الجزائر... قوانين شعبية أثارت الجدل وأخرجت المواطنين إلى الشارع

البلاد تعيش وضعاً سياسياً استثنائياً في موازاة استمرار الحراك الشعبي

الطلاب الجزائريون يتظاهرون للمطالبة بإصلاحات سياسية (أ.ف.ب)

لم يكن قانون المحروقات، النص الوحيد الذي خرج الجزائريون للتظاهر ضده في الجزائر، فقبله فجر العديد من مشاريع القوانين غضباً شعبياً وسياسياً عارماً، وصل إلى حد اتهام السلطة ببيع ثروات البلاد، أو التفريط في مكتسبات اجتماعية، وحتى استهداف جيب "الطبقة الكادحة" وتعميق معيشتها.

الموازنة السنوية... صداع دائم

عام 2016، وجدت الحكومة الجزائرية التي كان يقودها عبد المالك سلال، الموجود حالياً رهن الحبس المؤقت بتهم فساد، صعوبة كبيرة في تمرير قانون الموازنة المالية، الذي وصف حينها بأنه "أخطر القوانين في تاريخ البلاد"، بينما اعتبرته السلطات "حلاً لامتصاص صدمة انهيار أسعار النفط".

وكانت جلسة المصادقة على القانون عسيرة جداً، شهدت اشتباكات بالأيدي والضرب بين نواب المعارضة والسلطة تحت قبة البرلمان، ووقفة احتجاجية في بهوه ومسيرة في الشارع المحاذي لمبنى البرلمان، بعدما كرس هذا النص "تدخل رجال الأعمال والمال الفاسد في صياغته"، بحسب المعارضة، وحمل ضرائب ورسوماً على المواطنين أبرزها في الغاز والكهرباء، لكن في نهاية المطاف تم التصويت عليه وتمريره.

ومنذ ذلك التاريخ أي عام 2016، تُثير قوانين المالية نقاشاً حاداً، كما هي الحال في الوقت الراهن، مع موازنة 2020 التي رخصت للعودة إلى الاستدانة الخارجية وفرضت ضرائب ورسوماً جديدة على المواطنين بحجة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر، مع توقعات بأن تثير أحكامه لغطاً كبيراً خلال جلسات مناقشته في البرلمان الأسابيع المقبلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

منظومتا التقاعد والصحة

ومن بين أبرز القوانين التي سنتها السلطات العمومية أيضاً، تلك المتعلقة بمنظومة التقاعد باعتماد شرط 60 سنة للحصول على المعاش، بعد معركة طاحنة بين الطبقة العاملة والحكومة انتهت بدخول هذا الإجراء حيز التنفيذ عام 2017، ليعود هذا القانون إلى الواجهة على مقربة من الانتخابات الرئاسية المقرّرة في 12 ديسمبر (كانون الأول)، عقب تصريح حكومة تصريف الأعمال، التي يقودها رئيس الوزراء نور الدين بدوي، عن نيتها في رفع سن التقاعد إلى 65 سنة بحجة إرجاع التوازن لصندوق التقاعد المفلس، على الرغم من أن الدستور لا يعطيها صلاحية تعديل القوانين.

علاوة على ذلك، كان قانون الصحة من بين القوانين التي أثارت حفيظة الجزائريين، لتتضمن بعض بنوده أحكاماً رآها البعض مساساً بـ "مجانية العلاج"، وتخلي الدولة عن دعم القطاع الصحي، إضافة إلى تدابير جديدة حول عمليات الإجهاض في المستشفيات والعيادات الخاصة وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد. وعلى الرغم من التأييد الشعبي الذي حازت عليه المعارضة السياسية ونقابات قطاع الصحة بالجزائر من أجل منع المصادقة، إلا أن معظم النواب بالبرلمان الذين ينتمون إلى أحزاب السلطة، مالوا إلى الحكومة ومنحوها "حق الفيتو" لتمرير القانون.

قانون المحروقات

اليوم، والجزائر تعيش وضعاً سياسياً استثنائياً في خضم الحراك الشعبي الذي انطلق قبل حوالى ثمانية أشهر، عادت القوانين لتشغل الرأي العام الجزائري، في أعقاب قرار الحكومة تعديل قانون المحروقات، الذي صادق عليه مجلس الوزراء وينتظر مروره في البرلمان، في وقت أخذت الاحتجاجات على مضمونه منحى تصعيدياً من خلال التظاهرات التي شهدتها العاصمة ومدن أخرى تطالب جميعها بإلغاء مشروع القانون، وتحركات برلمانية لرفضه.

وجاءت ردود الفعل الغاضبة بعد تصريح وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب في أن النص أُعد بعد مشاورات مع مؤسسات أجنبية عدة، وهو ما أثار حفيظة البعض. وتعد مداخيل المحروقات في الجزائر المصدر الرئيسي لخزينة الدولة، في ظل غياب بدائل اقتصادية أخرى بسبب الركود الذي يطغى على بقية القطاعات.

أسباب وراء الرفض

بحسب نوري إدريس، الأستاذ في علم الاجتماع، في جامعة لمين دباغين بولاية سطيف شرق البلاد، فإن هناك ثلاثة أسباب أساسية تجعل الجزائريين يعارضون ويحتجون أحياناً حول سن القوانين، ويلخصها  في تصريح لـ "اندبندنت عربية"، قائلاً إن السبب الأول، سواء بالنسبة للحكومة الحالية (تصريف أعمال) أو التي سبقتها، أن هناك مشكلة شرعية الحكم بسبب تزوير الانتخابات الفاضح، ومنذ سنوات والقوانين تفصّل على مقاس ومصالح الجماعات النافذة في السلطة، بما في ذلك قانون المالية الذي يخفف الأعباء الضريبية على الأغنياء ويثقل كاهل الطبقات الفقيرة.

ويتابع نوري إدريس حول السبب الثاني، مضيفاً "أنه سبب مرتبط بالأول، إذ تلجأ السلطة إلى تمرير القوانين في تعتيم تام، من دون أي مناقشة شعبية ونقاش وطني حولها، وتعتقد أيضاً أن هذه المهمة لا تعني الجزائريين ووحدها فقط من يعرف مصلحتهم، القانون الذي لا يشرك فيه المجتمع يلقى مقاومة ورفضاً".

أما السبب الثالث فقد "اكتشف الجزائريون بالتجربة، أن الحكومة لا تراجع القوانين إلا حينما تكون في أزمة خانقة، وعملية إصلاح أو سنّ القوانين بالنسبة للحكومة هي مرادفة للبحث عن ضرائب جديدة أو تقليص النفقات الاجتماعية، وقوانين الحكومة لا يتم وضعها لتحسين معيشة الجزائريين بل غالباً ما تُوضع لرفع مداخيل الحكومة من الضرائب أو من تقليص التزاماتها الاجتماعية".