره، دعا الوزير السابق أشرف ريفي، رئيس الحكومة ورئيس حزب "القوات اللبنانية" ورئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" النائب السابق وليد جنبلاط إلى "الخروج من الحكومة"، قائلاً "الشيعة العرب ينتفضون في وجه المشروع الإيراني"، وتوجه إلى حسن نصر الله قائلاً "سينتصر اللبناني السلمي على سلاحك".

 
وذكرت مصادر مواكبة لحركة الاتصالات التي استؤنفت مساء الجمعة، بعد كلمتَي وزير  الخارجية جبران باسيل ورئيس الحكومة سعد الحريري، أن فترة الـ72 ساعة التي حدّدها الأخير، لن تأتي بمعجزة، بل أقصى ما يمكن الوصول اليه هو بلوغ "حل ترقيعي"، يجري التداول به، ومفاده أن يعلن التيار الوطني الحر موافقته على إحالة مشروع موازنة العام 2020 الى المجلس النيابي بمضمون رقمي يحدّد الواردات والنفقات، ومن دون أن يقترن المشروع بالاصلاحات، على أن تأتي سلّة الاصلاحات عبر مشاريع قوانين على حدة، تُحال على البرلمان في أوقات لاحقة.

 

مسلحون ضد المتظاهرين

في موازاة ذلك، بثّ ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعية مقاطع فيديو تظهر عودة المتظاهرين إلى وسط بيروت بأعداد كبيرة نسبياً مع ساعات الفجر الأولى من دون تسجيل احتكاكات مع قوات الأمن والجيش، بينما كانت ساعات الليل شهدت سقوط جرحى في مناوشات. وتناقل الناشطون مقاطع مصوّرة لمسلحين بلباس مدني ينزلون لفتح إحدى الطرق التي قيل إنها في جنوب البلاد شاهرين بنادقهم بوجه متظاهرين عُزل. ودعا لبنانيون منتشرون في الخارج إلى تحركات غداً الأحد في العواصم العالمية دعماً لحراك الداخل.
 

طرق مقطوعة

وأعلنت إذاعة صوت لبنان ان الطريق السريع (الأوتوستراد) مقطوع في مناطق جبيل والعقيبة وعند مفرق غزير بعد "كازينو لبنان"، كذلك في أدونيس قبالة محلات الحلويات. ولفتت الإذاعة إلى وجود بعض العوائق وآثار الإطارات المشتعلة في منطقة الدورة ذات الكثافة السكانية العالية الواقعة شمال بيروت.
وأعلنت غرفة التحكم المروري عبر حسابها على تويتر ليلاً أنه تم فتح اوتوستراد عدلون محلة ابو الاسود بالاتجاهين، والطريق عند ساحة الدكوانة، شمال بيروت أيضاً.
وكانت غرفة التحكم المروري أفادت ليل الجمعة - السبت أن معظم الطرقات التي كانت قُطعت لم تُفتح بعد سوى في وسط بيروت ورياض الصلح، حيث جرت الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن وسُجل سقوط عشرات الجرحى في صفوف الطرفين.
وبينما أطلقت القوى الأمنية الرصاص المطاط وقنابل مسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين، أطلق هؤلاء المفرقعات تجاه عناصر القوى الأمنية.
وأعلنت قوى الأمن الداخلي أنها أوقفت 70 شخصاً خلال قيامهم بـ"أعمال تخريب وإشعال حرائق وسرقة في وسط بيروت ويجري حالياً توزيعهم على القطعات المختصة لإجراء المقتضى بناءً على إشارة القضاء"، مشيرةً إلى ارتفاع عدد الجرحى من عناصرها إلى 52.
كما أفاد الصليب الأحمر اللبناني بأن فرقه عالجت 160 شخصاً أصيبوا في الاحتجاجات منذ مساء الخميس.
وكان الجيش أوقف اثنين من مرافقي النائب السابق مصباح الأحدب بعدما أطلقوا النار على المتظاهرين في عاصمة شمال لبنان، طرابلس، متسببين بقتل شاب وجرح 3 آخرين على الأقل.

السعودية والبحرين

وفي وقت دعت البحرين مواطنيها الموجودين في لبنان إلى المغادرة فوراً، أعلنت السفارة السعودية “عن نجاح المرحلة الأولى من خطة إدارة الأزمات والطوارئ بهدف إجلاء المواطنين السعوديين وتأمين سلامة وصولهم إلى مطار رفيق الحريري الدولي والتي بدأت عند الساعة الخامسة فجراً”. ‏وشكرت السفارة قيادة الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، آملين في أن ينعم لبنان بدوام الأمن والاستقرار. 

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


حبس أنفاس

في غضون ذلك، يحبس لبنان أنفاسه بعدما أعلن رئيس الحكومة سعد الحريري عن منحه مهلة 72 ساعة لشركائه في الحكومة لتقديم "حل واضح (للأزمة) يقنعنا ويقنع الشارع والشركاء الدوليين" أو "يكون لي كلام آخر"، وذلك بعد مرور 24 ساعة على انطلاق التحركات الاحتجاجية في مختلف المناطق اللبنانية، في حين رد رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل على موقف الحريري، ونقلت أوساطه عنه قوله "ولماذا الانتظار 72 ساعة؟".
وكان المحتجون استعاضوا عن التظاهرة الكبيرة التي فرقتها القوى الأمنية من قلب العاصمة بتظاهرات ليلية متفرقة تجوب في كل المناطق. وفي بعض الأماكن نصب الشبان الخيم في وسط الطرق، وأقام آخرون حفلات غناء وأناشيد وطنية.  


