المقالة أدناه مقتطفة من نشرة "درايف سمارت" DriveSmart البريدية التي يكتبها ستيف فاولر.
لكل معرض سيارات محاوره الخاصة، التي تدور غالباً حول أحدث التكنولوجيات، وقضايا جيوسياسية، والظروف الاقتصادية وأحوال الأسواق للمالية.
وفي معرض الصين للسيارات هذا العام، المقام في المجمع الضخم "مركز الصين الدولي للمعارض في بكين (الذي يتبادل استضافة المعرض سنوياً مع مدينة شنغهاي)، انصب الحديث كله حول الذكاء الاصطناعي والروبوتات. وتشمل الأخيرة، طبعاً، التكنولوجيا المشغلة للسيارات الذاتية القيادة.
في الواقع، يخرج هذا المعرض عن المألوف تماماً في حجمه. مساحته البالغة 380 ألف متر مربع، وفق المقياس الدولي للمساحة، تعادل نحو 53 ملعب كرة قدم بالحجم الكامل، مما يجعل من الصعب تغطيته في يوم واحد، ولكنني بذلت قصارى جهدي.
إلى جانب مشاهدة السيارات ومعاينتها، يشكل المعرض فرصة ممتازة للقاء القائمين على إدارة شركات السيارات. وقد انتهزت الفرصة لأسألهم لماذا في رأيهم تكتسي الصين أهمية بالنسبة إلينا كمشترين للسيارات، وما تأثيرها في شركات السيارات العريقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يشغل خوسيه مونيوز منصب الرئيس التنفيذي لشركة "هيونداي"، وأعلن عن تحرك طموح لتعزيز حضور علامته في الصين. ومعلوم أن "هيونداي" كانت يوماً لاعباً كبيراً في السوق الصينية، بيد أنها فقدت هذا الموقع، لذا تتمثل خطة مونيوز في إعادتها إلى مكانتها الكبيرة السابقة. ولكن، هل ما يراه ويتعلمه في الصين، وما تفعله "هيونداي" هناك، يعود بالنفع على مجمل أعمال الشركة وعملائها حول العالم؟
أخبرني مونيوز: "حين تأتي إلى الصين وتمضي بعض الوقت فيها، تدرك أنك أمام سوق مختلفة. شهدت هذه السوق نمواً كبيراً، إذ يتاح أمام المستهلكين الشباب كثير من التكنولوجيات الحديثة، ويتواصلون من خلالها مع العالم بأسره، ومع مختلف المنظومات".
كذلك تتوافر هنا، وفق ما قال مونيوز، "تكنولوجيات لا نجدها في أسواق أخرى، وتسود سلوكات مختلفة عن سواها. ففي حين يمكنك تطوير أنظمة قيادة ذاتية تناسب أسواقاً مثل الولايات المتحدة أو أوروبا، فإنك عند مجيئك إلى الصين ستجد في يوم واحد بعينه كثافة بشرية أكبر، ذات أولويات وغايات متباينة. وحين تتجول في المكان، ستلحظ اختلافاً في حركة المشاة، وترى أناساً يركضون، وآخرين يركبون الدراجات الهوائية أو يقودون السيارات، في مشهد أكثر تعقيداً بأشواط".
وتابع مونيوز قائلاً، "ولا شك في أن نظام القيادة الذاتية الذي يثبت نجاحه هنا، يمكن تكييفه بسهولة وبصورة عملية مع الأسواق الأخرى، بينما لا يصح العكس. وهذه ميزة بالغة الفرادة"، مضيفاً "علاوة على ذلك، يبدو المستهلك الصيني متطلباً جداً في ما يخص البرمجيات والتكنولوجيات، إذ إن ما يفعله الناس في البلدان الأخرى داخل منازلهم، يقوم به كثير من الصينيين في هذه البلاد داخل سياراتهم".
وأوضح مونيوز "السيارات هي مساحة يقضي فيها الناس وقتهم ويعملون، ويرغبون في أن يستمتعوا فيها بمشاهدة فيديوهات ذات جودة عالية، أو مسلسلات عبر الإنترنت، أو الاستماع إلى الموسيقى، أو الاسترخاء، وغير ذلك. لذا، تبدو هذه المساحة مميزة جداً، فهي ليست مجرد وسيلة للتنقل، بل مساحة للعيش".
وفي رأي مونيوز، "كل هذه عناصر تساعدنا على استخلاص نتائج".
