ملخص
يرى اقتصاديون أن الاقتصاد البريطاني يواجه واحدة من أكثر مراحله تعقيداً في الأعوام الأخيرة، مع تزايد الضغوط الناتجة من ارتفاع أسعار الطاقة وكلفة الاقتراض، في وقت لا يزال فيه النمو هشاً وغير قادر على امتصاص هذه الصدمات.
بين صدمة الطاقة وحرب إيران وارتفاع الفائدة، تدخل لندن واحدة من أعقد مراحلها الاقتصادية، إذ تتقاطع حسابات الأسواق مع ضغوط الشارع، ويتحول الدين من رقم في دفاتر الخزانة إلى قوة تحدد مسار السياسة نفسها.
في بريطانيا اليوم لا يبدو الدين العام رقماً في دفاتر الخزانة بقدر ما صار مرآة واسعة تعكس مأزق الاقتصاد والسياسة معاً، فكل جنيه إضافي تقترضه الحكومة لا يذهب فقط إلى تمويل عجز حاضر، بل يضيف طبقة جديدة إلى نقاش أعمق حول قدرة الدولة على الوفاء بتعهداتها الاجتماعية، وتمويل خدماتها العامة، وحماية الأسر من غلاء المعيشة، من دون أن تصطدم بجدار أسواق السندات التي باتت أكثر حساسية تجاه أي انحراف مالي.
أوائل ستينيات القرن
تقترب المديونية البريطانية من مستوى 4 تريليونات دولار، بعدما بلغ صافي الدين العام نحو 2.9 تريليون جنيه استرليني (3.9 تريليون دولار). وبحسب أحدث بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، وصل الدين العام إلى 93.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية مارس (آذار) الماضي، مقارنة بمستوى 93.1 في المئة بنهاية فبراير (شباط) السابق عليه، وهو نطاق لم تعرفه بريطانيا منذ أوائل ستينيات القرن الماضي.
هذا الرقم لا يقف وحده، ففي السنة المالية المنتهية في مارس الماضي بلغ الاقتراض العام 132 مليار جنيه استرليني (178.6 مليار دولار)، وهو أقل بنحو 19.8 مليار جنيه استرليني (26.7 مليار دولار)، أو 13.1 في المئة من السنة المالية السابقة، كما جاء أقل بنحو 700 مليون جنيه استرليني (947.1 مليون دولار) من توقعات مكتب مسؤولية الموازنة البالغة 132.7 مليار جنيه استرليني (179.6 مليار دولار)، لكن هذا التحسن النسبي لا يكفي لتغيير الصورة الكبيرة، إذ لا يزال الاقتراض مرتفعاً، ولا تزال كلفة الدين تلتهم مساحة متزايدة من الإنفاق العام.
لم تصل بريطانيا إلى هذه النقطة بسبب عامل واحد، بدأت الحلقة الأشد وضوحاً مع الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين اضطرت الحكومة إلى ضخ أموال ضخمة لإنقاذ البنوك وتحفيز الاقتصاد، ثم جاءت أعوام ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي بما حملته من ارتباك في الاستثمار والتجارة وسعر الصرف، قبل أن تضرب جائحة "كوفيد-19" المالية العامة ببرامج دعم واسعة شملت الأجور والشركات والقطاع الصحي.
ومن هنا يرى اقتصاديون أن الاقتصاد البريطاني يواجه واحدة من أكثر مراحله تعقيداً في الأعوام الأخيرة، مع تزايد الضغوط الناتجة من ارتفاع أسعار الطاقة وكلفة الاقتراض، في وقت لا يزال فيه النمو هشاً وغير قادر على امتصاص هذه الصدمات.
وفي السياق قال مدير المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، ديفيد أيكمان، في تصريحات لصحيفة "الغارديان"، إن الصدمة الأخيرة تمثل ضربة مباشرة لجهود الحكومة في إعادة الاقتصاد إلى مسار النمو، مشيراً إلى أن بريطانيا لا تزال شديدة التعرض لتقلبات أسواق الطاقة العالمية. وأضاف أن استمرار ارتفاع الأسعار سيترك أثراً مزدوجاً، إذ سيجعل الأسر أكثر فقراً، في وقت تواجه فيه الشركات ارتفاعاً متسارعاً في كلف التشغيل.