حركة عابرة للطوائف

ويشارك في أكبر احتجاجات يشهدها لبنان منذ سنوات عامة الشعب من مختلف الطوائف والمناطق، في ظاهرة قد تكون غير مسبوقة لناحية اختراق تلك التظاهرات الحواجز المذهبية والمناطقية بين اللبنانيين. ورفع المحتجون لافتات وهتفوا بشعارات تطالب حكومة الحريري بالاستقالة وسقوط كل الطقم السياسي الحاكم، كما كان لافتاً غياب الشعارات والأعلام الحزبية من الشارع، إذ رفع المتظاهرون في كل المناطق الأعلام الوطنية اللبنانية.
وخرجت جموع من المحتجين في القرى والبلدات في جنوب وشمال وشرق لبنان وكذلك العاصمة بيروت ووجهوا انتقادات لكل الزعماء السياسيين مسلمين ومسيحيين من دون استثناء.
وهتف المحتجون في أنحاء البلاد ضد كبار زعماء البلاد ومنهم رئيس الجمهورية ميشال عون والحريري ورئيس البرلمان نبيه بري وطالبوا باستقالتهم.
وامتزج الغضب والتحدي بالأمل في أجواء الاحتجاجات. ومع حلول الليل نظمت حشود تلوح بالعلم اللبناني مسيرات ومواكب سيّارة عبر الشوارع على وقع الأغنيات الوطنية من مكبرات الصوت وهم يهتفون بشعارات تطالب بإسقاط النظام.


أسباب الفساد

 

وكان وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، صهر الرئيس ميشال عون، حذّر يوم الجمعة من القصر الرئاسي في بعبدا، الحكومة من مغبة فرض أي ضرائب جديدة، مطالباً إياها بالعمل على وقف الفساد وتنفيذ إصلاحات طال تأجيلها، منبهاً من أن الاحتجاجات الحاشدة قد تؤدي إلى فتنة.
وقال باسيل "ما يحصل قد يكون فرصة كما يمكن أن يتحول إلى كارثة... ويدخلنا بالفوضى والفتنة".
وفي رده على دعوات المحتجين لاستقالة الحكومة، قال وزير الخارجية إن "البديل عن الحكومة الحالية هو ضباب وقد يكون اسوأ بكثير... الخيار الآخر هو الفوضى بالشارع وصولاً إلى الفتنة".
واندلعت أحدث موجة توتر في لبنان بفعل تراكم الغضب بسبب معدل التضخم واقتراحات فرض ضريبة جديدة وارتفاع تكلفة المعيشة.
وفي خطوة غير مسبوقة هاجم محتجون ينتمون إلى الطائفة الشيعية مقرات نوابهم من جماعة حزب الله وحركة أمل في جنوب لبنان.
وقال فادي عيسي (51 سنة) الذي كان يشارك في الاحتجاج مع ابنه "نزلنا على الشارع ما بقى فينا نتحمل في ظل السلطة الفاسدة، أولادنا ما عندهم مستقبل. الوضع كثير صعب. هذا النظام كله فاسد. كلهم حرامية ما حدا بيشتغل لمصلحة البلد يأتون ليملأوا جيوبهم. هم أصحاب صفقات وسمسرات". وأضاف "ما بدنا استقالة فقط بدنا محاسبة وبدهم يرجعوا المصاري يللي سرقوها ولازم يصير تغيير والشعب هو الذي يستطيع أن يغيّر".


شقير والـ "واتساب"

 
وفي محاولة مشبوهة لزيادة الإيرادات، نُقل عن وزير الاتصالات اللبناني محمد شقير يوم الخميس، خططاً لفرض رسوم جديدة قيمتها 20 سنتاً يومياً على المكالمات الصوتية عبر بروتوكول الإنترنت الذي تستخدمه تطبيقات مثل "واتساب" المملوك لـ"فيسبوك". لكن مع انتشار الاحتجاجات ظهر وزير الاتصالات اللبناني محمد شقير في وسائل إعلام مساء الخميس وقال إن الحكومة سحبت الرسوم المقترحة.
وفي بلد تحكمه حسابات طائفية منذ أمد بعيد يلقي النطاق الجغرافي الواسع على نحو غير مألوف للاحتجاجات، الضوء على تفاقم الغضب بين اللبنانيين. وفشلت الحكومة التي تضم كل الأحزاب تقريباً في تطبيق إصلاحات ضرورية لحل الأزمة.
وضغط حلفاء أجانب على الحريري لإجراء إصلاحات تعهد بها منذ وقت طويل، لكنها لم تتم أبداً بسبب مصالح شخصية.
ويعاني لبنان، الذي شهد حرباً بين عامي 1975 و1990، من أحد أعلى معدلات الدين العام في العالم بالنسبة لحجم الاقتصاد. وتضرر النمو الاقتصادي بسبب النزاعات وعدم الاستقرار في المنطقة. وبلغ معدل البطالة بين الشباب أقل من 35 سنة 37 في المئة.
واستغل ساسة من مختلف الطوائف، معظمهم من المحاربين القدامى الذين شاركوا في الحرب الأهلية، موارد الدولة لمصالحهم السياسية الشخصية، ويمانعون اليوم في التنازل عن مكتسباتهم.

 

 

المزيد من العالم العربي