كذلك فإن تسارع وتيرة التطوير في الصين يغير طريقة عمل "هيونداي" وشركات السيارات الأخرى. يقول مونيوز "حين تستخدم تكنولوجيات معينة في الصين، تجد الناس معتادين على الحصول عليها فوراً. في بلدان أخرى لم تكن التكنولوجيا متاحة لهم سابقاً، أما الآن فقد أصبحت كذلك. [في تلك الأسواق]، لا بأس إن كنت بطيئاً، أما في هذه السوق، فعليك أن تكون سريعاً".
بدورها، تلهم مونيوز قدرة الشركات الصينية على خفض الكلف، إذ قال: "ثمة كثير من العناصر القابلة للاستلهام، ولكن أهمها الكلفة الميسورة. فنحن بطبعنا نريد كثيراً مقابل القليل، أليس كذلك؟ أريد الحصول على أقصى ما يمكن بأقل سعر. ولما كانت المنافسة في الصين شديدة، إذا استطعت الصمود هنا، في وسعك نقل تلك [القدرة التنافسية] إلى أي سوق أخرى".
بعد حديثي إلى مونيوز، التقيت بماتياس غايزن، مسؤول المبيعات والتسويق في عملاق الصناعة الألمانية "مرسيدس-بنز". وقد جاءت آراؤه مطابقة لآراء مونيوز في نواح كثيرة، ولكنه ركز تحديداً على كيف أن تطورات القيادة الذاتية في الصين تعيد رسم ملامح صناعة السيارات في العالم.
وقال غايزن: "لدى الصين عملاء متطلبون جداً، لا سيما في جوانب الترفيه والتكنولوجيا نفسها. والعملاء هنا في الصين أصغر سناً بالتأكيد من العملاء في أوروبا، وما نتعلمه هنا سيكون حاضراً بوضوح أيضاً في أوروبا وبقية دول العالم. فقد نشهد هنا طلباً على ’المستوى الثاني+‘ من القيادة الذاتية [مرحلة متقدمة قليلاً تتضمن قيادة شبه ذاتية على الطرق السريعة] وهو أمر ندركه جميعاً، لكنه لم يصل بعد إلى أوروبا".
وأضاف غايزن "بالطبع سيحدث ذلك في أوروبا أيضاً، فبمجرد أن يدرك الناس وجود تكنولوجيا متفوقة، سيرغبون في الحصول عليها".
وأوضح "ببساطة، تسرع [بيئة السوق الصينية] كثيراً من أعمالنا، ولهذا السبب أنشأنا مركزاً للأبحاث والتطوير هنا، كي نضمن بقاءنا في الصدارة واستمرارنا في الابتكار"، مضيفاً أن "المنافسة المحتدمة في هذه السوق تفرض وتيرة متسارعة للابتكار في كل ما ننجزه. لذا أرى أنها مفيدة تماماً".
وتابع قائلاً "مثلاً، نحن الآن الوحيدون القادرون على تقديم ’المستوى الثاني بلس‘ في محركات الاحتراق، لأن هذا المشروع قاده فريقنا المحلي بالتعاون مع شريكنا ’مومنتوم‘ Momentum وشركة ’إنفيديا‘، والآن نعمل على تقديمه لبقية العالم".
وأضاف "لذا أقول، إذا كنت قادراً على المنافسة في الصين، فأنت في وضع يؤهلك بقوة لبقية العالم. ففي ما يتعلق بخصائص مثل القيادة الذاتية والرقمنة، يبقى العملاء هنا الأكثر تطلباً على الإطلاق".
للحصول على وجهة نظر مختلفة تماماً، قادتني مسيرتي التالية الطويلة عبر قاعات المعرض إلى أحد كبار اللاعبين في الصين، شركة اسمها "جي أي سي" GAC أو "جاك" اختصاراً لـ"مجموعة قوانغتشو للسيارات". ومن بين علاماتها التجارية العديدة، تعد "أيون" Aion العلامة الوافدة الأحدث إلى السوق البريطانية. يقود هذا التوسع مديرها العام جون ويكفيلد، الاسم المخضرم وصاحب الخبرة في قطاع السيارات (ووكلائها) في المملكة المتحدة.
