جون بولتون على وشك الانتقام من ترمب وقد ينقذ أميركا بذلك

قد يكون بولتون مذنباً بارتكاب أخطاء جسيمة في التقدير وصاحب عيوب في الشخصية، لكنه رفض أن يلعب لعبة ترمب - والآن قد يكون منقذ أميركا الأكثر قيمة في البلاد

يواجه الرئيس ترمب عدة قضايا تتهمه بالفساد الرئاسي والتواطؤ (رويترز) 

لم يكن ترمب يرغب في تعيينه مستشارا للأمن القومي في المقام الأول بسبب مصفاة الحساء الشبيهة بوجه الفقمة التي تُزيّن شفة بولتون العليا، لأن ترمب يعتقد أن شعر الوجه تعلق فيه الجراثيم. وبدلاً من بولتون، اختار ترمب مايك فلين ذو الوجه الحليق، والذي تلقى الرشى من تركيا وروسيا لمدة 24 يوما. ثم اختار جنرالا نظيفا ولامعا، لكن هربرت مكماستر أشعره بالملل بخياراته الكثيرة.

وأخيراً، انتزع ترمب بولتون من قناة فوكس نيوز، التي ما فتيء الرجل يعبر فيها عن قدرة الطلعات الجوية الأميركية على تحسين الأوضاع في كل بقعة ساخنة يراها في العالم.

لم يكن بولتون شخصا بريئا وساذجا كطفل صغير في الغابة، بل كان محاميا داهية، تلقى تدريبه في جامعة ييل، وكان يتنقل في أوساط المحافظين الجدد في واشنطن منذ إدارة ريغان، وكان مقاتلا أسطوريا بينهم. إنه كان لا يطيق الأغبياء كما لا يطيق أي أحد يقف في طريقه للسلطة. لقد كان قاسياً على من هم تحت سلطته.

وبصفته وكيلا لوزارة الخارجية لشؤون الحد من التسلح في إدارة جورج بوش، وقف بولتون فعليا ضد جميع إجراءات الحد من التسلح، بما في ذلك محاربته لمقترح كان يهدف لتفعيل اتفاقية الأسلحة البيولوجية واتفاقية الأسلحة الكيميائية ومبادرة نون - لوغار لتقليص الانتشار النووي إلى النصف. كما زاد التأكيد على محور الشر الذي أعلنه بوش، وأضاف كوبا وليبيا وسوريا للقائمة بعد أن حددها بوش في إيران والعراق وكوريا الشمالية. وقد دافع بولتون عن تغيير الأنظمة في جميع تلك الدول الستة، ومؤخرا في فنزويلا.

لقد كان قوة دافعة وراء خدعة أسلحة الدمار الشامل التي أدت إلى حرب العراق، حيث ضغط على مسؤولي الاستخبارات وحاول فصل المهنيين من وظائفهم الذين جادلوا بأنْه لا يوجد دليل على (امتلاك العراق) لتلك الأسلحة. ثم وقف داعما للحرب بصوت عالٍ. وعلى الرغم من أسلوبه المتهوّر في الدبلوماسية واحتقاره للمنظمات الدولية، فقد تم تعيين بولتون من قبل الرئيس بوش سفيرا لدى الأمم المتحدة، رغم أنه لم يحظى أبدا بتأكيد الكونغرس. وفي تحذيره لزملائه من سفراء العالم آنذاك، قال بولتون:"يتكون مبنى الأمانة العامة (للأمم المتحدة) في نيويورك من 38 طابقاً، وإذا فقدنا منها اليوم 10 طوابق فإن هذا لن يكون له أي تأثير."

إن النهج العدواني الذي يرتد عليه وسوء التقدير واحتقار العمل البيروقراطي - ناهيك عن ازدرائه المماثل للقيم الحضارية الأساسية - كان ينبغي أن تكون نقاطا سلبية تمنعه من العودة إلى الحكومة - علاوة على الشارب. كما أنه كان أقل كفاءة في القيام بوظيفة مستشار الأمن القومي لأنها تشمل تجميع مختلف الخيارات ووجهات النظر الموجودة في الجهاز البيروقراطي للأمن القومي وتقديمها - باعتباره "وسيطا نزيها" - للرئيس لاتخاذ قراره.

قال ترمب إنه معجب بما رآه في بولتون، الذي بدا له "رجلا قويا." وقد أشاد المحافظون بالتعيين باعتباره مؤشراً على سياسة خارجية أكثر تدخلاً، في حين خشي الليبراليون أن يكون بولتون الرجل الذي سيوافق على كل شيء ويؤجج الحرائق التي ستشعلها الغرائز العدوانية للرئيس.

