موجة عنصرية تجتاح كرة القدم العالمية

الطب النفسي يرى أن السبب الرئيس للتعصب هو شعور البعض بالدونية وفقدان العاطفة تجاه الآخرين

لاعبو المنتخب التركي يحتفلون بالتحية العسكرية بعد إحراز هدف في شباك فرنسا بتصفيات يورو 2020 (رويترز)

تصاعدت خلال الفترة الأخيرة حدة التوترات المتعلقة بالتمييز العنصري وخلط السياسة بكرة القدم، لتلقي بظلال جديدة على اللعبة التي يُعد أحد أهم أهدافها نبذ الاختلافات بين ممارسيها، أياً كانت خلفياتهم العرقية أو الدينية أو الثقافية أو السياسية.

وأثارت التحية العسكرية التي كررها لاعبو المنتخب التركي مرتين احتفالا بأهدافهم في شباك منتخب ألبانيا يوم الجمعة 11 أكتوبر (تشرين الأول)، ثم الاثنين 14 أكتوبر أمام فرنسا في تصفيات بطولة أمم أوروبا "يورو 2020"، جدلاً واسعا وانتقادات جماهيرية ورسمية.

ويبدو أن المنتخب التركي بات مصمماً على كسر قواعد الاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم بتعمد استفزاز المنافسين، بأداء التحية العسكرية، لدعم هجوم الجيش التركي على شمال سوريا، وما ترتب عليه من كوارث إنسانية.

وعلى الرغم من الانتقادات التي واجهها المنتخب التركي والاتحاد التركي لكرة القدم عقب الاحتفال بالتحية العسكرية أمام ألبانيا، ونشر حساب المنتخب التركي على "تويتر" صورة تضمّ المنتخب التركي بجهازه الفني عقب مباراة ألبانيا وهم يحتفلون بالتحية العسكرية، وكتب "نهدي هذا الفوز لجنودنا الشجعان ولشهدائنا"، لجأ لاعبو تركيا لتكرار الاحتفال أمام فرنسا، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم الـ"يويفا" لفتح تحقيق في الواقعتين.

وفي الأردن، شهدت مباراة المنتخب الأردني وضيفه الكويتي هتاف بعض الجماهير الأردنية باسم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الذي غزا الكويت في عام 1990، في محاولة لاستفزاز الجماهير الكويتية واللاعبين.

واعتقلت السلطات الأمنية الأردنية شخصين بتهمة إطلاق عبارات مسيئة خلال المباراة، التي انتهت بالتعادل السلبي في التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس آسيا وكأس العالم.

ونقلت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية "بترا" عن المتحدث باسم مديرية الأمن العام، قوله إن السلطات اعتقلت شخصين تمهيداً لضبط باقي المتورطين في الحادث.

ومع تصاعد الانتقادات الشعبية الكويتية للواقعة، سارع وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، بالتعليق على الحادث عبر مجموعة تغريدات عبر حسابه على "تويتر" مؤكداً أن بلاده تدين وترفض أي إساءة لدولة الكويت الشقيقة.

وأضاف "نشدد على أن أي إساءة لدولة الكويت الشقيقة وشعبها الأصيل إساءة للأردن ندينها ونرفضها. علاقاتنا الأخوية أقوى من محاولات البعض استهدافها، هؤلاء لا يمثلون الأردن وقيمنا واعتزازنا بالكويت وما يجمعنا بها من روابط المحبة والاحترام".

ودان مجلس النواب الأردني، وكذلك اتحاد كرة القدم ومسؤولو الرياضة، الواقعة وأكدوا أن مثل هذه الإساءات لا تُمثل الشعب الأردني.

وجاء الرد الرسمي الكويتي سريعاً، حيث أكد عزيز الديحاني، السفير الكويتي لدى عمّان، ثقة بلاده بأن تلك الهتافات المسيئة غير المسؤولة هي مجرد محاولات خبيثة لإحداث وقيعة بين البلدين الشقيقين اللذين تجمعهما علاقات وثيقة.