ومن جانبه حذر نائب مدير المعهد نفسه، ستيفن ميلارد، من أن التوقعات الحالية للأسواق قد تكون أكثر تفاؤلاً مما ينبغي، لافتاً إلى أن الرهان على تراجع أسعار النفط إلى نحو 65 دولاراً خلال عامين يبدو غير واقعي في ظل المعطيات الراهنة. وأوضح أن استمرار الضغوط التضخمية قد يدفع بنك إنجلترا إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، مما يضع صناع القرار أمام معادلة صعبة بين دعم النمو والسيطرة على التضخم.
منذ ذلك الوقت، لم يعد الاقتراض أداة استثنائية لإدارة أزمة عابرة، بل تحول إلى جزء ثابت من معادلة الحكم، ومع كل صدمة جديدة، من التضخم إلى أسعار الطاقة، تضيق المسافة بين ما يطلبه الناخبون من إنفاق وحماية اجتماعية، وما تسمح به الأسواق المالية من تمويل بكلفة مقبولة.
عبء مؤجل
تزداد حساسية هذا الملف لأن المشكلة لم تعد في حجم الدين فحسب، بل في كلفة خدمته، فمع ارتفاع أسعار الفائدة، أصبحت الحكومة تنفق نحو جنيه واحد من كل 10 جنيهات (13.5 دولار) على فوائد الاقتراض، وهذه النسبة تكشف عن أن الدين لم يعد عبئاً مؤجلاً للأجيال المقبلة فحسب، بل كلفة حاضرة تزاحم الإنفاق على الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي.
وفي فبراير الماضي، بلغ صافي الاقتراض العام، أي الفرق بين إجمال إنفاق القطاع العام وإيراداته، نحو 14.3 مليار جنيه استرليني (19.3 مليار دولار)، بزيادة قدرها 2.2 مليار جنيه استرليني (2.9 مليار دولار) مقارنة بفبراير 2025، ويرجع ذلك بصورة رئيسة إلى توقيت مدفوعات فوائد الدين الحكومي. وكان هذا ثاني أعلى مستوى اقتراض في فبراير منذ بدء تسجيل البيانات عام 1993، بعد عام 2021.
وخلال السنة المالية حتى فبراير الماضي بلغ إجمال الاقتراض نحو 125.9 مليار جنيه استرليني (170.1 مليار دولار)، بانخفاض 11.9 مليار جنيه استرليني (16 مليار دولار)، أو 8.7 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. ومع ذلك، ظل هذا الرقم رابع أعلى مستوى اقتراض للفترة من أبريل (نيسان) 2025 إلى فبراير الماضي على الإطلاق، من دون احتسابه معدلاً بالتضخم.
وفي سياق متصل بكلفة الفائدة، قال الاقتصادي في "جيه بي مورغان"، ألان مونكس، إن ضغوط الأسعار في قطاع الخدمات جاءت أقوى من المتوقع، وهو ما يعكس استمرار الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد. وأوضح أن هذه المؤشرات تضع بنك إنجلترا أمام تحد كبير، إذ يصبح التحكم في التضخم أولوية، حتى لو جاء ذلك على حساب النمو.
لكن في المقابل، يرى كبير اقتصاديي المملكة المتحدة في "كابيتال إيكونوميكس"، بول ديلز، أن ضعف النشاط الاقتصادي قد يشكل عاملاً موازناً، إذ يحد من قدرة الشركات على تمرير زيادات الأسعار، مما قد يقلل من احتمالات استمرار موجة التضخم فترة طويلة، ويعكس هذا الرأي حال الانقسام بين المتخصصين حول المسار المتوقع للسياسة النقدية.
هل باتت السندات البريطانية على المحك؟
إلى ذلك، يشير المحلل المالي صالح طربية بالقول إن سوق السندات في المملكة المتحدة عدّت من الأكثر تقلباً بين دول مجموعة السبع، ويرجع ذلك إلى عدم الاستقرار السياسي وضعف النمو الاقتصادي.
وذكر أن الحكومة الحالية لا تملك سوى خيارين: فرض الضرائب والإنفاق، فقبل حرب إيران، كان من المتوقع أن يخفض "بنك إنجلترا" أسعار الفائدة مرتين على الأقل في عام 2026، لكن الآن، وبسبب ارتفاع أسعار الطاقة، صعدت توقعات التضخم إلى 4 في المئة، أي ضعف الهدف الذي حدده بنك إنجلترا.
