ملخص
في السابق كانت تركيا تمنح مواطني بعض الدول، ومنها إيران، إقامات سياحية مدة عام أو عامين مع إمكان التمديد. وكان على المتقدمين استئجار منزل في إحدى المدن التركية ودفع كلف التأمين والرسوم الإدارية، لكن هذا المسار توقف منذ نحو عامين.
هذه الأيام يعيش كثير من الناس في إيران حالاً بين الخوف والأمل، أمل بانتهاء فترة الظلام ووصول يوم الحرية، وخوف من استمرار الوضع الحالي إذا ما بقي النظام الإيراني. هذه الحال المستمرة من الخوف والأمل أثرت تقريباً في جميع قرارات الأفراد، من أبسط أمور الحياة إلى قرارات كبيرة مثل الهجرة.
التقارير الميدانية وتحليل وضع المجتمع في إيران اليوم يظهران أن آلاف الإيرانيين، على رغم أملهم في يوم الخلاص، يدرسون في الوقت نفسه طرق الهجرة، بعضهم اتخذ خطوات عملية أيضاً لمغادرة إيران. محمد واحد من هؤلاء، فقد دخل تركيا قبل أسبوعين عبر الطريق البري، وهو يعمل الآن في مغسلة سيارات بشكل غير رسمي لكي يتمكن من إرسال المال إلى عائلته. يقول، لا يوجد أي خيار آخر، لو استمررت في ذلك الوضع، لكنت اليوم أجلس وأشاهد جوع أطفالي".
حتى نحو عامين، كان محمد يملك محلاً في أحد أحياء وسط طهران، وكان وضعه المالي متوسطاً. أحياناً كان دخله يغطي فقط إيجار المنزل والمحل، وأحياناً أخرى كان عمله يتحسن. ومع ذلك كانت الحياة تستمر بصعوبة، إلى أن ساءت الأوضاع الاقتصادية بشدة. الشيكات الخاصة به ارتدت واحداً تلو الآخر، وسبق التضخم عمله، وفي النهاية انهار، وهو المعيل لأسرة مكونة من أربعة أفراد.
كان يملك في ذلك الوقت سيارة بيجو 206، فأغلق محله وبدأ العمل في خدمة نقل عبر التطبيقات، لكن عندما حان وقت تجديد إيجار المنزل، طلب منه صاحب المنزل زيادة 500 مليون تومان (نحو 3333 دولاراً) على مبلغ التأمين، ولم يكن يملك هذا المال، فاضطر إلى بيع سيارته التي كانت مصدر دخله الوحيد.
اشترى بما تبقى من المال سيارة قديمة، لكن العمل بها كان، على حد تعبيره، مثل "ضرب الماء في الهاون"، لأن كل ما كان يكسبه يذهب إلى إصلاح السيارة. وفي الوقت نفسه، زادت المشكلة بسبب انقطاع الإنترنت المتكرر، واضطراب نظام تحديد المواقع، وسوء الأوضاع الاقتصادية.
في النهاية لم يتمكن محمد من دفع إيجار شهرين، وعجز عن تأمين نفقات الطعام لطفليه الصغيرين، وأصبح خطر التشرد والجوع يهدد عائلته. لذلك اضطر إلى مغادرة إيران والتوجه إلى تركيا. وهو الآن ينام ليلاً في غرفة صغيرة داخل مغسلة السيارات، ويقول "أنا أيضاً مثل كثيرين آمل أن تحدث أمور جيدة، لكن لم أستطع أن أنتظر حتى ذلك الوقت. إذا رحل هؤلاء، فأنا أيضاً مثل كثيرين آخرين سأعود إلى إيران، أما إذا لم يرحلوا فلن أعود، وسأحاول بأي طريقة أن أجلب عائلتي إلى هنا".
لكن بقاء محمد في تركيا وانضمام عائلته إليه في المستقبل لا يعتمد فقط على قراره، بل يعتمد أكثر من أي شيء على قوانين الهجرة الحالية في تركيا، التي تجعل الحصول على إقامة قانونية له ولعائلته ولكثيرين غيرهم أمراً شبه مستحيل، لأنهم لا يملكون القدرة المالية المطلوبة.
إقامات وهمية ومبالغ خيالية في تركيا
في السابق كانت تركيا تمنح مواطني بعض الدول، ومنها إيران، إقامات سياحية مدة عام أو عامين مع إمكان التمديد. وكان على المتقدمين استئجار منزل في إحدى المدن التركية ودفع كلف التأمين والرسوم الإدارية. لكن هذا المسار توقف منذ نحو عامين، واضطر المتقدمون إلى التوجه إلى طرق أخرى مثل الحصول على تصريح عمل أو إقامة دراسية أو شراء عقار.
وفي الوقت نفسه ازدهرت سوق الأشخاص والشركات الذين يدعون قدرتهم على الحصول على إقامات عبر هذه الطرق. وفي هذا السياق وقع كثيرون ضحية للسماسرة وتعرضوا للاحتيال. كما أن كثيرين، على رغم أعوام من العيش في تركيا، عادوا إلى إيران.