وفي بلغاريا، قالت الشرطة يوم الأربعاء إنها احتجزت ستة أشخاص مشتبه في تورطهم في أحداث الإساءات العنصرية تجاه اللاعبين السود في منتخب إنجلترا خلال التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس الأمم الأوروبية 2020 في صوفيا، مع احتمال وقوع المزيد من الاعتقالات.

وتحوّلت مباراة المنتخب الإنجليزي أمام مضيفه البلغاري في تصفيات يورو 2020، والتي انتهت بفوز منتخب "الأسود الثلاثة" بنتيجة 6-0، إلى ساحة للعنصرية والهتافات السياسية من قبل مجموعة من جماهير البلد المضيف، حيث أطلقت مجموعة من الجماهير أصوات القرود وأدوا التحية النازية، وهو ما تسبب في توقف المباراة مرتين.

وقال كبير المفوضين جورجي هادزييف، مدير إدارة شرطة صوفيا "تم اعتقال ستة أشخاص حتى الآن، ونحن نبحث عن ثلاثة آخرين لأننا جمعنا أدلة على تورطهم في هذه الحوادث".

وأضاف هادزييف أن العملية لا تزال مستمرة وكانوا يحاولون التعرف على المزيد من المشتبه بهم.

وفتح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم الـ"يويفا" تحقيقاً تأديبياً ضد بلغاريا في عدد من الاتهامات، بما في ذلك السلوك العنصري وإلقاء الأشياء على الملعب.

ومع تعالي أصوات النقد، وحثّ مجموعة "كيك إت أوت" المناهضة للتمييز العنصري في ملاعب كرة القدم، الاتحاد الأوروبي لكرة القدم على اتخاذ خطوات أكثر حدة تجاه بلغاريا لتكون عبرة لكل من يفكر في تكرار هذه الأحداث العنصرية، اعتذر المدير الفني لمنتخب بلغاريا، كراسيمير بالاكوف، للمنتخب الإنجليزي، وقال "أدين بشدة وأرفض العنصرية باعتبارها قاعدة سلوك تتناقض مع العلاقات الإنسانية الحديثة".

وأضاف "هذا تحيز يأتي من الماضي يجب القضاء عليه إلى الأبد"، وتابع "أريد أن أقول شيئاً واضحاً جداً: نظراً لوجود إهانات على هذا الأساس أعتذر بصفتي مدرباً للمنتخب الوطني للاعبي كرة القدم الإنجليز ولجميع الذين يشعرون بالأذى".

وكان رئيس الاتحاد البلغاري لكرة القدم، بوريسلاف ميهايلوف، قد استقال من منصبه يوم الثلاثاء، بعد ساعات قليلة من دعوة رئيس وزراء بلاده بأن يستقيل على خلفية هذه الأحداث المؤسفة.

وقبيل ساعات من مباراة بلغاريا وإنجلترا، كان ميهايلوف قد شن هجوماً على المنتخب الإنجليزي، مشيراً إلى أن لاعبيه وجهازهم الفني يكثرون من الحديث عن خوفهم من التعرض للعنصرية في بلغاريا، بينما تملأ العنصرية ملاعب كرة القدم الإنجليزية.

وبالفعل جاءت بداية الموسم الكروي الحالي في إنجلترا مصحوبة بفضيحة تمييز عنصري من جماهير نادي تشيلسي الإنجليزي تجاه لاعب الفريق تامي أبراهام، عقب إهداره ركلة الترجيح الأخيرة في مباراة السوبر الأوروبي بين "البلوز" وفريق ليفربول.

وكشف أبراهام لاحقاً أنه قرأ التغريدات المسيئة له أثناء وجوده في غرفة الملابس بعد المباراة، واعترف بأن الإساءة أثرت على عائلته أكثر مما أثرت فيه.

وقال أبراهام لشبكة (سي إن إن) "أتذكر التحدث إلى أمي، كانت عاطفية وتبكي وكانت تفكر.. لماذا؟ لماذا هو؟ من الواضح أنه ليس لطيفاً، حيث ترى ابنك يتعرض للإساءة".