تحذير اقتصادي
وحذّر المستثمرون في السندات الحكومية (Gilts) الأحزاب السياسية من التوجه نحو اليسار أو التخلص من ستارمر، وإلا فإن سوق السندات في المملكة المتحدة قد تواجه كارثة مالية، والمستثمرون ليست لديهم رغبة في إقراض الحكومة البريطانية. وأكد أن وزارة الخزانة تواجه عجزاً يُقدّر بـ16 مليار جنيه استرليني (13.54 دولار)، وإذا لم ينمُ الاقتصاد، ستضطر وزيرة الخزانة ريفز إلى رفع الضرائب مرة أخرى، ما سيؤدي إلى ركود تضخمي، مضيفاً "إنها حلقة مفرغة بلا نهاية والديون تلاحق لندن لفترة طويلة".
مستويات ما قبل الأزمات
قدر صافي الاقتراض في السنة المالية حتى فبراير الماضي بنسبة 4.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بانخفاض 0.6 نقطة مئوية عن الفترة نفسها من العام الماضي، قبل أن تشير بيانات مارس إلى أن الاقتراض في السنة المالية الكاملة بلغ 4.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، منخفضاً 0.9 نقطة مئوية عن السنة المالية السابقة، لكنه لا يزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل الأزمات.
وفي الموازنة الجارية، أي الاقتراض الموجه لتمويل الإنفاق التشغيلي اليومي، بلغ العجز نحو 5.1 مليار جنيه استرليني (6.8 مليار دولار) في فبراير الماضي. وبهذا وصل إجمال العجز الجاري في السنة المالية حتى فبراير إلى 62.1 مليار جنيه استرليني (83.9 مليار دولار)، بانخفاض قدره 16.7 مليار جنيه استرليني (22.5 مليار دولار)، أو 21.1 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
لكن هذا الانخفاض لا يعني أن الدولة تخلصت من حاجتها إلى الأسواق، إذ بلغ صافي الاحتياج النقدي للحكومة المركزية نحو 9.1 مليار جنيه استرليني (12.3 مليار دولار) في فبراير الماضي، وهو ما يمثل المبالغ الإضافية التي يتعين جمعها من الأسواق المالية لتمويل أنشطة الحكومة.
التزامات مالية
أما صافي الالتزامات المالية للقطاع العام، فقدر بنحو 82.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي أقل بنحو 10.6 نقطة مئوية من صافي الدين العام. وهذه الفجوة بين المقاييس المختلفة لا تلغي جوهر الأزمة، لكنها توضح أن قراءة الدين تحتاج إلى أكثر من مؤشر واحد لفهم قدرة الدولة على التمويل والاستدامة.
ولا تقف الأزمة عند الخزانة البريطانية، فالديون الشخصية في المملكة المتحدة ارتفعت إلى نحو 1.85 تريليون جنيه استرليني (2.5 تريليون دولار) حتى أبريل 2024، مع زيادة ملحوظة في مديونية الأفراد سنوياً، وهذا يعني أن الضغوط المالية لا تتحرك في اتجاه واحد من الحكومة إلى الأسواق، بل تمتد إلى الأسر التي تواجه في الوقت نفسه ارتفاع الأسعار وكلفة الرهن العقاري وفوائد القروض.
وعندما تكون الحكومة مثقلة بفوائد الدين، وتكون الأسر مثقلة بفوائد ديونها الخاصة، يصبح الاقتصاد كله أقل قدرة على امتصاص الصدمات، فالاستهلاك يتباطأ، والاستثمار يتردد، والإنفاق العام يصبح محكوماً بقيود أشد، بينما تبقى الخدمات الأساسية مثل هيئة الخدمات الصحية الوطنية تحت ضغط متزايد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي جانب آخر من الاقتصاد، أشار كبير الاقتصاديين في مؤسسة Nationwide، روبرت غاردنر، إلى أن سوق الإسكان أظهرت قدراً من الصمود خلال أبريل الماضي، على رغم ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع ثقة المستهلكين. إلا أن هذا التعافي، بحسب قوله، لا يعكس بالضرورة تحسناً شاملاً، بل يكشف عن تباين واضح بين أداء القطاعات الاقتصادية المختلفة.