لكن كان كلاهما على خطأ.

لقد كان بولتون تماما كما كان دائماً، وأحبط العمل المشترك بين الهيئات لضمان وصول آرائه فقط إلى أذنيْ الرئيس. كانت لديه استجابة عسكرية لكل تحد - بما في ذلك الهجوم الشهير على إيران الذي تم إحباطه قبل 10 دقائق.

لقد آمن بولتون حقا بإبراز القوة الأميركية. ومما لا شك فيه أنه لو كان لا يزال في الإدارة، لأثار الجحيم بسبب الخيانة المأساوية للأكراد. من ناحيته، يحب ترمب الحديث بلغة القوة، لكنه ظل دائما يخشى الرد على الاستفزازات. وبعبارة أخرى، فإن بولتون صقرٌ، وترمب صقرٌ جبان. أما وزير الخارجية مايك بومبيو، فيتبنى سياسة "تحدث بصوت عالٍ، واحمل غصنا صغيرا،" لأنه يعرف طبيعة اللعبة، وهي اللعبة التي يرفض بولتون أن يلعبها.

لذلك طرده ترمب - وركله كعادته في طريقه للخروج، من خلال وصفه بـ "الرجل القوي" الذي "ارتكب العديد من الأخطاء الكبيرة."

وقال ترمب وقتها "أنتم تعرفون جون. إنه معروف كرجل قوي. إنه رجل قوي لدرجة أنه أدخلنا في حرب العراق. تلك هي القوة." كما قدم ترمب المشهور بودِّه تعليقا ساطع الوضوح حين قال "قلت له، 'جون، لديك الكثير من الناس - أنت لا تتفق مع الناس، والكثير منا، بمن فيهم أنا، لا يتفقون مع التكتيكات الخاصة بك وبعض أفكارك.'" وبعبارة أخرى، استعار الرئيس لنفسه صقرا من صقور الحرب، مناهضا للعمل البيروقراطي ذو مرفقين حادين، ثم طرده للأسباب نفسها تماما.

يدعي بولتون أنه استقال وأنه "سيضع الأمور في نصابها الصحيح" حول كل تلك المهزلة في نهاية المطاف. والآن حان وقت الثأر. وبصفته مستشارا للأمن القومي، من المؤكد أن بولتون كان على علم بالعملية غير القانونية التي قام بها ترمب مع محاميه جولياني لإدارة سياسة خارجية موازية في أوكرانيا، والتي يُزعم أنها سعت إلى مقايضة المساعدات المقدمة للبلاد بفضائح عن نائب الرئيس السابق بايدن، والذي اعتبره أقوى خصم له في الانتخابات المقبلة.

كان ترمب بمثابة العم المجنون المنشغل بنظريات المؤامرة واستعراض فساد المحاباة في قلب إدارته. وبالنسبة له كانت مشكلة الفساد في أوكرانيا على ما يبدو تتلخص في عائلة واحدة، وهي عائلة بايدن - وسيقوم ترمب باستخدام سلطته الرئاسية في إدارة السياسة الخارجية لدفع الأوكرانيين إلى تلفيق القضايا لعائلة بايدن.

لقد عمّر بولتون في السياسة ما يكفي من الوقت ليعرف أن القيام بذلك أمر غير مقبول، وبالتأكيد ليس علانيةً أمام العشرات من الناس الذين يشاهدون تنفيذ مثل هذه الاستراتيجية. والآن بدأت شذرات الانتقام السام في الظهور، عندما وصف جولياني، في استعارة ملائمة للإعجاب بـ "قنبلة يدوية ستفجر الجميع." الجميع باستثناء جون بولتون. وأعلن أنه "لن يكون جزءًا من أي صفقة مخدرات يُحَضِّرها سوندلاند (السفير الأميركي لدى الاتحاد الأوروبي) ومولفاني (كبير موظفي البيت الأبيض بالإنابة)". من كان يظن أن بولتون البائس كان قادرا على انتاج مثل هذه الاستعارة الحية؟ (صفقة المخدرات هنا المقصود بها صفقة سرية أو مشبوهة مخالفة للقانون لا صفقة مخدرات حقيقية)

قد يكون بولتون مذنباً بارتكاب أخطاء جسيمة في التقدير وصاحب عيوب في الشخصية. ولكن بدخوله إلى إدارة ترمب، ورفضه أن يكون أحد أتباعها وأن يتجاهل السخرية التي صاحبت رحيله، فقد يكون في وضع يسمح له بأن يفضح من الداخل الجهل الحقيقي والنرجسية والاعتلال النفسي الموجود في قلب رئاسة ترمب.

© The Independent

المزيد من آراء