وسرعان ما انتقلت عدوى التمييز العنصري من جماهير تشيلسي إلى مانشستر يونايتد الذي هاجمت جماهيره عبر وسائل التواصل الاجتماعي لاعبي الفريق بول بوغبا وماركوس راشفورد بسبب إهدار ركلات جزاء في مباريات الدوري.

ودان نادي يونايتد بصفة رسمية هذا السلوك التمييزي، ودعا شركات التواصل الاجتماعي إلى اتخاذ إجراء وقائي.

ودعا أولي غونار سولسكاير، المدير الفني لفريق يونايتد، إلى وقف الإساءات العنصرية "الخسيسة" بعد استهداف لاعبه ماركوس راشفورد عبر "تويتر" عقب ركلة الجزاء الضائعة لمانشستر يونايتد في مباراة هزيمته أمام كريستال بالاس 2-1.

وقال سولسكاير "نحن بحاجة إلى إيقاف هذه الأفعال، يجب أن تتوقف، نحن نضيع وسط هذه الكلمات إذا استمرت، نستمر في الحملات وهم يختبئون وراء هويات مزيفة، من الجنون أن نتحدث عن هذا في عام 2019".

ونال نادي ليستر سيتي الإنجليزي نصيباً وسط دوامة العنصرية التي ضربت الملاعب الإنجليزية، حيث تواصل ليستر مع الشرطة في وقت سابق من الشهر الحالي للإبلاغ عن الإساءات العنصرية الموجهة إلى لاعب وسط فريقه حمزة تشودهاري عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

واستُهدف اللاعب البالغ من العمر 22 عاماً، وهو من أصول تعود إلى بنغلاديش وغراندا من هنود الكاريبي عبر "تويتر"، بعد تدخله بقوة مع محمد صلاح لاعب ليفربول مما أدى لإصابة الأخير.

وفي محاولة لمجابهة هذه التصرفات العنصرية، بخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التقى مسؤولون من الدوري الإنجليزي الممتاز والاتحاد الإنجليزي لكرة القدم ودوري كرة القدم الإنجليزية، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي بالمديرين التنفيذيين لموقع "تويتر" لمناقشة خطط معالجة الإساءات التي أصبحت شائعة على منصة التواصل الاجتماعي.

وجاء في بيان الاتحاد "التقى اليوم اتحاد كرة القدم والدوري الإنجليزي الممتاز والدوري الإنجليزي مع (تويتر) للحديث فيما يتعلق بالمخاوف المستمرة المتعلقة بالسلوك التمييزي والبغيض الذي يحدث على المنصة".

وفي إيطاليا، اتخذت العنصرية منحنى أكثر خطورة، حيث تعرّض البلجيكي روميلو لوكاكو، مهاجم فريق إنتر ميلان، لإساءات عنصرية عقب تسجيله هدفاً في شباك فريق كالياري من ركلة جزاء على ملعب (سردينيا أرينا)، لكن جماهير الفريق المنافس ردّت بإطلاق أصوات القرود، والأمر الخطير أن مجموعة من جماهير إنتر ميلان بعثت برسالة إلى لاعب فريقها لوكاكو، تدعوه لعدم الحزن بسبب التعرض لهذه الوقائع العنصرية، التي تعتبر من وجهة نظرهم مجرد محاولات للتأثير على اللاعبين.

ونشرت رابطة مشجعى إنتر ميلان المعروفة باسم "كورفا نود"، بياناً للتضامن مع جماهير كالياري، وجاء في البيان "مرحباً روميلو، نكتب إليك هذا البيان نيابة عن جماهير إنتر، نعم نحن الرجال الذين رحبوا بك عندما وصلت إلى مدينة ميلانو، نأسف للغاية لأنك اعتقدت أن ما حدث في مباراة كالياري كان عنصرياً، فهذا الأمر غير صحيح على الإطلاق، يجب عليك أن تعلم أن إيطاليا ليست مثل العديد من بلدان شمال أوروبا الأخرى، حيث إن العنصرية هي مشكلة حقيقة، نحن في إيطاليا نستخدم بعض مثل هذه الطرق من أجل مساعدة فرقنا وجعل خصومنا متوترين للغاية، لكن الأمر ليس عنصرياً إطلاقاً".

