الاحتجاجات في لبنان لا تشبه ما سبقها

صرخة اللبنانيين كانت متوقعة بين يوم وآخر

خلال ساعات معدودة تغيّر المشهد في لبنان ليقول الشعب كلمته أخيراً بعد كل الضغوط الحياتية والاجتماعية والاقتصادية التي تعرّض لها. أخيراً، أتت انتفاضة اللبنانيين المنتظرة والمتوقعة فانطلقت بتجمعات أقرب إلى العفوية اجتمعت حول مطلب رئيسي هو إسقاط النظام، إضافة إلى مطالب شعب موجوع يسعى إلى أبسط حقوقه المفقودة.

اختلفت الأمور هذه المرّة عما شهدناه سابقاً من تحركات احتجاجية. صرخة الشعب كانت متوقعة بين يوم وآخر، لكن ثمة ما عجّل من حدوثها خصوصاً مع صدى المناقشات بشأن إمكانية فرض ضرائب على المكالمات الصوتية ضمن خدمة الواتسآب.

مناشدات عبر مواقع التواصل حفّزت المواطنين على المشاركة تعبيراً عن الرفض لممارسات السلطة وفسادها. مما لا شك فيه أن هذه الضريبة لم تكن السبب، بل إن الجوع والفقر والبطالة والأوضاع الاقتصادية المتردية جمعت اللبنانيين. وعلى الرغم من تأكيد وزير المالية علي حسن خليل بأن لا ضرائب جديدة في الموازنة 2020، وحرص رئيس الحكومة سعد الحريري على طمأنة المتظاهرين خرج الكل إلى الشارع رافضاً الضرائب في الموازنة الجديدة.

لعلّ النزاعات السياسية بين الزعماء في الفترة الأخيرة والضرائب العديدة التي جرى الحديث عن زيادتها والأحاديث الفتنوية للبعض، مروراً بالحرائق التي قضت على الأخضر واليابس في نسبة مهمة من أحراج لبنان وسلوك السلطة حيال هذا الموضوع وصولاً إلى الضريبة على الاتصال عبر خدمة الواتسآب كلّها عوامل لعبت دوراً في زيادة نقمة اللبنانيين على زعمائهم كافة.

ويبدو واضحاً أن الشعب تخلّى عن طابعه الطائفي والحزبي ليتقدّم تحت راية العلم اللبناني فعبّر البعض بشكل سلمي وأشعل آخرون الإطارات قاطعين الطرقات المختلفة كما لم تخل الساحة من أعمال الشغب المعتادة بوجود المندسين في التظاهرات الشعبية.

 

أحزاب تغيب وزعامات تسقط

بعيداً من الطابع الطائفي الذي ترتديه طرابلس، وفي ظل الفقر والجوع المدقع الذي يهدد أبناءها نزل أبناء المدينة الذين فرقتهم الطوائف سابقاً فجمعهم الجوع والفقر. في هذا المشهد وعلى الرغم من مشاركة الأحزاب ربما من خلال أنصارها، ترك المجال مفتوحاً لهم للتعبير عن وجعهم بحرية بعيداً من راية الحزب والأعلام الحزبية التي غابت هذه المرة عن الساحة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعبّر المواطنون في المدينة عن وجعهم مؤكدين أن ما فرّقهم سابقاً لم يعد له وجود. يتحدث أحد المواطنين مؤكداً أن الكل، على اختلاف الطوائف، يجتمعون اليوم في مطالب موحدة بهدف تأمين أبسط الحقوق لعيش كريم. هذا ولم ينج أي من السياسيين من اتهامات المواطنين بالفساد، وهذا ما يشكل سابقة لم نشهدها في وقت مضى حيث كان يوضع بعض الزعماء في خانة لا تطالها الاتهامات.

ففي الشارع الشيعي انطلق المواطنون بهتافات تطالب باستقالة رئيس مجلس النواب نبيه بري وتنعته بـ"الحرامي" وأخرى في النبطية طالته وزوجته لتتوجه إليه بنعوت مماثلة وهذا ما يشكل سابقة في عقر دار الرئيس. أيضاً وأيضاً من قلب البترون بلدة الوزير جبران باسيل تصاعدت الهتافات المنددة به والمطالبة بتنحيه عن مهامه وموجّهة الشتائم إليه.

 

بين التظاهرة السياسية والمطلبية

لطالما اتخذت التظاهرات الشعبية في لبنان طابعاً سياسياً أو حزبياً، وإن بدأت مطلبية أحياناً. وكان دوماً الزعماء هم الذين يوجهون المتظاهرين بطريقة أو بأخرى. لكن تحركات اليوم تبدو مختلفة إلى حد كبير عن كل التظاهرات التي سبقتها في السنوات السابقة. فيؤكد الناشطون المدنيون والمتظاهرون على اختلاف طوائفهم بأن المطلب المعيشي هو محرّكهم الأساسي لا الزعماء والأحزاب. قد يكون ذلك صحيحاً لكن يبدو طبيعياً أحياناً في بلد كلبنان ينقسم طائفياً وحزبياً أن تتخذ التظاهرات المطلبية الشعبية منحى آخر في مرحلة من المراحل، وإن كانت في معظمها سلمية مطلبية لا تهدف إلا إلى التمرّد على الوضع القائم.

المزيد من العالم العربي