Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشهد الغوغاء في إيبسوم البريطانية... الشعبوية تتقدم

الاحتجاجات وأعمال العنف التي أعقبت حادثة اغتصاب مزعومة، تبين عدم صحتها، كانت نتيجة لتحريض مارسه أفراد من اليمين المتطرف وتعد مؤشراً مقلقاً إلى تنامي النزعة الشعبوية في المملكة المتحدة

شهدت بلدة إبسوم في إنجلترا احتجاجات على خلفية مزاعم اغتصاب (غيتي)

ملخص

حادثة اغتصاب مزعومة في بريطانيا تحولت إلى موجة غضب شعبوي غذتها معلومات مضللة وتحريض من اليمين المتطرف، قبل أن يتبين عدم وقوع جريمة أصلاً. تكشف الواقعة هشاشة الثقة بالمؤسسات، وكيف تستغل الفوضى المعلوماتية لإشعال الشارع وخدمة أجندات سياسية على حساب الحقيقة.

في وقت سابق من أبريل (نيسان) الماضي، تعرضت شابة على ما يبدو لارتطام في الرأس عقب سهرة ليلية في بلدة إبسوم في مقاطعة ساري جنوب غربي لندن. وبفعل حال الارتباك التي انتابتها، أبلغت الشرطة بأنها تعتقد أنها كانت ضحية اغتصاب، قبل أن تكشف التحقيقات لاحقاً أن شيئاً من ذلك لم يحدث.

وقد استغرق الأمر تسعة أيام قبل أن تخلص شرطة المقاطعة إلى استنتاج مفاده أن الشابة كانت - بصراحة ومن دون مواربة - تتوهم أشياء عندما ادعت أنها تعرضت لاغتصاب جماعي خارج كنيسة تابعة للمذهب الميثودي البروتستانتي.

إلا أن تلك الأيام التسعة كانت كافية لنجاح بلطجية تيار اليمين المتطرف في تأجيج الكراهية وزرع الخوف والتحريض على الفوضى في الشارع. فقد انبرى خلال تلك الفترة عدد من المدونين والمؤثرين والصحافيين من الدرجة الثانية، إلى الترويج بقدر واضح من التشفي، لنظريات المؤامرة والعنصرية القذرة. وانضمت إلى هؤلاء شخصيات سياسية ووسائل إعلام رئيسة، كان يفترض أن تتحلى بمقدار أكبر من المسؤولية والوعي.

بتعبير آخر، نحن أمام نموذج معاصر عن فوضى المعلومات، وكيف تعلم الشعبويون التقاط لحظات الارتباك واستغلالها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لفهم ما حدث في بلدة إبسوم عام 2026، لا بد من العودة إلى حوادث الطعن التي وقعت في بلدة ساوثبورت في مقاطعة ميرسيسايد عام 2024. ففي أعقاب مقتل ثلاثة أطفال صغار، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي موجة واسعة من التكهنات والمعلومات المضللة، خصوصاً عبر منصة "إكس" المملوكة لقطب الأعمال إيلون ماسك.

وانتشرت على نطاق واسع ادعاءات كاذبة في شأن هوية المنفذ، تحديداً أنه مهاجر مسلم، ووصلت إلى مئات الملايين من المستخدمين. تبع ذلك اندلاع أعمال شغب في الشوارع ومحاولات لاقتحام مراكز إيواء مهاجرين. وكانت المشاهد مروعة للغاية.

اجتمعت أجهزة الشرطة وخلصت إلى أنه بدلاً من ترك فراغ في المعلومات يمكن أن يملأه أصحاب النيات السيئة، ينبغي عليها النظر في الكشف عن إثنية المشتبه فيهم وجنسيتهم. وقد شهدنا هذا الأسبوع مثالاً على ذلك، عندما خرجت الشرطة عن الأعراف السابقة وأفصحت عن جنسية ووضع الإقامة القانوني للمشتبه فيه الصومالي المولد، الذي احتجز على خلفية الهجمات التي وقعت في ضاحية "غولدرز غرين" شمال لندن (حيث جرى طعن شخصين يهوديين قبل أيام).