ورداً على هذه الأفعال، دعا ديمبا با، لاعب المنتخب السنغالي السابق، اللاعبين السود إلى ترك دوري الدرجة الأولى الإيطالي ومقاطعته بشكل تام.

وفي محاولة لتدارك الأمور في إيطاليا، أوقفت شبكة "توب كالتشيو 24" الإيطالية ناقدها لوسيانو باسيراني عن العمل وأنهت عقده بسبب تعليقاته العنصرية تجاه لوكاكو.

أما نادي ميلان فأعلن تكوين فريق عمل داخلي للتصدي للعنصرية في كرة القدم الإيطالية عقب استهداف لاعب الفريق فرانك كيسي.

وقال النادي في بيان إن فريق العمل "سيتم دعمه من خلال هيئة استشارية خارجية وتطوير برنامج أنشطة لزيادة الوعي ومراقبة ومعالجة السلوك العنصري على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الملعب، ودفع اعتماد أفضل الممارسات العالمية بشأن التنوع وكيفية تقبله وتضمينه".

وتعرض محمد صلاح، نجم المنتخب المصري وفريق ليفربول الإنجليزي، لعدد من حوادث العنصرية نظراً لهويته العربية ودينه الإسلامي، إلا أن أندية تشيلسي ونيوكاسل وإيفرتون قد عاقبت الجماهير المسيئة للاعب المصري، بل وتدخلت الشرطة الإنجليزية لإيقاف عدد منهم والتحقيق معهم.

وقال الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي في الأكاديمية الطبية العسكرية في مصر، لـ "اندبندنت عربية"، إن "السبب الرئيس للتعصب والتمييز العنصري هو شعور البعض بالدونية مع فقدانهم لمشاعر الحب والعاطفة تجاه الآخرين، لذلك يتجه المشجع المتعصب إلى عداوة وكراهية كل من يخالفه في الرأي أو الجنس أو الدين أو الرؤية السياسية".

وأضاف "المتعصب يضع كل همومه ووزنه العاطفي وقيمته وشعوره بذاته على فريقه، وتحدث له حالة توحد مع ناديه".

"هذا النوع من الكراهية يتخطى فكرة مباراة كرة القدم، بل يعتبر المنافس عدوا شخصيا له ويسعى إلى تدميره شخصياً".

"يلجأ المتعصب إلى إخراج حتميته النفسية والضغوط الحياتية التي يتعرض لها، من خلال العنف والكراهية تجاه الآخرين، وبخاصة لو كانوا مختلفين عنه".

وعلق الدكتور طه أبو حسين، أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة الأزهر، على حوادث العنصرية في ملاعب كرة القدم، قائلاً "لجأ العالم إلى منافسات كرة القدم وغيرها من الرياضات الجماهيرية بعد سلسلة من الحروب الدامية، في محاولة لتفريغ طاقات الشعوب بعيداً عن الجوانب السلبية، لكن مع مرور السنين بدأت المعالم السلبية في العودة من خلال العنصرية والعنف والتمييز".

وأردف "يلزم المتعصب أن يكون وسط جماعة ينتمي لها، حيث إن الإنسان لا يمكن أن يعيش بمفرده لا في صراع أو سلام، ولذلك تجد كل جماعة من المتعصبين القوة في زيادة أعداد مؤيديها، حيث يشعر كل فرد بالثقة والقوة والدعم، ولذلك يعبّر الناس عن غضبهم بشكل أقوى وأكثر حدة في الملاعب".

"للأسف لا توجد حلول جذرية للعنصرية والتمييز، حيث إنها أشياء تحتاج إلى تغيير طرق التربية وتفكير مجتمعات بأكملها، لكن يمكن التقليل من حدة العنصرية في الملاعب عبر تفريق المتعصبين ومنعهم من حضور المباريات ومكافحة رسائلهم على وسائل التواصل الاجتماعي".

المزيد من كرة القدم