غريب حقاً أن تسافر أكثر من 8 آلاف كيلومتر لتتحدث إلى شخص لا يبعد عنك في الحقيقة سوى 64 كيلومتراً تقريباً (وقد سبق لنا اللقاء محلياً). ولكن جون كان حريصاً على اصطحابي في جولة في جناح "أيون"، مسلطاً الضوء على عدد من السيارات الأخرى المرشحة لدخول السوق البريطانية تحت العلامة التجارية "أيون"، من بينها "أس 7" الهجينة القابلة للشحن من مصدر كهربائي خارجي، و"أس 600" التي رأيت فيها لمسة من "بورشه ماكان"، ولكن بسعر أقل بأشواط.
وقد سألت ويكفيلد عن نظرته إلى الصين وأهميتها بالنسبة إلى المستهلكين في المملكة المتحدة.
أجابني: "هنا يكمن الابتكار والتطوير، والقدرة على تصنيع سيارات منخفضة الكلفة. هنا مركز كل شيء".
حتى في جناح "جي أي سي"، تبدو لافتة ضخامة المؤسسة وحجم الفرص المتاحة لدخول سياراتها إلى السوق البريطانية، وبحيب ما قال ويكفيلد: "إن تنوع المنتجات هنا كبير إلى درجة يصعب استيعابها. نعم، علينا اختيار السيارات المناسبة للسوق البريطانية، ووسط متجر الحلوى هذا تبرز طرز مميزة ومغرية جداً للمستهلك البريطاني".
وأوضح ويكفيلد "بطبيعة الحال، ستكون سيارة ’أيون في‘ Aion V أول طراز يدخل إلى السوق، تليها ’أس 7‘ المعروضة هناك، علماً أنها سيارة هجينة من فئة الدفع الرباعي تناسب فعلاً اهتمام السوق البريطانية بسيارات الدفع الرباعي الكبيرة والمرتفعة. ومن المقرر طرحها في السوق العام المقبل".
وتابع قائلاً "بيد أن المسألة لا تتوقف عند التصميم والملمس [جودة المواد والخامات] وجودة التجميع، بل تمتد أيضاً إلى منظومات الدفع، إنني مهتم فعلاً بإدخال تكنولوجيا من شأنها توسيع المدى [المسافة التي تقتطعها المركبة في شحنة واحدة] إلى المملكة المتحدة لما أرى فيها من منطق عملي. فالسيارة الهجينة القابلة للشحن تعتمد بدرجة أكبر على محرك الاحتراق الداخلي مع بطارية مساعدة، بينما يعتمد نظام "موسع المدى" بصورة أساس على البطارية مع وجود محرك احتراق داخلي ثانوي. لذا، يمثل مرحلة التطور الجديدة، إذ يمنح السائق الثقة الكافية لخوض رحلات طويلة".
ومع تنامي عدد العلامات التجارية الجديدة المعروضة في بكين، وتوجه مزيد منها إلى المملكة المتحدة، يدرك ويكفيلد تماماً الأهمية التي ينطوي عليها التركيز ووضوح الرؤية.
قال ويكفيلد في هذا الشأن: "أعتقد أن إحدى الملاحظات التي يمكن أن أطرحها الآن، والتي باتت واضحة إلى حد كبير في السوق الصينية، وجود عدد مفرط من العلامات التجارية وخطوط السيارات، مما يخلق إرباكاً واضحاً لدى المستهلك، إضافة إلى أن بناء الثقة وسمعة العلامة التجارية في هذا السياق أمر معقد للغاية، إذ تطرح شعارات كثيرة حول الحجم والثقة والاعتمادية وغيرها، وفي النهاية على الناس أن يكونوا آراءهم بأنفسهم".
"أما بالنسبة إليَّ، فتقوم استراتيجيتنا على التمسك بعلامة تجارية واحدة، ثم إدخال باقي خطوط الطرز ضمنها لتندرج تحت مظلتها"، أضاف ويكفيلد.
الواضح هنا أن الصين تبذل جهوداً حثيثة كي تتولى القيادة في مجالات محددة. وأجريت قبل قليل حديثاً مع يين تونغيوي، رئيس شركة "شيري" Chery، حول روبوتات "أي آي موغا" AiMoga الشبيهة بالإنسان المصممة لدعم البشر، والمستندة إلى دروس مستفادة من تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة القيادة الذاتية المستخدمة في سيارات الشركة بالفعل. ويبدو أنه أيضاً يراقب من كثب ما تقوم به شركة "تسلا" وإيلون ماسك في مجال الروبوتات.
© The Independent