وفي ظل الغلاء الشديد وتعطل الأعمال والضيق المالي الكبير، وحتى تأثر وجبات الطعام لكثير من الإيرانيين، فإن الرغبة في الهجرة واتخاذ خطوات نحوها في تزايد مستمر.
يمكن ملاحظة هذا الاتجاه من خلال الكم الكبير من الرسائل في مجموعات "تيليغرام"، وكذلك من خلال الحديث مع بعض العاملين في مجال خدمات الإقامة في تركيا، فقد ذكر اثنان منهم في مدينتي إسطنبول وأنطاليا أن عدد المتقدمين للحصول على الإقامة أو طلب الاستشارة ازداد بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة.
أحدهم، ويدعى أفشين، تلقى خلال أسبوع واحد فقط أكثر من 50 اتصالاً من أشخاص مختلفين يسألون عن أرخص طرق الحصول على إقامة في تركيا، وكان الجواب أن أرخص إقامة سنوية تكلف بين 1000 و2000 دولار.
ومن الطرق الشائعة حالياً الإقامة الدراسية، حيث يقوم المتقدم بدفع رسوم عام دراسي في الجامعات الخاصة، التي تراوح ما بين 2000 و4 آلاف دولار، من دون أن يحضر فعلياً في الصفوف، ويستفيد فقط من ميزة الإقامة. بعض هؤلاء يدخلون سوق العمل غير الرسمية في تركيا، والبعض الآخر يعتمد على العمل عبر الإنترنت لكن المشكلة الرئيسة أن هذه الإقامة غالباً لا يمكن تمديدها، لأن الطالب لم يحضر في العام الأول.
الطريقة الثانية هي شراء عقار، حيث تنص القوانين التركية على شراء عقار بقيمة لا تقل عن 200 ألف دولار. وعلى رغم أن عدداً كبيراً من الإيرانيين حصلوا على الإقامة بهذه الطريقة في الأعوام السابقة، فإن هذا الخيار أصبح الآن بعيداً من متناول كثيرين فقدوا أموالهم بسبب الأوضاع الاقتصادية في بلدهم.
الطريقة الثالثة، التي يجري الترويج لها كثيراً هذه الأيام، هي الحصول على إقامة عبر تصريح العمل. في هذا النموذج، يقوم الوسطاء بالتعاون مع شركات كبيرة وفنادق في تركيا بالحصول على تصريح عمل مقابل مبلغ يراوح ما بين 2000 و4500 دولار. ومع ذلك، يجب على المتقدم أيضاً دفع كلف التأمين التي تبلغ نحو 12 ألف ليرة (265 دولاراً) شهرياً.
وهناك طريقة أخرى، إذ يحصل الوسطاء على عمولة مقابل تقديم العمال الجدد إلى أصحاب العمل في القطاع غير الرسمي وغير القانوني، وغالباً ما تكون العمولة مساوية لراتب شهر واحد. وفي جميع هذه الطرق يجري دفع المبلغ كاملاً في البداية، ويذهب جزء كبير منه إلى الوسطاء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والنقطة المهمة هي أن صعوبة الحياة في إيران تحولت بالنسبة إلى بعض الأشخاص والشركات في تركيا إلى مصدر دخل، وهم يستفيدون منها. ويعتقد أحد العاملين في مجال السياحة للإيرانيين في تركيا أن هذه الدورة تجري بعلم وتعاون الجهات المعنية، لأنها أصبحت مصدراً للربح.
ويقول "لا أستطيع أن أصدق أن إدارة الهجرة في تركيا لا تعلم أن الجامعات الخاصة والفنادق الكبيرة تحصل على أموال ضخمة مقابل إقامات شكلية للإيرانيين. هذا أمر لا يمكن أن يخفى على الدولة".
محمد، لكي يحصل على إقامة قانونية في تركيا، عليه اختيار أحد هذه الطرق: إقامة سياحية مع خطر الرفض، أو إقامة دراسية لا يمكن تمديدها، أو تصريح عمل مكلف. ويقول، "حالياً يمكنني البقاء ثلاثة أشهر بشكل قانوني. آمل أن يحدث تغيير كبير وأرجع، لكن إذا لم يحدث أي تغير، سأعود إلى إيران، أبيع سيارتي، وأحضر المال إلى هنا للحصول على إقامة عمل".
يعلم محمد أن راتبه في تركيا، مع كلف التأمين الشهرية، لا يسمح له باستئجار منزل في الوقت الحالي، لذلك يضطر إلى السكن مع شخص آخر، لكن هذا يتيح له في الأقل إرسال بعض المال إلى عائلته. ببساطة محمد واحد من ملايين الإيرانيين الذين فقدوا كل ما لديهم بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة، وهم يعيشون بين الخوف والأمل، ويدركون أن البطالة والفقر يشكلان تهديداً حقيقياً للحياة، وهو تهديد يعيشه الإيرانيون بشكل مباشر، بينما يتجاهله من يدعون الدفاع عن حقوق الإنسان.
وبالنظر إلى هذه الظروف، يمكن القول إنه بقدر ما قد تؤدي حرية إيران إلى عودة جماعية للإيرانيين في الخارج، فإن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي أيضاً إلى أكبر موجة هجرة في هذا القرن.
نقلا عن "اندبندنت فارسية"