لقد سارع عضو مجلس اللوردات البريطاني عن حزب "المحافظين" وكاتب مقالات في صحيفة "التايمز" دانيال فينكلستاين إلى إدانة التحرك الذي أعقب أحداث ساوثبورت عام 2024، واصفاً إياه بأنه "مسار بائس لا ينبغي السير فيه". وتوقع أن الشرطة لن تكون قادرة أبداً على الكشف عن قدر كافٍ من المعلومات لإرضاء رواد وسائل التواصل الاجتماعي أو مثيري الشغب المحتملين، "حتى على افتراض أن الحقيقة نفسها كانت لترضيهم"، وقد أثبتت الوقائع لاحقاً صحة هذا التقدير.

فينكلستاين ختم بالقول إن "العيش في مجتمع متعدد الثقافات هو أمر صعب بما فيه الكفاية، من دون الحاجة إلى تأجيج مشاعر الاستياء الكامنة لدى بعض البيض التي تزعم بأنهم يتعرضون للظلم والقمع على يد نظام عدالة مزدوج المعايير. كذلك فإن أي مجتمع لا يتحسن عندما يقال للذين يدعون إلى إحراق فنادق، بأنهم ربما يكونون محقين إلى حد ما".

نعود إلى أبريل (نيسان) الماضي، فقد وجدت شرطة مقاطعة ساري نفسها في موقف محرج يتمثل في التحقيق في جريمة لم تقع أساساً. لذا يمكن تفهم ترددها إلى حد ما في نشر معلومات حول هوية الشخص الذي كانت تبحث عنه.

لم يكن أي من ذلك يعني شيئاً لـداني تومو (واسمه الحقيقي دانييل توماس) - المرتبط بتومي روبنسون الزعيم السابق لـ"رابطة الدفاع الإنجليزية" English Defence League [حركة احتجاجية يمينية متطرفة تناهض ما تسميه "التطرف الإسلامي"] - الذي روج للحدث عبر الإنترنت، وكان قد سجن سابقاً مدة عامين لمحاولته اختطاف رجل تحت تهديد السلاح في مقاطعة هامبشير.

نجح توماس في إثارة غضب شديد: فقد تم تنظيم احتجاجات غاضبة عبر الإنترنت، شملت اقتحام فندق اشتبه على نطاق واسع (لكن بصورة خاطئة) في أنه كان يستضيف مهاجرين. ووعد عبر حسابه على منصة "إكس" بأن الإنجليز البيض سيجبرون في وقت قريب على القيام بـ"أفعال سيئة للغاية". وقد عملت الشرطة على الانتشار بأعداد كبيرة للحفاظ على النظام.

يمكن تخمين ما حدث بعد ذلك. فقد تحولت منصة "إكس" إلى ساحة خصبة لاستثارة الغضب، بحيث وصلت بعض المنشورات الفردية إلى أكثر من نصف مليون مستخدم. وعلى قناة "توك تي في" TalkTV، أجريت مع المحقق السابق في "شرطة العاصمة" بيتر بليكسلي مقابلة متساهلة، انتقد فيها قوى إنفاذ القانون في مقاطعة ساري بشدة، مدعياً أن ما يحدث هو "ذروة الازدواجية في تطبيق القانون... الشرطة ببساطة غير صادقة. إنهم يكذبون، وهم الشرطة نفسها".

وكالعادة، لم يستطع مرشح حزب "ريفورم" ومقدم البرامج في قناة "جي بي نيوز" GB News مات غودوين مقاومة الانتظام في السجال، مطالباً بمعرفة سبب "حرمان السكان المحليين من الحقيقة" في شأن "جريمة محلية بشعة". وغودوين، لا بد من التذكير، كان يوماً أكاديمياً.

وخصصت مجلة "سبيكتاتور" التابعة لمايكل غوف ألف كلمة للكاتب الليبرالي المثير للجدل بريندان أونيل، ليكتب بتعاطف عن غضب السكان المحليين، ملمحاً بقوة إلى أن مرتكبي الاعتداء كانوا مهاجرين سمر البشرة. وهو أيضاً اشتكى من "ازدواجية تطبيق القانون".