في قلب هذه المعادلة تقف أسواق السندات، فالحكومة التي تصدر عملتها لا تفلس بالمعنى التقليدي، لكنها لا تتحرك خارج حسابات المستثمرين، وعندما تبيع الخزانة سندات لتمويل العجز، يطلب المستثمرون عائداً يعكس تصورهم للأخطار، وكلما ارتفعت الأخطار الاقتصادية أو السياسية زاد العائد المطلوب.
ولهذا تبدو عوائد السندات البريطانية، التي تجاوزت خمسة في المئة، علامة سياسية واقتصادية في آن، فهي أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وتعكس قلقاً من مزيج يجمع بين التضخم وضعف النمو واتساع العجز وحساسية المشهد السياسي، وبذلك تصبح الأسواق طرفاً غير معلن في صنع السياسة، لأنها تحدد عملياً كم تستطيع الحكومة أن تقترض وبأي كلفة.
على الصعيد المالي، حذر رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية في مجلس اللوردات، ستيوارت وود، من هشاشة الإطار المالي الحالي، داعياً إلى بناء هوامش مالية أكبر لمواجهة الصدمات، بدلاً من الاعتماد على الاقتراض المستمر، وأكد أن استمرار هذا النهج يزيد من تعرض الاقتصاد لأخطار الأسواق، خصوصاً مع ارتفاع كلفة التمويل.
أشارت اللجنة في تقريرها إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت من 61 في المئة في 2009–2010 إلى نحو 95 في المئة في 2025–2026، في مؤشر واضح إلى تراكم الضغوط المالية عبر أعوام، مما يعكس أن التحدي الحالي ليس ظرفياً، بل نتيجة مسار طويل من التوسع في الاقتراض.
زيادة اقتراض
هذه النقطة هي جوهر المعضلة التي طرحها الكاتب الاقتصادي لاري إليوت في "الغارديان"، حين أشار إلى التوتر بين ما يريده الناخبون وما تسمح به أسواق السندات، فالناخب يريد حماية من ارتفاع فواتير الطاقة والرهن العقاري وكلفة المعيشة، بينما ترى الأسواق أن زيادة الاقتراض قد تعني مزيداً من التضخم ومزيداً من الأخطار.
ولو كان النمو البريطاني قوياً، لكان الدين أقل إثارة للقلق، فالدولة تستطيع أن تتحمل مديونية مرتفعة إذا كان الاقتصاد يتوسع بسرعة كافية، وتزداد الإيرادات الضريبية معه، لكن المشكلة أن بريطانيا تعاني منذ أعوام ضعفاً مزمناً في الإنتاجية، وتراجعاً في الاستثمار مقارنة باقتصادات كبرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا.
مرحلة ما بعد "بريكست" أضافت طبقة جديدة من عدم اليقين إلى تدفقات الاستثمار الأجنبي والتجارة، بينما تواجه سوق العمل نقصاً في المهارات وارتفاعاً في كلفة التوظيف، والنتيجة أن الاقتصاد لا يولد زخماً كافياً يسمح بخفض نسبة الدين إلى الناتج من طريق النمو وحده.
وتزيد هيمنة قطاع الخدمات، خصوصاً الخدمات المالية في "سيتي أوف لندن"، من تعقيد الصورة، وصحيح أن هذا القطاع يمنح بريطانيا عمقاً مالياً وتأثيراً عالمياً، لكنه يجعل الاقتصاد أكثر تعرضاً للتقلبات المالية، في وقت تراجعت فيه مساهمة القاعدة الصناعية، وبرزت حاجة أكبر إلى تنويع مصادر النمو.
وتعزز هذه المخاوف ما جاء في تقرير المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية الربيعي الصادر في أبريل الماضي، الذي خفض توقعات نمو الاقتصاد البريطاني إلى 0.9 في المئة خلال 2026 وواحد في المئة في 2027، على رغم دخوله العام بزخم أفضل من المتوقع. غير أن التقرير أشار إلى أن هذا الزخم لن يكون كافياً للصمود أمام صدمة الطاقة، مع توقع تباطؤ النشاط الاقتصادي بصورة واضحة خلال النصف الثاني من العام.
وعلى المستوى الدولي، يبقى الدين البريطاني مرتفعاً مقارنة بالدول المتقدمة، إذ يتجاوز 95 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في بعض المقارنات الأوسع، مع أخطار إضافية مرتبطة بالاعتماد المتزايد على الديون قصيرة الأجل في بيئة مالية متقلبة.