وادعى أونيل أنه رصد "تحولاً بطيئاً للشرطة من هيئة مهمتها حفظ الأمن إلى هيئة دورها الأساس هو فرض إملاءات سياسات الهوية". وقال متسائلاً: "هل أصبحت أجهزة الشرطة لدينا الذراع المسلحة لأيديولوجية النخب المثقفة، والمنفذ المسلح بالهراوات لما تسمى الأخلاقية ’التقدمية‘؟".

ثم - وفي توقيت متوقع - دخل روبرت جينريك، أحد وجوه حزب "ريفورم" على الخط. وبينما كانت شرطة مقاطعة ساري لا تزال تفحص تسجيلات كاميرات المراقبة وتجري تحقيقات ميدانية، طالبها عبر حسابه على منصة "إكس" بأن "تعلن المستجدات على الفور" في شأن "حادثة الاغتصاب المروعة". للتذكير، فإن السيد جينريك تولى في السابق منصب وزير العدل.

حتى بعد إعلان الشرطة عدم وقوع جريمة، خصص دان ووتون نجم قناة "جي بي نيوز" السابق، حلقة من "البودكاست" الذي يقدمه، للتلميح إلى احتمال تعرض "امرأة من السكان الأصليين" للاغتصاب على يد عصابة من المهاجرين.

لم يبد ووتون اهتماماً يذكر ببيان للشرطة الذي ينفي ذلك، معتبراً أنها منشغلة حتى الهوس بـ"ما يسمى التماسك المجتمعي". وأضاف متسائلاً: "بعد أعوام طويلة من التستر المؤسسي وإخفاء الأدلة، كيف يمكن أن نتوقع من السلطات أن تقول لنا الحقيقة؟".

من وجهة نظره، كان تومي روبنسون مصدراً أكثر صدقية، إذ دأب على نشر مقاطع فيديو لمحتجين يصرخون خارج فندق قيل إنه يؤوي "غزاة". وعرض ووتون بسخرية مقطعاً لأحد عناصر شرطة مقاطعة ساري يحاول جاهداً تهدئة حشد غاضب قبل أن ينسحب تحت وطأة الهتافات الغاضبة.

أعاد تومي روبنسون هذه الأيام تقديم نفسه بصفته "صحافياً". أما دانييل توماس، فيرى أن في إمكان الصحافيين الحقيقيين "الذهاب إلى الجحيم" مخاطباً إياهم بالقول "أنتم العدو". ويوافقه دان ووتون الرأي في ذلك. هنا، لا بد من التذكير بأن ووتون كان يوماً من الوجوه البارزة في قناة "جي بي نيوز" التابعة للسير بول مارشال، قبل أن ينضم إلى ما يمكن وصفه بالإعلام المعادي للإعلام.

لم أر أي محاولة من جانب أي من هؤلاء لتحديث أو توضيح أو تصحيح ما قالوه. فخلال فترة وجيزة، أدت "حادثة الاغتصاب الجماعي في إبسوم" وظيفة سياسية واضحة. أما الحقيقة فقد بدت ببساطتها أقل فائدة.

يا للأسف على حال الشرطة المسكينة. فقد انضمت إلى وسائل الإعلام الرئيسة، والخدمة المدنية، والأوساط الأكاديمية، والكنيسة، والعلماء، والمنظمات غير الحكومية، والقانون، لتصبح كبش فداء لهجمات الشعبويين.

كثيراً ما كان اليمين يقف في الماضي جنباً إلى جنب مع عناصر الشرطة، بصفتهم حراس القانون والنظام. لكن الآن يتعين على أجهزة إنفاذ القانون أن تتحمل اتهامات بأنها مجرد جزء من الدولة العميقة، وبأنها أسيرة لهيمنة أيديولوجية. وفي عالم دان ووتون، لا يمكنك تصديق كلمة واحدة مما يقولون.

يبقى القول إن الشعبوية تترسخ عندما تتآكل الثقة تدريجاً، فتلصق بالمؤسسات تهم الفساد أو الانحياز، أو يروج على أنها "مصممة" لخدمة فئات بعينها، إلى أن يفسح المجال في النهاية لصوت واحد يختزل أصوات الجميع. وما حدث في إبسوم ليس سوى خطوة واحدة على هذا المسار.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير